كوباني… حين دخل الموت من الأبواب التي حمت الحياة

ماهين شيخاني

في الذكرى الحادية عشرة لمجزرة 25 حزيران 2015
لم يكن فجر الخامس والعشرين من حزيران عام 2015 يوماً عادياً في ذاكرة كوباني. ففي المدينة التي تحولت إلى رمز عالمي للمقاومة في مواجهة الإرهاب، تسلل الموت متخفياً بين الأزقة والشوارع، حاملاً معه واحدة من أبشع المجازر التي شهدتها سوريا خلال سنوات الحرب.
في ذلك الصباح الأسود، نجح عناصر من تنظيم داعش في التسلل إلى المدينة بعد أشهر قليلة من هزيمتهم العسكرية أمام إرادة المدافعين عنها. لكنهم، بعدما عجزوا عن كسر إرادة المقاتلين في ساحات القتال، وجهوا سلاحهم نحو المدنيين العزل. نحو الأطفال الذين كانوا يحلمون بصباح جديد، والنساء اللواتي كن يضمدن جراح الحرب، والشيوخ الذين ظنوا أن الكابوس قد انتهى.
خلال ساعات قليلة، تحولت شوارع كوباني إلى مشهد من الدم والوجع. سقط مئات المدنيين ضحايا واحدة من أكثر الهجمات وحشية في تاريخ المدينة الحديث، في محاولة انتقامية أرادت معاقبة كوباني لأنها انتصرت للحياة.
لكن كوباني لم تكن مجرد مدينة تتعرض لهجوم إرهابي. كانت آنذاك رمزاً عالمياً للصمود. المدينة التي وقفت في وجه أكثر التنظيمات تطرفاً ووحشية، ودافعت ليس فقط عن نفسها، بل عن قيم إنسانية مشتركة آمن بها العالم كله. ولهذا السبب تحديداً أراد الإرهاب الانتقام منها.
لقد أراد القتلة أن يحولوا النصر إلى مأتم، والأمل إلى خوف، والذاكرة إلى ركام. لكنهم فشلوا.
فكما لم تسقط كوباني في المعركة الكبرى، لم تسقط بعد المجزرة. بقيت واقفة على جراحها، تحمل أسماء شهدائها كما تحمل الأم أسماء أبنائها الغائبين.
واليوم، بعد أحد عشر عاماً، لا تزال الذاكرة حية.
لا تزال أصوات الأطفال الذين غادروا باكراً تسكن أزقة المدينة. ولا تزال صور الأمهات والآباء والشيوخ الذين سقطوا في ذلك اليوم محفورة في وجدان كل من عرف معنى الألم ومعنى الصمود.
إن إحياء ذكرى المجزرة ليس استدعاءً للحزن فحسب، بل هو دفاع عن الحقيقة في مواجهة النسيان. فالجرائم التي تُنسى تتكرر، والدماء التي لا تُروى قصتها تصبح مجرد أرقام في أرشيف الحروب.
ولهذا فإن شهداء كوباني ليسوا مجرد ضحايا لمجزرة عابرة، بل شهود على مرحلة كاملة من الصراع بين ثقافة الحياة وثقافة الموت، بين الإنسان والإرهاب، بين من أراد بناء المستقبل ومن أراد إعادته إلى الظلام.
المجد والخلود لشهداء كوباني.
الرحمة لأرواح الأبرياء الذين سقطوا في ذلك اليوم الحزين.
أما كوباني، فستبقى كما كانت دائماً؛ مدينة قاومت حين خاف الآخرون، ونهضت حين ظن العالم أنها انتهت، وكتبت بدماء أبنائها واحدة من أكثر صفحات الكرامة الإنسانية إشراقاً في التاريخ المعاصر.

قد يعجبك ايضا