الاستاذ الدكتور
نزار الربيعي
تمثل عاشوراء واحدة من أعظم المحطات التاريخية والروحية في الذاكرة الإسلامية والإنسانية، فهي ليست مجرد مناسبة ترتبط بحدث وقع في زمن مضى، ولا هي ذكرى تستعاد كل عام ثم تعود إلى صفحات التاريخ، بل هي رسالة متجددة تتجاوز حدود الزمن والجغرافيا لتبقى حاضرة في وجدان الأفراد والشعوب.
إن سر خلود عاشوراء يكمن في طبيعة المبادئ التي حملتها. فالأحداث التاريخية الكثيرة قد تترك أثراً في زمانها ثم تخبو مع مرور الزمن، أما كربلاء فقد بقيت حية لأن رسالتها ارتبطت بقيم الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.
لقد شهدت المرحلة التي سبقت واقعة كربلاء تحولات سياسية واجتماعية عميقة، وكان الإمام الحسين يرى أن السكوت عن الانحراف يمثل خطراً على مستقبل الأمة. لذلك جاءت حركته بوصفها موقفاً إصلاحياً يسعى إلى إعادة الاعتبار للقيم التي أراد الإسلام ترسيخها.
ومن أهم الدروس التي تقدمها عاشوراء أن الحرية لا تُمنح للإنسان من الخارج، بل تنبع من داخله. فالإنسان الحر هو الذي يمتلك القدرة على اتخاذ الموقف الصحيح حتى عندما يكون هذا الموقف مكلفاً.
كما تؤكد عاشوراء أن الكرامة الإنسانية قيمة لا تقبل المساومة، وأن الإنسان مطالب بالحفاظ على مبادئه مهما كانت الظروف والتحديات.
وتقدم عاشوراء كذلك فهماً عميقاً لمعنى المسؤولية الأخلاقية، إذ تعلم الإنسان أن الصمت أمام الظلم قد يكون شكلاً من أشكال المشاركة فيه.
ومن الجوانب المهمة في رسالة عاشوراء أنها أعادت تعريف مفهوم النصر، فالنصر الحقيقي هو انتصار القيم والمبادئ لا انتصار القوة المجردة.
لقد كان للأبعاد الإنسانية في عاشوراء دور كبير في خلودها، فالقيم التي دافعت عنها كربلاء تتعلق بالعدالة والحرية ورفض الظلم واحترام الكرامة الإنسانية.
كما أن عاشوراء تمثل مدرسة متكاملة في التضحية والفداء، وقدمت نموذجاً فريداً للاستعداد لبذل كل شيء من أجل الحفاظ على المبادئ.
وقد تركت عاشوراء أثراً عميقاً في الثقافة والأدب والفكر، وأصبحت جزءاً من الذاكرة الحضارية للشعوب.
وفي عالم اليوم تبدو رسالة عاشوراء أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأنها تذكر الإنسان بأن مقاومة الظلم مسؤولية أخلاقية تسهم في بناء مجتمع أكثر عدالة وإنسانية.
وهكذا تبقى عاشوراء رسالة خالدة وليست ذكرى عابرة، لأنها ترتبط بجوهر الإنسان وبالقيم التي تمنحه معنى وكرامة عبر الأجيال.