جعفر المرعب شاعرٌ يمشي حفياً على جمر العشق

محمد علي محيي الدين

ليس كل من نَظَم بيتًا من الشعر يُسمى شاعرًا، فالشاعر –كما يرى النقاد الكبار– هو من يصنع لنفسه صوتًا لا يشبه إلا ذاته، ينهض من اللغة كمن ينهض من الرماد، يحول الجمر إلى ورد، والنار إلى ناي. في هذا المعنى العميق، يجيء جعفر المرعب، أحد أولئك الذين كتبوا بماء القلب، وتكلموا باسم الوجدان، فصار اسمه يرنّ في الذاكرة الثقافية ببصمةٍ خاصة، لا تُخطئها العين ولا الأذن.

وُلد جعفر موسى المرعب في محلة الطاق بمدينة الحلة يوم 30 أيلول 1955، تلك المدينة التي تنفست الشعر كما تتنفس الفرات، وعرفت عبر تاريخها أنها تصوغ من أبنائها رجال فكرٍ وقلم. نشأ المرعب فيها وأكمل تعليمه، ثم التحق بمعهد الصناعات الهندسية، وتخرّج سنة 1976، فانخرط في سلك العمل الفني والصناعي متنقلاً بين المنشآت والمواقع، حتى بلغ مرتبة المدير الفني الأقدم في كهرباء بابل. ولكن، رغم كل ما حققه في مجال عمله، كان قلبه معلّقًا بالشعر، وروحه لا تعرف إلا دروب القصيدة.
ما بين الصناعة والشاعرية، نُسجت شخصيته المزدوجة، المتقنة والمتوهجة في آن. ولعل هذا التوازن بين الدقة العلمية والعذوبة الشعرية هو ما منح قصيدته خصوصيتها، فقصائده ليست مجرد خيال عابر، بل هي بناء متين من العاطفة والوعي، مزيج من هندسة اللفظ وإيقاع الحس.
انتمى جعفر المرعب إلى اتحاد الأدباء والكتاب في بابل منذ 1999، وشارك في تأسيس وإدارة عدد من الفضاءات الثقافية التي أسهمت في إبراز أصوات شعرية جديدة، فكان عضوًا في الهيئة الإدارية لاتحاد أدباء بابل، ومنتدى الأدباء في الإسكندرية، وجمعية الرواد الثقافية، ونادي الشعر، وفاعلًا دائمًا في النشاط الثقافي الحلي.
أما شعره، فهو ينهض من العشق الصوفي، من الوجد العميق، ومن الحنين إلى مدينةٍ لا تُفارق، وذاكرة لا تشيخ. صدر له:
حفاة على فورميكا (2000)، مجموعة تفيض بلغة الكثافة والانكسار الجميل.
عفوًا لعشقك (2005)، وفيها تنبض القصيدة بقلق العاشق وسؤال الوجود.
آل مرعب الحسينيون في الحلة – قبيلة البو ذبحك (2021)، وهو عمل توثيقي تاريخي ينبئ عن شاعرٍ يتقن الغوص في جذور النَسَب كما يتقن اقتناص الصور الشعرية.
وله مجموعة شعرية جديدة تحت الطبع، ينتظرها متابعوه بشغف.
وقد نُشرت قصائده في صحف عراقية وعربية، وكتب عنه عدد من النقاد العراقيين مقالات نقدية، أضاءوا فيها جماليات نصه وبنيته الشعريّة المتوازنة، واعتبره بعضهم صوتًا وجدانيًا متفردًا ، بينما وصفه آخرون بأنه “شاعر العشق النبيل والحنين النبيل”، لما تتصف به قصيدته من شفافية وصدق عاطفي بعيد عن الادّعاء.
ترجمت سيرته في كتب ووثائق أدبية عدة، كما أُفرد له بحث أكاديمي ضمن كلية التربية بجامعة بابل، وهذا في ذاته شاهد على أثره الثقافي ومكانته في المشهد الشعري المحلي.
شارك في مهرجانات كبرى داخل العراق مثل المربد، ومهرجان الجواهري، ومهرجانات بابل الثقافية، وكرّم بعدد من الشهادات التقديرية. كما يشغل منذ عام 2007 منصب عميد السادة آل مرعب في بابل، ليجمع بين العمق الاجتماعي والدور الثقافي في شخصية واحدة.
جعفر المرعب هو شاعر يعيش داخل القصيدة كمن يعيش في قلب معبد، حافياً، متعبداً، عاشقًا. قصيدته لا تُعلن التمرد، لكنها تهمس بالأسى، وتهتف بالعشق، وتدور حول الحنين كما تدور الأرض حول جرحها الأزلي. ولعل هذا الحضور الصادق في النص هو ما جعله محط تقدير القرّاء والنقاد معًا.
هو المرعب، لا لأن في حضوره ما يخيف، بل لأن في شعره ما يُرعب الجفاف، ويُخيف القبح، ويُربك القوالب الجاهزة. شاعرٌ من الحلة… لكن صوته يسري في كل الحنين.
من شعره قصيدة “حفاة على فورميكا” وهي نص شعري يتسم بالكثافة الرمزية والانزياح عن المعنى المباشر، ما يجعل قراءته تنفتح على أبعاد نفسية وفكرية متشابكة. يمكن تقسيم القراءة القصيرة إلى ثلاث محاور وفق مقاطع القصيدة:
يفتتح الشاعر بمشهد تعبيري: “أباريق تجف” و”سماء تغسلها المزن”، مما يعكس ازدواجية بين الجفاف والمطر، بين القحط والخصب، وكأنها حالة وجدانية يعيشها المتكلم بين أمل وخيبة.
لكن الصورة تنقلب حين “يطفو البحر على الجبين”، إشارة إلى فيضان داخلي من الحزن أو الذاكرة أو الشغف.
تتجلى الأنثى كشبح لغوي: “تبتسم حروفك”، مما يدل على علاقة وجدانية تتجاوز الجسد إلى اللغة، فالحب هنا مشبع بالدهشة والنقاء، ويقابلها المتكلم بـ “ارتعاشة القلب”، أي شعور بالضعف أمام حضورها الرمزي.
في المقطع الثاني، ننتقل إلى عالم أكثر واقعية، مشهد قنطرة وحارس يحمل سكينًا وأطفال بيدهم “رحيق الورد”، وهي صورة متناقضة: البراءة تقابلها التهديد.

يبدو أن الشاعر يصور هنا مأساة عبور أو نزوح، وربما حربًا أو قمعًا اجتماعيًا. الأطفال ينامون قبل أن تُحسم مصائرهم، كأن الأمل انتهى قبل أن يبدأ. النوم هنا ليس راحة، بل أقرب إلى غياب قسري أو موت رمزي.
في المقطع الثالث، تتكرر العربات، لكن هذه المرة محملة بـ “المسافرين” لا الأطفال، ما يشير إلى انتقال التجربة إلى مراحلها الأكثر نضجًا أو تعقيدًا.
هؤلاء المسافرون لا يحملون أجوبة، بل حقائب ملآى بالأسئلة.
النهر، رمز العبور والتطهير والتحول، يصبح موضع تساؤل وقلق، لا وضوح فيه.
وتتلاشى رمزية الورد والقرابين، وكأن الطقوس والرموز التقليدية فقدت معناها أمام القسوة.
القصيدة تنتهي بمفارقة: “لا نعرف سوى أن الأرض، تدور”، وهذه الجملة تشبه تسليمًا عبثيًا بالعجز أو قبولًا مؤلمًا بأن الحياة تستمر رغم الخيبات.
ان قصيدة “حفاة على فورميكا” نص شعري يتنقل بين الحلم والخذلان، بين الأنوثة المرتفعة والطفولة المغدورة، وبين السؤال الوجودي ودوران الأرض. يستند الشاعر إلى لغة موحية، تتكئ على الصور المركبة والتقابل بين النقاء والعنف، وتغوص في جوهر الإنسان المتأرجح بين الحب والخسارة، وبين الأمل والترحيل.

قد يعجبك ايضا