أبطال بالصدفة

ماهين شيخاني

في إحدى المدن المنسية، حيث الغبار هو من يدوّن الأخبار، وحيث الفقر يتكاثر كالعشب بين الشقوق، خرجوا ذات يوم… لا عن بطولة، بل عن مصادفة.

كانوا مجموعة من الشبّان، لا تميزهم عن الآخرين سوى أنهم جلسوا ذات مرة في اجتماع حزبي، والتقطت لهم صورة بالأبيض والأسود، وأسماؤهم سُجّلت في محضر حضور سرّي. لم يكونوا قادة، ولا مفكرين، ولا حتى مندفعين حد التهور. كانوا فقط هناك… بالصدفة.

وفي ليلة من ليالي النظام القمعي، حين كان الحاكم يخشى ظلّه، داهمت المخابرات المدينة. كانت حملة اعتقالات موسمية. هكذا كان يسميها السكرتير الحزبي الذي لم يُعتقل يوماً، بل شوهد في صباح تلك الليلة يشرب الشاي في المقهى، ويبتسم لعنصر الأمن.

دخلوا السجون واحدًا تلو الآخر. لم يسألهم أحد عن آرائهم أو أحلامهم. فقط، وقّعوا على أوراق الاتهام الجاهزة. قال لهم السجّان: “أنتم أبطال التنظيم السري”. فصدقوا.

داخل الزنازين، انقضّت السنوات . كبر أحدهم، شاب شعر الآخر، وفقد الثالث ذاكرته. وحدهم الفقراء يدفعون ثمن التاريخ… لأن الأغنياء يكتبونه.

ثم… انتهت الحرب. سقطت الجدران. وخرجوا.

استقبلهم الناس بالورود، وصار الإعلام يمجّدهم. ظهرت صورهم على صفحات الجرائد، وحُفرت أسماؤهم في الحيطان. لكنهم لم يعرفوا ماذا يقولون، ولا كيف يلوّحون. فهم لم يكونوا أبطالاً… فقط كانوا هناك، في الزمان والمكان الخطأ.

بينما السكرتير الذي لم يُسجن، أصبح رمزاً للثورة. صار يروي قصص بطولات لم تحدث، ويستعرض صوره مع “الشهداء”، وينظر إلى الكاميرا بابتسامة حزينة محسوبة.

أما أولئك الخارجون من الزنزانة، فقد عادوا إلى الحفر. بعضهم فتح دكانًا صغيرًا، وبعضهم عاد لحرفة أبيه، وبعضهم هاجر ،اختفى في الزوايا.

وذات يوم، شوهد أحدهم يمشي قرب مقر الحزب الجديد، فاقترب منه شاب متحمّس وسأله:

– عمو، حضرتك كنت من الأبطال القدامى، أليس كذلك..؟.
– لأ يا بني، أنا كنت مجرد رقم… صدفة مرّرت من هنا.

ثم تابع طريقه، بصمت، واللافتة خلفه كُتب عليها:

“هنا مشى أبطال الثورة.”

قد يعجبك ايضا