المياه في العلاقات الدولية: الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية للصراعات على الأنهار العابرة للحدود

 

 

متابعة ـ التآخي

تعد المياه العابرة للحدود (الأنهار، البحيرات، والمياه الجوفية) التي تتشاركها أكثر من دولة، ميدانا خصبا للتفاعل الدولي، فإما أن تكون جسرا للتعاون والشراكة، أو مصدرا للتوتر والصراع.

تتحول المياه إلى “قوة ناعمة” أو “أداة ضغط” في العلاقات الدولية بناء على موقع الدولة في حوض النهر (دولة المنبع) مقابل (دولة المصب)، وتمتلك دول المنبع عادة “الميزة الجيوسياسية” لأنها تتحكم في تدفق المياه. غالبا ما تستخدم هذه الدول بناء السدود كأداة لتعزيز التنمية الوطنية أو كأداة تفاوض سياسي.

وتعاني دول المصب من “الهشاشة المائية” كونها تعتمد على قرارات دول المنبع. هذا يولد شعورا بالتهديد الوجودي (مثل ملف سد النهضة في حوض النيل، أو سدود تركيا على نهري دجلة والفرات)، ويجري تسييس قضية المياه تحت مبدأ “السيادة الوطنية”، مما يجعل التعاون التقني صعبا إذا غابت الثقة السياسية بين الدول المتشاطئة.

المياه ليست مجرد مورد حيوي، بل هي “مدخل إنتاج” أساس للاقتصاديات الوطنية، اذ يعتمد التوسع الزراعي بشكل مباشر على حصص المياه، وان أي انخفاض في التدفق يؤثر على المحاصيل الاستراتيجية، مما يهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. بالنسبة للدول النامية، تعد السدود مصدرا رخيصا ومستداما للكهرباء الضرورية للتصنيع، وهو ما يفسر التمسك ببناء السدود برغم اعتراضات الجيران.

 

 

تظهر الدراسات الاقتصادية أن غياب التنسيق حول الأنهار المشتركة يؤدي إلى خسائر فادحة (تبخر المياه، سوء الإدارة، تدهور البيئة)، مما يقلص الناتج المحلي الإجمالي للدول المعنية.

وهناك محاولات دولية لتنظيم هذه العلاقات، أبرزها، اتفاقية الأمم المتحدة للمجاري المائية الدولية (1997) ترتكز على مبدأين أساسيين، 1. الاستغلال المنصف والمعقول لكل دولة كحق في الاستفادة من المورد. 2. الالتزام بعدم التسبب بضرر ذي شأن وضرورة تقليل الآثار السلبية على الدول الأخرى.

التحدي يكمن الضعف في عدم انضمام عدد من الدول لهذه الاتفاقيات، أو وجود معاهدات ثنائية قديمة وغير عادلة في نظر أحد الأطراف.

ان الدبلوماسية المائية تتمثل في التحول من “الصراع” إلى “تقاسم المنافع” بدلا من تقاسم المياه فقط، وان التغير المناخي يزيد من ندرة المياه ويجعل الصراعات أكثر حدة وقابلية للتنبؤ، والتنمية المستدامة تتطلب إدارة مشتركة للبيانات والتدفقات لضمان حقوق الأجيال المقبلة. ويميل المجتمع الدولي حاليا نحو مفهوم “دبلوماسية المياه”، حيث يتم التركيز على توسيع دائرة المنافع (مثل بيع الكهرباء من دول المنبع لدول المصب مقابل استثمارات في الزراعة)، مما يحول الصراع بشأن “المورد” إلى تعاون حول “المنفعة الاقتصادية”.

ويعد حوض نهري دجلة ونهر الفرات، انموذجا كلاسيكيا ومعقدا للتوتر المائي العابر للحدود، حيث تتشابك المصالح الوطنية مع الجغرافيا السياسية التاريخية. وتتسم العلاقة بين الدول المتشاطئة (تركيا، سوريا، العراق، وإيران) بتباين المصالح بناء على الموقع الجغرافي، فدولة المنبع (تركيا) تنظر إلى مياه دجلة والفرات كأداة سيادية للتنمية الوطنية، وتجسد ذلك في “مشروع جنوب شرق الأناضول” (GAP) الضخم، الذي يهدف إلى إنشاء عشرات السدود والمشاريع الإروائية. هذا التوجه يثير مخاوف دول المصب من “سلاح المياه”. دول المصب (العراق وسوريا) تعتمد بشكل وجودي على مياه النهرين للزراعة، إنتاج الطاقة، ومياه الشرب. التناقص في التدفقات يُترجم مباشرة إلى أزمات اجتماعية، نزوح داخلي، وتصحر متسارع.

ان تداخل الملفات لا يقصر الصراع على المياه فحسب، بل يمتد ليشمل القضايا الأمنية والسياسية (مثل أمن الحدود، وملفات الأقليات العابرة للحدود)، مما يجعل التفاوض الفني على “كميات المياه” محكوما بالضرورة بحالة العلاقات السياسية العامة بين الدول.

تتجاوز المشكلة مجرد نقص الكميات، لتصل إلى تأثيرات بنيوية، اذ انه بتدهور جودة المياه مع انخفاض التدفقات، تزداد نسب التلوث والملوحة، مما يؤثر على جودة الأراضي الزراعية في مناطق مثل جنوب العراق، ويجعل الزراعة غير مجدية اقتصاديا. والسياسات المائية الوطنية تتعرض الى غياب اتفاقية قانونية شاملة وملزمة بين الدول الثلاث (تركيا، سوريا، العراق)، وهذا يترك المجال مفتوحا للتصرفات الأحادية، اذ تُبنى السدود بناء على خطط وطنية لا تراعي “الحقوق المكتسبة” أو “الاحتياجات الحالية” لدول المصب. وان عامل التغير المناخي يؤدي الى تراجع معدلات الأمطار وارتفاع درجات الحرارة ما يتسبب في تقليص حجم المياه المتاحة تاريخيا، ويضع ضغطا مضاعفا على الموارد المحدودة ويزيد من حدة التنافس.

 

مسار المشتركات الدولية لاستغلال المياه

 

بدلا من الصراع الصفري، يتجه الفكر الاستراتيجي الحديث نحو تحويل الحوض إلى فضاء للتعاون، وذلك بتبادل البيانات والشفافية، و الخطوة الأولى نحو أي تعاون هي تواجد قاعدة بيانات فنية مشتركة وموثوقة حول حجم التدفقات والاستهلاك بين الدول الثلاث، وكذلك   تقاسم المنافع لا المياه و البدء بالتفاوض على مشاريع مشتركة (مثل تبادل الطاقة الكهربائية، التقنيات الزراعية الحديثة، أو الربط الاقتصادي) مقابل حصص مائية، مما يخلق حوافز اقتصادية متبادلة تجعل الحفاظ على النهر مصلحة مشتركة، كما يتوجب تفعيل الدبلوماسية المائية بضرورة الانتقال من التفاهمات الثنائية (التي تمنح الأفضلية للأقوى) إلى إطار مؤسسي جماعي يضمن الاستخدام المنصف والمعقول.

إن تعقيد هذا الملف يكمن في أنه ليس مجرد مسألة “هيدروليكية” بل هو ملف “أمن قومي” لكل دولة. والحل المستدام، كما يرى الخبراء، يكمن في إدراك أن “الأمن المائي” لا يمكن تحقيقه بشكل منفرد في حوض دولي؛ إذ أن أي استقرار في دول المصب يعزز بالضرورة استقرار الجوار الإقليمي ويخلق بيئة تجارية واقتصادية أفضل للجميع.

وتعد حالتا نهري “النيل” و “الميكونغ” من أبرز الأمثلة العالمية التي تجسد أيضا تعقيدات الأنهار العابرة للحدود، ولكل منهما ديناميكيات صراع وتعاون مختلفة جذريا عن الأخرى، لكنهما تشتركان في تحدي “إدارة الموارد في ظل تباين المصالح”. ويُعد حوض النيل انموذجا للصراع على “الحقوق التاريخية” مقابل “الحق في التنمية”، اذ   يضم الحوض 11 دولة، لكن التوتر يتركز بشكل أساس بين مصر والسودان (دول المصب) وإثيوبيا (دولة المنبع الرئيسي للنيل الأزرق).

جوهر المشكلة يتمثل في   الحقوق التاريخية، اذ تتمسك مصر باتفاقيات تعود للحقبة الاستعمارية (1929 و1959) التي تمنحها حصة محددة وحق “الفيتو” على مشاريع أعالي النيل، فيما تصر إثيوبيا على أن مشاريعها، وعلى رأسها سد النهضة، هي ضرورة قصوى لانتشال ملايين السكان من الفقر وتوليد الكهرباء، عادة أن الاتفاقيات القديمة لم تعد عادلة.

أبعاد القضية هنا تتجاوز المورد المائي لتصبح قضية “سيادة وطنية” و”أمن قومي” بامتياز، حيث ترى مصر أن المساس بحصتها هو تهديد لوجودها، بينما ترى إثيوبيا في السد رمزا لنهضتها القومية.

وعلى عكس النيل، لا يتمحور الصراع في الميكونغ حول “الحقوق التاريخية” فقط، بل حول التنافس الجيوسياسي والقوى الإقليمية. أطراف النزاع الصين (دولة المنبع)، وميانمار، ولاوس، وتايلاند، وكمبوديا، وفيتنام.

جوهر المشكلة يكمن في   سدود الصين، اذ قامت الصين ببناء سلسلة من السدود الضخمة في أعالي النهر (على هضبة التبت)، مما يمنحها القدرة على التحكم في تدفق المياه للدول الواقعة في الجنوب الشرقي. وتأثرت فيتنام (دولة المصب النهائي) بشدة من انخفاض منسوب المياه وتغير مواسم الفيضان، مما دمر محاصيل الأرز الحيوية للاقتصاد الوطني.

ويستعمل النهر كأداة نفوذ صينية في جنوب شرق آسيا. الصين تدير “لجنة ميكونغ” (Lancang-Mekong Cooperation) التي تفرض رؤيتها، بينما تشعر دول المصب بضعف قدرتها على التفاوض في ظل الهيمنة الاقتصادية الصينية.

هناك ثلاثة دروس مستفادة من هذه الأحواض الدولية، 1. ضرورة الشفافية فالصراعات تتفاقم في غياب مشاركة البيانات التقنية حول ملء السدود وتشغيلها.  2. فشل الحلول الثنائية فالأنهار التي تعبر عدة دول لا يمكن حل مشاكلها باتفاقيات ثنائية؛ فهي تتطلب إطارا إقليميا شاملا (مثل “مبادرة حوض النيل” التي لا تزال تكافح).  3. تغيير تعريف “الربح” فالدول التي تنجح هي التي تنتقل من “تقاسم المياه” (حصة ثابتة) إلى “تقاسم المنافع” (تكامل في الطاقة، الغذاء، والاستثمار).

 

 

إن هذه الأنهار تُثبت أن المياه ليست مجرد مورد طبيعي، بل هي مرآة للعلاقات الدولية؛ فإذا كانت العلاقات السياسية بين الدول جيدة، تصبح الأنهار “جسرا للتعاون”، وإذا ساد التوجس، تحولت إلى “نقاط احتكاك” قابلة للاشتعال.

 

المعضلة العراقية والموقف الدفاعي

المشكلة العراقية في ملف المياه ليست “هيدروليكية” بقدر ما هي “مؤسساتية وسياسية”. فعندما يغيب القرار الاستراتيجي الموحد، وتتحول مصلحة الدولة إلى رهينة للتجاذبات الداخلية، وتفقد الدبلوماسية المائية أي “ناب” أو قدرة على التأثير في الجوار الإقليمي.

ان دول الجوار (خاصة تركيا وإيران) تعمل على وفق استراتيجيات طويلة الأمد (خطط عشرية للبنية التحتية، بناء السدود، ربط المياه بالطاقة والتجارة)، بينما يكتفي الجانب العراقي بـ “رد الفعل” القائم على الشكوى الدبلوماسية بعد وقوع الضرر. هذا الفارق الزمني والعملياتي يجعل العراق دائما في موقف المدافع، مما يضعف موقفه التفاوضي؛ فالتفاوض من موقع “المتضرر” يختلف جذريا عن التفاوض من موقع “الشريك المعتمد عليه”.

ان الشكوى والرفض لا يشكلان ضغطا في لغة العلاقات الدولية. الدول القوية لا تتفاوض إلا عندما يكون هناك “ثمن” أو “عائد”. ولتحويل الموقف من الضعف إلى القوة، العراق بحاجة إلى تفعيل أوراق ضغط خارج الملف المائي نفسه؛ مثل ربط ملفات التجارة، استيراد الطاقة، وتسهيلات المرور البري بملف حصص المياه.

ان غياب الرؤية الحكومية العراقية الموحدة التي تدمج ملف المياه ضمن سياق أوسع (مثل “طريق التنمية” أو اتفاقيات التبادل التجاري) يجعل دول الجوار تتعامل مع المياه كملف معزول، مما يسهل عليها التملص من أي التزامات.

لا يمكن لأي دولة أن تفرض احترامها في الخارج إذا كانت تعاني من سوء إدارة المورد في الداخل. والهدر المائي الكبير في شبكات الري العراقية القديمة، والتلكؤ في التحول الرقمي والتقني في الإدارة المائية، يعطي ذريعة لدول الجوار بأن “العراق لا يحسن استغلال الحصة الحالية أصلا”. هذا النقد الداخلي، وإن كان فنيا، إلا أنه يستعمل سياسيا كأداة لإضعاف الموقف العراقي في المحافل الدولية.

في ظل هذا الواقع، يتفق المراقبون على أن العراق لا يحتاج فقط إلى “مفاوضات”، بل يحتاج إلى “إعادة هيكلة وطنية للملف المائي” تتضمن تحويل المياه إلى ملف سيادي بإخراج ملف المياه من المحاصصة والإدارة التقليدية إلى مجلس أمن وطني اعلى يمتلك صلاحيات ربط الملفات ببعضها. وبناء تحالفات اقليمية (كتلة دول المصب) تخلق ضغطا مشتركا مع دول أخرى تعاني من سياسات المنبع (إذا أمكن) لإحداث توازن في ميزان القوى التفاوضي، واللجوء الى الشفافية كأداة ضغط لعرض البيانات الفنية الموثقة للعجز المائي أمام المجتمع الدولي (المنظمات الدولية، الأمم المتحدة) لتحويل القضية من “مشكلة ثنائية” إلى “قضية إقليمية” تحظى بضغط الرأي العام العالمي، وهو ما يزعج دول المنبع التي تضع اعتبارات لسمعتها الدولية.

ان النخبة السياسية الحالية في العراق لم تدرك حجم التهديد الوجودي الذي يمثله ملف المياه، وأن المصالح الآنية (سواء كانت سياسية أو حزبية) تحجب رؤية هذا الخطر طويل الأمد، كما ان الجهات المعنية لم تتصرف بصورة سليمة، واخفقت في احتجاز المياه في سدود خاصة في مواسم زيادتها.

ان المياه، التي يجب أن تُدار كقضية “أمن وجودي” عابر للحكومات، تحولت إلى ملف ثانوي في أجندة السياسة اليومية المشغولة بالحسابات الضيقة. هذا الانكفاء نحو المصالح الحزبية والشخصية يخلق فراغا استراتيجيا تملؤه دول الجوار بسياساتها الخاصة، مما يكرس حالة “التبعية المائية” التي نشهدها. ومن منظور التحليل السياسي والاجتماعي، يمكن رصد انعكاسات هذا التغافل على المدى البعيد. وعندما تعجز الدولة عن تأمين الموارد الأساسية (المياه)، فإنها تفقد أحد أهم أركان شرعيتها في نظر المواطن. هذا الشعور بالإهمال يولد حالة من الاغتراب السياسي، ويزيد من الفجوة بين “النخبة” و”الشارع”، وهو ما نلمسه في اتساع دائرة التذمر الشعبي.

يجري تحويل المياه إلى “سلعة” نتيجة غياب التنظيم الحكومي العادل، فنلاحظ بروز طبقات تتحكم في المورد أو تستغل شحته (مثل أصحاب الآبار الخاصة أو الشركات المتنفذة)، مما يحول المورد العام إلى مصدر ربح خاص على حساب الفئات الأكثر هشاشة، يؤدي ذلك الى تغييب “جيل المستقبل” ففي حين ينشغل المعنيون بالصراعات الحزبية، تضيع فرص التخطيط الاستراتيجي لمواجهة التغير المناخي والجفاف. هذا يعني أن “الجيل المقبل” سيواجه واقعا بيئيا واقتصاديا أكثر قسوة، مع بنية تحتية متهالكة لا تقوى على الصمود.

إن استمرار هذا النهج في الإدارة يعني أن العراق سيظل “متلقيا للأزمات” وليس “صانعا للحلول”. وفي غياب الإرادة السياسية، يبرز دور “المجتمع المعرفي” والمبادرات الفردية الواعية في توثيق الأزمة، والضغط عبر الرأي العام، وتقديم البدائل الفنية التي تحرج المقصرين وتضع الحقائق أمام الجميع.

قد يعجبك ايضا