كوردستان بين منطق الدولة والحسابات الحزبية: تداعيات خطاب بافل طالباني

الشيخ آزاد حميد شفي*

كوردستان ليست ملكاً لحزب… والشرعية لا تُصنع بالتهديد ولا تُنتزع بالابتزاز

إن البيان الذي أعلنه رئيس الاتحاد الوطني الكوردستاني بافل طالباني في الخامس من تشرين الثاني 2026، وما تضمنه من مواقف واتهامات وتهديدات سياسية، لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد تعبير عن خلاف في وجهات النظر بشأن تشكيل حكومة إقليم كوردستان، بل يمثل مؤشراً مقلقاً على طبيعة الخطاب السياسي الذي يراد فرضه على المشهد الكوردستاني، وما ينطوي عليه من استخفاف بمفهوم الشراكة السياسية، وبالمؤسسات الدستورية، وبإرادة الناخبين.
إن أخطر ما ورد في ذلك البيان ليس إعلان الانسحاب من الحكومة، فذلك خيار سياسي يملكه أي حزب وفق الأطر القانونية، وإنما إعلان عدم الاعتراف ببرلمان كوردستان ومخرجاته، والتلويح بتشكيل مؤسسات ومناصب موازية، والقول إن ما يقوم به طرف سيقابله الطرف الآخر بالمثل. فهل يُعقل أن تتحول المؤسسات الدستورية إلى موضوع اعتراف أو عدم اعتراف وفقاً لمزاج ومكاسب حزبية؟ وهل أصبحت شرعية البرلمان رهناً بموافقة حزب بعينه، أم أنها تستمد أساسها من الدستور والإجراءات القانونية وإرادة الناخبين؟
إن المؤسسات لا تُمنح شرعيتها من حزب، ولا تفقدها برفض حزب آخر. ومن يختلف مع إجراء سياسي أو برلماني، فإن الطريق الصحيح أمامه هو المعارضة عبر المؤسسات والقنوات القانونية، لا إعلان القطيعة مع النظام السياسي، ولا التلويح بإنشاء سلطات موازية من شأنها أن تعيد الإقليم إلى مراحل الانقسام والتنازع.
ومن المؤسف أن يتضمن خطاب رئيس حزب كوردي عبارات من قبيل أن الإقليم ملك للاتحاد الوطني الكوردستاني، أو أن ما يُتخذ من قرارات في أربيل سيُقابل بقرارات مماثلة في السليمانية. فكوردستان وطن لجميع أبنائه، وهي ثمرة نضال طويل وتضحيات جسيمة قدمها أبناء الشعب الكوردي بمختلف انتماءاتهم السياسية والاجتماعية.
ولا يجوز أن يتم التعامل مع هذا الإرث وكأنه رصيد خاص بحزب محدد، أو أن توظف دماء الشهداء وتضحيات البيشمركة لفرض معادلات سياسية فتضحيات شعب كوردستان أكبر من أن تُختزل في خطاب حزبي، وأسمى من أن تتحول إلى وسيلة للمزايدة السياسية.
أوبدلاً من إطلاق الاتهامات جزافاً وتحويل الخلاف السياسي إلى ساحة للتشكيك والتخوين. فالديمقراطية لا تقوم على الاتهامات، وإنما على الدليل والقانون والمساءلة.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال ما شهدته الساحة السياسية الكوردستانية خلال السنوات الماضية من ممارسات ارتبطت باستخدام أدوات القوة والنفوذ والملفات الأمنية والقضائية في الصراعات السياسية، وما رافق إقصاء لاهور شيخ جنكي من قيادة الاتحاد الوطني، وما أعقب ذلك من تطورات واعتقالات وأحكام قضائية، فضلاً عن التوترات التي أحاطت بحركة الجيل الجديد ورئيسها شاسوار عبد الواحد. إن هذه الملفات، بصرف النظر عن تفاصيلها ومسؤوليات أطرافها، تستوجب الفصل الواضح بين المسار القضائي والمنافسة السياسية، وعدم توظيف سلطة الدولة أو النفوذ الأمني وسيلة لإخضاع الخصوم أو تصفية الحسابات معهم.
وفي المقابل، لا بد من التذكير بأن الحزب الديمقراطي الكوردستاني، بوصفه الكتلة الأكبر في برلمان كوردستان، تعامل في مراحل سابقة مع متطلبات التوافق السياسي بروح المسؤولية، وأبدى مرونة وحتى تنازلات في سبيل تشكيل حكومة مشتركة والحفاظ على استقرار الإقليم، رغم ما يمتلكه من استحقاق انتخابي وسياسي.
ففي انتخابات برلمان كوردستان لعام 2024، حصل الحزب الديمقراطي الكوردستاني على 39 مقعداً، مقابل 23 مقعداً للاتحاد الوطني الكوردستاني، بفارق 16 مقعداً. وهذه النتائج ليست أرقاماً عابرة، بل تعبير عن إرادة الناخبين وحجم الثقة التي منحها المواطنون للأحزاب والقوى السياسية. ومن ثم فإن احترام الاستحقاقات الانتخابية لا يعني إلغاء الشراكة، كما أن التوافق لا يعني تجاهل نتائج صناديق الاقتراع أو تحويله إلى أداة للحصول على استحقاقات تتجاوز الوزن الانتخابي.
لقد أظهر الحزب الديمقراطي الكوردستاني، في أكثر من محطة، استعداداً لتقديم المرونة من أجل المصلحة العامة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المرونة إلى مطلب دائم من طرف واحد، وعندما يُقابل بمطالب إضافية، ويصبح التوافق وسيلة لانتزاع مكاسب تتجاوز الاستحقاقات الانتخابية، بدلاً من أن يكون طريقاً لتقاسم المسؤولية وخدمة المواطنين.
إن التجارب السابقة في كوردستان تقدم لنا دروساً لا يجوز تجاهلها. فقد عانى الإقليم في مراحل تاريخية من الانقسام السياسي والإداري، ومن وجود مراكز نفوذ وسلطات متباينة، وكانت آثار تلك التجارب عميقة على مؤسسات الإقليم واقتصاده وأمنه وعلاقاته الداخلية والخارجية، ولا تزال بعض تداعياتها حاضرة حتى اليوم. فهل من الحكمة أن نعيد إنتاج تلك التجربة، بعد كل ما بذله شعب كوردستان من تضحيات وجهود لتجاوزها وبناء مؤسسات إقليم موحد؟
والأكثر خطورة أن تتحول الخلافات الداخلية إلى مجال للاستقواء بأطراف وجهات خارجية، أو تدويل التنافس الحزبي بحثاً عن مكاسب سياسية إضافية. إن قضايا كوردستان ينبغي أن تُحل بإرادة كوردستانية مسؤولة، وبالحوار بين القوى السياسية، لا بنقل الخلافات إلى الخارج أو استدعاء التأثيرات الإقليمية والدولية لتعديل موازين القوى الداخلية. فالتدخلات الخارجية لا تصنع استقراراً دائماً، بل قد تجعل القرار الوطني أكثر هشاشة، وتفتح أبواباً لا يمكن التحكم بنتائجها.
إن القائد السياسي الحقيقي هو الذي ينظر إلى مستقبل شعبه وأجياله، لا إلى مكاسبه الآنية وحساباته الشخصية والحزبية الضيقة. والسياسة ليست ردود أفعال متبادلة، ولا سباقاً في التهديد والتصعيد، ولا محاولة لفرض الإرادة؛ بل هي مسؤولية تاريخية تتطلب الحكمة وضبط النفس واحترام المؤسسات.
وإذا كان الحزب الديمقراطي الكوردستاني قد اختار، في مراحل عديدة، تغليب التوافق على حساب بعض استحقاقاته، فإن ذلك لم يكن ضعفاً أو تراجعاً، وإنما انطلاقاً من إدراكه أن استقرار كوردستان ومصالح شعبها أكبر من أي مكسب حزبي. لكن هذا النهج لا ينبغي أن يُفسر على أنه استعداد دائم لقبول الضغوط أو التنازل عن الحقوق التي أقرّتها إرادة الناخبين.
إن المطلوب اليوم احترام الدستور، والاعتراف بإرادة الناخبين، وصيانة المؤسسات، والالتزام بالاستحقاقات الانتخابية، والتعامل مع جميع القوى السياسية باعتبارها شركاء في وطن واحد، لا خصوماً ينبغي إخضاعهم.
وحتى أعداء الشعب الكوردي لا يمكن أن يستفيدوا من تمزيق البيت الداخلي الكوردي أكثر مما يستفيدون من خلافات أبنائه؛ فكيف يمكن لقيادة حزب كوردي أن تتخذ مواقف قد تفتح الطريق أمام إضعاف التجربة الكوردستانية وتقويض ما تحقق من مكتسبات؟
إن كوردستان ودماء شهدائها ليست ورقة في مفاوضات تشكيل الحكومات، وشرعية مؤسساتها ليست موضع مساومة أو ابتزاز. ومن يريد أن يكون شريكاً في إدارة الإقليم، عليه أن يحترم إرادة شعبه ومؤسساته، وأن يدرك أن الشراكة مسؤولية والتزام، وليست امتيازاً يُفرض بالتهديد.
فالاختلاف السياسي حق، أما تقويض المؤسسات فليس حقاً، والشراكة تُبنى على احترام الاستحقاقات، لا على فرض الإرادات.

*مسؤول الفرع الخامس للحزب الديمقراطي الكوردستاني

قد يعجبك ايضا
∧