حين اختارت الكنيسة كوردستان

الباحثة السياسية جيهان علو

ليس من السهل أن تقرر مؤسسة كنسية عريقة تمتد جذورها إلى قرون طويلة من تاريخ المشرق أن تنقل مركز ثقلها الروحي والإداري من مدينة ارتبط اسمها بالمسيحية الشرقية منذ فجر التاريخ إلى مدينة أخرى. لذلك فإن إعلان نيافة المطران مار داؤد شرف نقل مركز كرسي أبرشية الموصل للسريان الأرثوذكس إلى أربيل واعتماد تسمية “أبرشية كوردستان” لا يمكن اختزاله في إطار إداري أو تنظيمي ضيق، بل ينبغي النظر إليه بوصفه حدثاً يحمل دلالات أعمق تتجاوز حدود الكنيسة نفسها لتلامس طبيعة التحولات التي شهدتها المنطقة خلال العقد الأخير.
فالقرارات الكبرى لا تُبنى على الجغرافيا وحدها، بل على الذاكرة أيضاً. والذاكرة هنا تختزن واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخ المشرق الحديث، حين اجتاح تنظيم داعش الإرهابي الموصل وسهل نينوى، مستهدفاً الوجود المسيحي التاريخي ومحاولاً اقتلاع جماعات عاشت على هذه الأرض منذ آلاف السنين. في تلك الأيام السوداء، لم يكن السؤال متعلقاً بالسياسة أو الإدارة أو الحدود، بل كان سؤالاً وجودياً يتعلق بالبقاء نفسه. وعندما انهارت مدن وسقطت مؤسسات وتبعثرت العائلات، برزت كوردستان بوصفها المساحة التي حافظت على معنى الأمان وسط الفوضى، وفتحت أبوابها أمام مئات الآلاف من النازحين والمهجرين دون تمييز.
وفي قلب تلك التجربة برز دور قوات البيشمركة التي تحولت إلى خط الدفاع الأخير في مواجهة تمدد الإرهاب نحو المناطق الآمنة، ودفع مقاتلوها أثماناً باهظة دفاعاً عن أرض لم تكن تخص مكوناً بعينه، بل كانت تمثل ملاذاً لكل من وجد نفسه مطارداً بسبب هويته أو معتقده أو انتمائه. ولهذا فإن العلاقة التي نشأت بين المسيحيين وكوردستان خلال تلك المرحلة لم تكن علاقة ضيافة فحسب، بل علاقة تشكلت في ظروف استثنائية صاغتها التضحيات المشتركة والخوف المشترك والأمل المشترك.
من هذه الزاوية تحديداً يكتسب قرار نقل الأبرشية معناه الحقيقي. فهو ليس انتقالاً من مدينة إلى أخرى بقدر ما هو اعتراف رمزي بمكان أثبت قدرته على حماية التنوع عندما تعرض هذا التنوع لأخطر تهديد في تاريخه المعاصر. وهو في الوقت نفسه رسالة سياسية وأخلاقية تقول إن الأوطان لا تُقاس فقط بما تمنحه القوانين، بل أيضاً بما توفره من شعور بالأمان والكرامة والانتماء لمختلف مكوناتها.
لقد أثبتت كوردستان خلال السنوات العصيبة أنها ليست مجرد كيان إداري أو مساحة جغرافية، بل نموذج يقوم على فكرة احتضان التعدد الديني والقومي بوصفه مصدر قوة لا سبباً للصراع. ففيها تتجاور الكنائس والأديرة مع المساجد والمزارات الإيزيدية، لا باعتبارها معالم متفرقة فحسب، بل باعتبارها تعبيراً عن هوية اجتماعية تشكلت عبر قرون من التفاعل والتعايش. ولهذا فإن المشهد الذي يجمع تراتيل الكنيسة السريانية ونداءات المآذن وقدسية لالش ليس صورة شاعرية، بل انعكاس لواقع تاريخي أثبت قدرته على الصمود في وجه مشاريع الإقصاء والتطرف.
إذ تكمن أهمية قرار المطران مار داؤد شرف لا تكمن فقط في ما يمثله بالنسبة للسريان الأرثوذكس، بل في الرسالة الأوسع التي يحملها إلى المنطقة بأسرها. فهو شهادة معنوية على أن حماية الإنسان والتعددية ليست شعارات سياسية، بل ممارسات عملية تترك أثرها في الوعي الجمعي وفي قرارات المؤسسات الكبرى. وعندما تختار كنيسة مشرقية عريقة أن تربط مستقبلها باسم كوردستان، فإنها لا تعلن تغيير عنوانها فحسب، بل تسجل موقفاً تاريخياً مفاده أن الأرض التي حمت أبناءها في زمن المحنة أصبحت جزءاً من ذاكرتهم ومستقبلهم معاً.
في زمن تتساقط فيه نماذج التعايش تحت وطأة الانقسامات والحروب و الفتنة، يبرز هذا القرار كتذكير نادر بأن قوة المجتمعات لا تُقاس بعدد سكانها أو حجم مواردها، بل بقدرتها على صون كرامة الإنسان وحماية تنوعه. ومن هنا فإن “أبرشية كوردستان” ليست مجرد تسمية جديدة، بل شهادة تاريخية على تجربة أثبتت أن الأمان قد يصنع هوية، وأن التضحية قد تصنع انتماءً، وأن الشعوب التي تتشارك الآلام تستطيع أن تبني مستقبلاً مشتركاً أكثر رسوخاً و تماسكاً من أي اتفاق سياسي.

قد يعجبك ايضا