نبيل عبد الأمير الربيعي
حين يذكر تاريخ الإذاعة العراقية والمسرح في العقود الأخيرة، تبرز أسماء تركت بصمات واضحة في مسيرة الثقافة والفن، وأسهمت في بناء ذاكرة إبداعية ما زالت حاضرة في وجدان الجمهور. ومن بين هذه الأسماء يبرز الفنان والمخرج الإذاعي القدير حافظ مهدي بوصفه واحداً من الرواد الذين كرسوا حياتهم للفن والإعلام، وجعلوا من الإبداع رسالةً تتجاوز حدود الوظيفة إلى فضاء العطاء الثقافي والإنساني.
ولد حافظ مهدي ماجد كريم الوطيفي في مدينة الحلة بمحافظة بابل عام 1954، وهي مدينة عرفت عبر تاريخها الطويل بأنها حاضنة للعلم والأدب والفن. وفي أزقتها وأسواقها وفضاءاتها الثقافية الأولى تشكلت ملامح شخصيته الفنية، حيث انجذب منذ سنواته المبكرة إلى عالم المسرح والفنون الجميلة، فوجد في الخشبة والإذاعة فضاءً رحباً للتعبير عن أفكاره وأحلامه.

لم يكن دخوله عالم الفن مصادفة عابرة، بل جاء نتيجة شغف حقيقي دفعه إلى دراسة الفن أكاديمياً. فقد تخرج في معهد الفنون الجميلة ببغداد عام 1976، ثم واصل مسيرته العلمية ليحصل على شهادة البكالوريوس في كلية الفنون الجميلة عام 1980، جامعاً بين الموهبة الفطرية والدراسة الأكاديمية الرصينة.
ومنذ مطلع السبعينيات بدأ حضوره الفاعل في الحركة المسرحية، فكانت مسرحية (حجايات أمس) أول عمل مسرحي يشارك فيه تمثيلاً عام 1972، مجسداً الشخصية الرئيسة فيها، ليعلن بذلك انطلاق رحلة طويلة مع الفن. وبعد سنوات قليلة أخرج مسرحية (الدربونة) للأطفال في بابل عام 1975، مؤكداً قدرته على الانتقال من التمثيل إلى الإخراج بثقة واقتدار.
لقد أدرك حافظ مهدي مبكراً أن المسرح ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل رسالة ثقافية وتربوية وإنسانية، ولذلك جاءت أعماله المسرحية معبرة عن هموم المجتمع وتطلعاته. وكانت مسرحية (رجال لهم رؤوس) التي قدمها مشروع تخرج في معهد الفنون الجميلة دليلاً على نضجه الفني ووعيه المبكر بأهمية المسرح بوصفه أداة للتنوير وبناء الوعي.
غير أن المحطة الأبرز في مسيرته كانت الإذاعة العراقية، التي التحق بها منذ عام 1973، ليبدأ مشواراً مهنياً استثنائياً امتد لأكثر من خمسة عقود. وخلال هذه السنوات تنقل بين عدد من الإذاعات العراقية المهمة، منها إذاعة بغداد وصوت الجماهير والإذاعات الموجهة إلى أوروبا وأمريكا، حيث أخرج مئات البرامج المتنوعة في مجالات الثقافة والأدب والطفولة والمنوعات والدراما.
لقد وجد حافظ مهدي في الإذاعة فضاء موازيا للمسرح، بل ربما أكثر اتساعاً وتأثيراً. فالصوت بالنسبة إليه لم يكن مجرد وسيلة نقل للكلمات، بل أداة لبناء الصورة الذهنية وإثارة الخيال وتحريك الوجدان. ومن هنا تميزت أعماله الإذاعية بقدرتها على جذب المستمع وإشراكه في تفاصيل الحكاية والأحداث.
وكان تخصصه في الدراما الإذاعية علامة فارقة في مسيرته المهنية. فقد أخرج المئات من المسلسلات والتمثيليات الإذاعية التي تركت أثراً واضحاً في المشهد الإعلامي العراقي والعربي، وما زالت بعض هذه الأعمال تبث حتى اليوم، شاهدة على جودة الإنتاج وقوة الرؤية الإخراجية التي امتلكها.
وفي عام 1987 حقق المرتبة الأولى في الدورة الإذاعية التي نظمها معهد التدريب الإذاعي، وهو إنجاز مهني أكد مكانته بين زملائه، وأهله ليكون مخرجاً معتمداً في المؤسسة الإعلامية العراقية. ولم يكن هذا الإنجاز سوى خطوة جديدة في طريق حافل بالنجاحات والجوائز.
فقد حاز جائزة أفضل مخرج في دورة الإخراج الإذاعي التي أقيمت في دولة قطر عام 1977، كما نال جائزة الإبداع التي تمنحها وزارة الثقافة والإعلام العراقية لثلاث مرات بوصفه أفضل مخرج إذاعي للأعوام 1997 و1998 و2001، وهو تكريم يعكس حجم عطائه وتأثيره في تطوير العمل الإذاعي.
وعلى المستوى العربي، سجل حضوراً لافتاً في مهرجان القاهرة الدولي للإذاعة والتلفزيون، حيث نال الجائزة البرونزية عن إخراجه المسلسل الإذاعي (سمير أميس) بثلاثين حلقة عام 2000، كما حصل على الجائزة الفضية عن مجموعة من التمثيليات العراقية التي لاقت استحساناً كبيراً من النقاد والمتابعين.
ولم يقتصر نشاطه على الإخراج الإذاعي فحسب، بل امتد إلى مجال الموسيقى التصويرية، حيث أنجز الموسيقى لعدد من الأعمال التلفزيونية والمسرحية والسينمائية، مظهراً حساً فنياً عالياً وقدرة على توظيف الموسيقى لخدمة المعنى الدرامي وتعميق التأثير الجمالي.
وفي عام 1990 تولى رئاسة مركز الإنتاج الإذاعي الدرامي، وهي مسؤولية كبيرة أتاحت له الإسهام في تطوير هذا القطاع الحيوي، وإنتاج أعمال درامية ذات مستوى مهني رفيع. وقد عُرف خلال هذه المرحلة بحرصه على اكتشاف المواهب الشابة ودعمها وتوفير الفرص لها، إيماناً منه بأن استمرارية الفن مرهونة بتجدد الأجيال.
وعقب عام 2003 أسس أول إذاعة عراقية في بابل تحت اسم (إذاعة بابل)، والتي امتد بثها ليغطي مختلف أنحاء العراق. وكانت هذه الخطوة تعبيراً عن إيمانه العميق بدور الإعلام المحلي في تعزيز الهوية الثقافية وترسيخ قيم المواطنة والانتماء.
كما شغل منصب مدير البرامج ومدير الإذاعة، وقدم آلاف البرامج إعداداً وإخراجاً وتقديماً، فضلاً عن إشرافه على البرامج المباشرة التي تتطلب خبرة كبيرة وحضوراً مهنياً متميزاً. وما زال حتى اليوم يواصل نشاطه الثقافي والإعلامي رغم إحالته إلى التقاعد الوظيفي، في صورة تجسد الوفاء للمهنة والإخلاص للرسالة.
ولم يكن اهتمامه مقتصراً على الإذاعة وحدها، بل انخرط أيضاً في منظمات المجتمع المدني، وأسهم في دعم النشاط المسرحي والثقافي في محافظة بابل وعدد من المحافظات العراقية، مقدماً خبرته الطويلة للأجيال الجديدة من الفنانين والإعلاميين.
إن الحديث عن حافظ مهدي ليس حديثاً عن فرد فحسب، بل عن تجربة ثقافية وإعلامية متكاملة أسهمت في تشكيل جزء مهم من الذاكرة العراقية المعاصرة. فهو ينتمي إلى جيل آمن بقوة الكلمة والصورة والصوت، وجعل من الفن وسيلة للارتقاء بالإنسان وترسيخ قيم الجمال والمعرفة.
لقد استطاع هذا الفنان الكبير أن يحجز لنفسه مكانة مرموقة في سجل الإبداع العراقي، ليس بما حازه من جوائز وشهادات فحسب، بل بما تركه من أثر إنساني ومهني وثقافي ما زال يتردد صداه حتى اليوم.
وفي زمن تتسارع فيه التحولات وتغيب فيه الكثير من الرموز الثقافية، يبقى حافظ مهدي نموذجاً للمثقف والفنان الذي وهب عمره للإبداع، وظل وفياً لرسالته حتى اللحظة الراهنة. ومن حق هذه القامات أن تُحتفى بها وأن تُكتب سيرتها للأجيال القادمة، لأنها جزء أصيل من تاريخ الثقافة العراقية الحديثة.
كل التقدير والمحبة للفنان والمخرج الإذاعي الكبير حافظ مهدي، مع خالص الأمنيات له بالصحة والعافية والعمر المديد، وأن يبقى صوته وإبداعه حاضرين في ذاكرة العراق الثقافية والفنية.