بدل رفو
النمسا
في بلادنا الأولى، لا تهدر وقتك الثمين في حفظ متون الفقه، ولا تُرهق خلايا دماغك في فك طلاسم المعادلات الرياضية، ولا تحمل همّ لقب بروفيسور أو عالم فذ. ولا حاجة أبداً لأن تُتعب حنجرتك في نظم الشعر، أو تُضني قدميك بالترحال بين عواصم العالم ممثلاً لوطنك بلا مقابل، حاملاً لواء هويته في الغربة، فهذه البضاعة لا تُسمن ولا تغني من جوع إن لم تكن تمتلك العملة الأهم: (صك القربى من أصحاب القرار)!
كيمياء السلطة والجاه: ابحث عن النسيب لا اللبيب!
في تلك البقاع، معادلة النفوذ أبسط بكثير مما تتصور فأن تكون صديقاً لفلان، أو نسيباً لعلان، أو قريباً لمن يملك مفاتيح الخزائن، يكفي تماماً ليغنيك عن شهادات (هارفارد) و(السوربون).
بل إن التاريخ الإداري هناك يُحدثنا عن وزراء وقادة عسكريين ومديرين عاميين، تُعقد على أعتاب مكاتبهم آمال الأمة، وهم يعانون من خصومة تاريخية مبينة مع حروف الهجاء! هناك، لا يُشترط في رأس الهرم أن يعرف كيف يقرأ اسمه أو يُهجّي توقيعه، فحسبه أن يتقن لغة الإشارة بالرضا أو السخط، فالصمت أو الإيماءة يكفيان لتسير ركاب الدولة على غير هدى!!
شرف الحسب والنسب. أو (خدمة الباب العالي)!
أما إن ولدت وفي فمك ملعقة من عناء، ولم تكن ابناً للأغوات أو سليلاً للنبلاء، ولم تُرَبَّ منذ طفولتك على السمع والطاعة العمياء في خدمة أصحاب النفوذ، فاقرأ على مستقبلك السلام. مكانك محفوظ.. نعم، ولكن في صفوف المتفرجين، حيث لا تسمح لك القوانين غير المكتوبة إلا بالتصفيق من الشرفات البعيدة.
مقلوب العرف: حين تتفضل الجامعات الأهلية على. الحكومية!
وفي مشهد يبعث على الضحك الباكي، تنقلب المفاهيم رأساً على عقب، فالمؤسسات والجامعات الأهلية هناك هي التي تتكرم بعطفها ورعايتها على الجامعات الحكومية العريقة، والمستشفيات والمدارس الخاصة هي التي تنظر بعين الاستصغار والتعالي إلى نظيراتها الحكومية التي أكل الدهر عليها وشرب.
مسرحية النشيد الوطني: من أجل الكرش لا العرش!
تلك البلاد هي في الواقع (بلاد الشركات) ، حيث يتحول الوزير بكل هيبته المزعومة إلى موظف مجتهد يعمل بأجندة مرسومة لدى مجالس الإدارات الكبرى. لا يظهرون في المشهد العام إلا في المناسبات والمواسم، حيث يتبارون في رفع شعارات النشيد الوطني، ليس حبّاً في تراب الوطن ومجده، بل طمعاً في غنيمة تُقتات، واسم يُلمَّع، ومكاسب تُحصد في السر والعلن!
فيا أيها العبقري الحائر في وطنه. إما أن تبيع قلمك لسيد القصر، أو تضبضب كتبك وترحل بصمت، فبلادنا الأولى لا تحتمل عقولاً تفكر، بل تحتمل قلوباً تصفق!