حوار مع الدكتور عبد الحكيم بشار عضو مجلس الشعب السوري

أجرى الحوار: أكرم محمد

روج آفا كوردستان سوريا ومستقبل القضية الكوردية إلى أين نتجه

في ظل التحولات السياسية المتسارعة في سوريا، وما تواجهه روج آفا كوردستان سوريا من تحديات تتعلق بالحقوق القومية والمستقبل السياسي، يأتي هذا الحوار مع الدكتور عبد الحكيم بشار عضو مجلس الشعب السوري وعضو المكتب السياسي للحزب الديموقراطي الكوردستاني – سوريا وأحد مؤسسي المجلس الوطني الكوردي وأول رئيس له ، لمناقشة واقع المرحلة الراهنة، ومسار دمج المؤسسات والقوات، وآفاق الحل الدستوري، ومواقف المجلس الوطني الكوردي ، ووحدة الصف الكوردي ، ودور الرئيس مسعود بارزاني في دعم القضية الكوردية ، وصولًا إلى التحديات التي تواجه بناء شراكة وطنية حقيقية تضمن حقوق الشعب الكوردي ومستقبله.

* كيف تقرؤون المرحلة الراهنة في روج آفا كوردستان سوريا في ضوء التطورات السياسية والعسكرية الأخيرة؟ هل نحن أمام انتقال إلى صيغة جديدة للعلاقة بين دمشق والمناطق الكوردية ، أم أمام تراجع عن مكتسبات تجربة الإدارة الذاتية؟ وما أبرز الفرص والمخاطر في هذه المرحلة؟

– كانت الإدارة الذاتية سلطة أمر واقع فُرضت بقوة السلاح، لكنها أخفقت، رغم الشعارات التي رفعتها، في بناء نموذج سياسي وإداري يعبّر عن تطلعات المجتمع ويحترم تعدديته وحقوق أبنائه. فقد شهدت تجربتها انتهاكات خطيرة طالت المدنيين والمخالفين، من اعتقالات وملاحقات وخطف واغتيالات، فضلًا عن ملف تجنيد القاصرين واختطافهم، الذي لا يزال يثير أسئلة مؤلمة حول مصير عدد منهم وضرورة كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين.

ولم تتوقف إخفاقات هذه التجربة عند حدود السياسة والأمن، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي والعلاقات الأسرية والبيئة، وأثارت ممارساتها وخطابها المتعلق بالمرأة تساؤلات جدية حول مدى احترام استقلاليتها وإنسانيتها وحقها في الاختيار، بعيدًا عن إخضاعها لقوالب أيديولوجية جاهزة. كما تبرز مخاوف اجتماعية متزايدة بشأن انتشار المخدرات بين الشباب وصغار السن، وهي قضية تتطلب معالجة جادة ومسؤولة.

أما المرحلة الجديدة، فإن ملامحها النهائية لم تتضح بعد. وعلى الرغم من تأييدنا لمبدأ دمج المؤسسات والقوى المحلية ضمن مؤسسات الدولة السورية، فإننا نرى أن آليات التنفيذ الحالية تثير مخاوف جدية، ولا سيما فيما يتعلق بتوزيع المناصب الأمنية والإدارية الخاصة بالكورد، حيث يبدو أن قسد تستأثر بالحصة الأكبر، مقابل تهميش قطاعات واسعة من المجتمع الكوردي وقواه السياسية والاجتماعية الأخرى.

إن اختزال التمثيل الكوردي في جهة سياسية وعسكرية واحدة لا يعبّر عن التنوع الحقيقي للمجتمع الكوردي ، ولا يحقق الشراكة المنشودة، بل ينذر بإعادة إنتاج الاحتكار والإقصاء بصيغة جديدة. كما أن استئثار قسد بمعظم المواقع الإدارية والأمنية يساهم في تأجيج مشاعر الاستياء لدى مكونات أخرى في المنطقة، ويعمّق الشكوك بشأن عدالة عملية الدمج وأهدافها.

وبذلك، تجد المناطق الكردية، بمختلف مكوناتها القومية والاجتماعية والسياسية، نفسها أمام حالة متصاعدة من الاحتقان، في ظل غياب صيغة واضحة تضمن التمثيل العادل، وتؤسس لإدارة تحظى بثقة المجتمع وتعبّر عن تنوعه الفعلي.

إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في إنهاء تجربة الإدارة الذاتية السابقة أو دمج مؤسساتها فحسب، بل في منع إعادة إنتاج أخطائها وممارساتها الإقصائية ضمن مؤسسات الدولة الجديدة. فالدمج الذي لا يقوم على الشراكة والكفاءة والنزاهة واحترام التعددية لن يحقق الاستقرار المنشود، بل قد ينقل أسباب الأزمة من مرحلة إلى أخرى.

ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى مراجعة مسار الدمج، وفتح المجال أمام مختلف القوى السياسية والاجتماعية الكوردية، وضمان مشاركة عادلة لسائر مكونات المنطقة في إدارة شؤونها، بعيدًا عن المحاصصة الحزبية والاحتكار الأمني والإداري.

إن روج آفا اليوم بحاجة إلى الحكمة والصبر والحوار المسؤول أكثر من أي وقت مضى. فتجاهل حالة الاحتقان أو الاستمرار في تهميش شرائح واسعة من المجتمع قد يؤدي إلى تفاقم التوترات وتهديد السلم الأهلي، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى الاستقرار وإعادة بناء الثقة بين مكوناتها.

إن المطلوب ليس استبدال احتكار بآخر، ولا إعادة تدوير تجربة أخفقت في تحقيق تطلعات المجتمع، بل بناء صيغة سياسية وإدارية جديدة تقوم على الشراكة الحقيقية والعدالة والمساءلة واحترام حقوق الجميع. وحده هذا المسار يمكن أن يفتح الطريق أمام استقرار مستدام، ويحول دون انزلاق المنطقة إلى صراعات جديدة هي في غنى عنها.

* في ضوء الاتفاقات بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية ومسار دمج المؤسسات والقوات، ما الذي تحقق للكورد فعليًا، وما الذي لا يزال غير محسوم؟ وهل تضمن الترتيبات القائمة حماية الحقوق القومية والسياسية للكورد ، أم أن ذلك يتطلب اتفاقًا سياسيًا ودستوريًا أوسع؟

– حسب وجهة نظري، فإن ما تحقق حتى الآن من خلال مسار الدمج يقتصر على توزيع عدد من المناصب الإدارية والأمنية، التي تبدو محصورة بقسد، مع إتاحة بعض المناصب للمكوّن العربي ضمن الترتيبات الحكومية، في حين لا تزال بقية القوى السياسية والفعاليات الاجتماعية الكوردية محرومة من المشاركة الفعلية في مؤسسات الدولة، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول مدى عدالة التمثيل وشمولية هذه الترتيبات.

أما على الصعيد السياسي، فلم يتحقق أي تقدم جوهري في معالجة القضية الكوردية من خلال مسار الدمج، لأن هذا المسار يتركز أساسًا على الجوانب العسكرية والأمنية والإدارية، ولا يتضمن بحد ذاته اتفاقًا سياسيًا بشأن الحقوق القومية للكورد ومكانتهم الدستورية في سوريا الجديدة.

وما تحقق للكورد على صعيد الاعتراف ببعض حقوقهم جاء من خلال المرسوم رقم 13 الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع، وليس نتيجة مباشرة لاتفاقات الدمج. وهذا يوضح ضرورة التمييز بين الإجراءات والمراسيم الرئاسية من جهة، والتسوية السياسية الشاملة التي تعالج القضية الكوردية من جهة أخرى.

إن ضمان الحقوق القومية والسياسية للكورد لا يمكن أن يتحقق من خلال ترتيبات إدارية أو أمنية وحدها، ولا من خلال مراسيم قد تبقى محدودة الأثر، بل يتطلب اتفاقًا سياسيًا واضحًا بين ممثلي الكورد والحكومة السورية، يتناول الاعتراف الدستوري بالهوية القومية الكوردية وحقوقها اللغوية والثقافية والسياسية، ويحدد أسس المشاركة العادلة في إدارة الدولة.

والأهم من ذلك أن يُثبَّت هذا الاتفاق في الدستور السوري الجديد، بما يضمن استدامة الحقوق وحمايتها قانونيًا، ويحول دون إخضاعها لتبدّل السياسات أو القرارات التنفيذية.

فالقضية الكوردية ليست مجرد ملف لدمج القوات والمؤسسات، بل قضية حقوق قومية وشراكة وطنية تحتاج إلى حل سياسي ودستوري واضح، يضمن للكورد مكانتهم وحقوقهم ضمن دولة سورية ديمقراطية تعددية، موحّدة ولا مركزية.

* ما الحقوق القومية والسياسية والثقافية التي ينبغي تثبيتها في الدستور السوري لضمان مستقبل الكرد؟ وهل ترون ضرورة للاعتراف الدستوري بالكرد شعبًا أصيلًا في سوريا، وضمان هويتهم ولغتهم وثقافتهم وحقوقهم السياسية؟

– بالتأكيد، إن الاعتراف الدستوري بالكورد شعبًا أصيلًا في سوريا، وجزءًا أساسيًا من نسيجها الاجتماعي والوطني، يشكّل خطوة ضرورية نحو بناء دولة سورية ديمقراطية تعددية تقوم على الاعتراف بالتنوع القومي والثقافي واحترام حقوق جميع مكوناتها.

ومن الضروري أن يتضمن الدستور السوري الجديد ضمانات واضحة وصريحة لحماية الهوية القومية الكوردية ، واللغة والثقافة الكوردي تين، وصون الحقوق القومية والثقافية والسياسية للكورد ، بما يضمن ممارستها بحرية ومساواة مع سائر المواطنين السوريين.

إن هذه الحقوق لا ينبغي أن تبقى رهناً بالمراسيم والقرارات الحكومية المتغيرة، بل يجب تثبيتها في الدستور بوصفها حقوقًا أصيلة ومحمية قانونيًا.

ونرى أن تحقيق ذلك يرتبط ببناء سوريا لا مركزية وتعددية، تقوم على الشراكة الوطنية والمواطنة المتساوية، وتعترف بالتعدد القومي والثقافي، وتتيح لمختلف مكونات المجتمع المشاركة الفعلية في إدارة شؤونها ضمن إطار الدولة السورية الموحدة.

إن الاعتراف بالكورد وحقوقهم الدستورية ليس امتيازًا ممنوحًا لهم، بل هو استحقاق وطني يؤسس لشراكة حقيقية، ويعزز الثقة المتبادلة، ويسهم في بناء سوريا مستقرة وديمقراطية تتسع لجميع أبنائها.

* ما الصيغة السياسية التي يراها المجلس الوطني الكوردي حلًا عادلًا ومستدامًا للقضية الكوردية : اللامركزية السياسية، أم الحكم الذاتي، أم الفيدرالية؟ وما الصلاحيات الدستورية التي ينبغي أن تتمتع بها المناطق الكوردية لضمان إدارة شؤونها والمشاركة الفعلية في إدارة الدولة؟

– منذ تأسيسه، طرح المجلس الوطني الكوردي الفيدرالية بوصفها صيغة للحل العادل للقضية الكوردية في سوريا، بما يضمن للشعب الكوردي حقوقه القومية والسياسية، ويتيح له إدارة شؤونه ضمن إطار دولة سورية اتحادية ديمقراطية.

وفي وثيقة انضمام المجلس إلى الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية عام 2013، رفض الائتلاف تبنّي صيغة الفيدرالية، إلا أن المجلس أصرّ على إدراج بند إضافي غير توافقي، يؤكد حقه في العمل من أجل إقامة دولة اتحادية فيدرالية في سوريا.

وانطلاقًا من هذا الموقف، يطالب المجلس بتوزيع دستوري للسلطة والثروة بين الحكومة المركزية والأقاليم الفيدرالية، بما يضمن المشاركة الحقيقية في إدارة الدولة، ويحقق العدالة في توزيع الموارد والصلاحيات.

وحتى الآن، تبقى الفيدرالية هي الصيغة التي يتبناها المجلس في موقفه السياسي المعلن.

لكن في ظل المتغيرات السياسية الراهنة في سوريا، يبرز سؤال جوهري: هل سيحافظ المجلس على استراتيجيته السياسية القائمة، أم سيعيد النظر فيها بما يتلاءم مع الواقع الجديد؟ هذا السؤال لا يزال مفتوحًا، ولا توجد حتى الآن إجابة واضحة عنه، وربما يشكّل المؤتمر القادم للمجلس محطة مهمة لتحديد توجهاته المستقبلية.

* ما مدى جدية دمشق في تنفيذ التزاماتها تجاه الكرد؟ وما الضمانات القانونية والسياسية المطلوبة لمنع التراجع عن الحقوق المتفق عليها؟ وإذا تعثرت المفاوضات أو رُفضت المطالب القومية الأساسية، فما الخيارات العملية التي يمتلكها المجلس الوطني الكوردي؟

– إن المرسوم الرئاسي رقم 13، الذي منح الكورد بعض الحقوق، يمثل خطوة مهمة؛ إذ إنه يكرّس، للمرة الأولى منذ تأسيس الدولة السورية وحتى اليوم، اعترافًا مباشرًا بالوجود الكوردي في سوريا، ومن دون مفاوضات مسبقة.

كما أن تصريحات السيد الرئيس أحمد الشرع، في مناسبات عدة، والتي أكد فيها أصالة الوجود الكوردي في سوريا وحقوق الشعب الكوردي، وشدّد على أن هذه الحقوق ليست منّة من أحد، تشكّل مؤشرًا مهمًا في هذا السياق. وانطلاقًا من ذلك، أرى أن الرئيس الشرع يتحمل مسؤولية ضمان تنفيذ المرسوم خلال المرحلة الانتقالية.

غير أن الوصول إلى حل نهائي وعادل للقضية الكوردية لا يمكن أن يتحقق من خلال المرسوم الرئاسي وحده، بل يقتضي تضمين حقوق الشعب الكوردي في الدستور السوري الجديد، بما في ذلك الحقوق التي نصّ عليها المرسوم، وضمان حمايتها دستوريًا وقانونيًا، بحيث لا تبقى رهناً بمرسوم رئاسي قابل للتعديل أو الإلغاء.

أما فيما يتعلق بالمفاوضات بين المجلس الوطني الكوردي والحكومة السورية، فقد عُقدت عدة جلسات ولقاءات بين الطرفين، إلا أن مفاوضات رسمية، بالمعنى السياسي المتعارف عليه، لم تنطلق حتى الآن.

وفيما يخص الخيارات المتاحة أمام المجلس الوطني الكوردي في حال تعثرت المفاوضات أو لم تتم الاستجابة للمطالب القومية، فإنني لست في موقع يتيح لي تحديد خيارات المجلس أو رسم مساراتها؛ فهناك جهة قيادية مسؤولة عن ذلك، وهي التي تتولى تقدير الموقف واتخاذ القرارات المناسبة.

* بصفتكم عضوًا في مجلس الشعب السوري، ما الخطوات التشريعية والسياسية المحددة التي يمكنكم العمل عليها لتثبيت الحقوق القومية للكورد في الدستور والقوانين، ولا سيما في مجالات اللغة الكوردية والتعليم والحقوق المدنية والتمثيل السياسي؟

– فيما يتعلق بمجلس الشعب في الأنظمة الرئاسية، ولا سيما خلال المرحلة الانتقالية، فإن صلاحياته تبقى محدودة، ولا تتيح له وحده معالجة جميع القضايا الدستورية والوطنية المطروحة.

ومع ذلك، سنعمل بأقصى طاقاتنا، بالتعاون مع زملائنا في الكتلة الكوردية وبقية الزملاء السوريين، من أجل إلغاء جميع القوانين والتشريعات الاستثنائية التي طُبّقت بحق الشعب الكوردي على مدى العقود الثمانية الماضية، وإنهاء آثارها القانونية والإنسانية.

كما سنسعى إلى تثبيت اللغة الكوردية لغةً رسمية في البلاد، والعمل على تغيير اسم الدولة بما يعكس حقيقة التعدد القومي والثقافي للمجتمع السوري، ويعبّر عن انتماء جميع مكوناته إلى وطن واحد على أساس الشراكة والمساواة.

أما بقية الحقوق القومية والدستورية، وضمانات حمايتها، فإن إقرارها بصورة نهائية يرتبط بعمل اللجنة الدستورية التي ستتولى إعداد مسودة الدستور الدائم لسوريا.

وفي هذا السياق، لا تزال آلية تشكيل هذه اللجنة غير واضحة حتى الآن؛ إذ لم يُحسم ما إذا كان تشكيلها سيتم من خلال مجلس الشعب، أم بمرسوم رئاسي، أم بقرار مشترك من رئيس الجمهورية ومصادقة مجلس الشعب. وهذا سؤال دستوري وسياسي مهم، لأن طريقة تشكيل اللجنة وطبيعة تمثيل مكونات المجتمع السوري فيها ستؤثران في مدى شمولية الدستور المقبل وقدرته على ضمان حقوق جميع السوريين.

ومن هنا، فإن مسؤوليتنا لا تقتصر على طرح المطالب، بل تشمل أيضًا العمل على ضمان مشاركة كوردية فاعلة في صياغة الدستور الدائم، بما يكفل الاعتراف بالشعب الكوردي وحقوقه القومية واللغوية والثقافية والسياسية، ضمن دولة سورية ديمقراطية تعددية ولا مركزية.

* هل يمتلك المجلس الوطني الكوردي مشروعًا سياسيًا متكاملًا بأهداف واضحة وآليات تنفيذ وأولويات محددة؟ وهل أنتم مستعدون لطرح برنامج عملي يستطيع الجمهور تقييمه ومساءلة القيادة على أساسه؟

– أعتقد أن المسألة الأساسية لا تكمن في كتابة مشروع سياسي على الورق، فبإمكان أي جهة أن تضع مشروعًا سياسيًا متكاملًا، وأن تصوغ أهدافًا وطموحات تبدو مثالية. لكن العبرة الحقيقية تكمن في امتلاك الأدوات والآليات اللازمة لتنفيذه، والقدرة على تحويله إلى واقع ملموس، وتوفير الإمكانات السياسية والتنظيمية التي تتيح الدفاع عنه وتحقيق أهدافه.

وهنا أود التأكيد أنني لست مخوّلًا بالحديث باسم المجلس الوطني الكوردي أو التعبير عن مواقفه الرسمية، وإنما أعبّر عن وجهة نظري الشخصية. وفي تقديري، فإن المجلس الوطني الكوردي ، بصيغته التنظيمية الحالية، وآليات اتخاذ القرار فيه، والأدوات المتاحة له للعمل السياسي، لا يمتلك القدرة والفاعلية المطلوبتين لتنفيذ مشروع سياسي أو برنامج عمل وتحقيق النتائج المرجوّة منه.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام المجلس لا يتمثل في صياغة مشروع سياسي جديد بقدر ما يتمثل في مراجعة بنيته التنظيمية، وتطوير آليات اتخاذ القرار، وتعزيز قدرته على العمل والتأثير، بما يمكّنه من تحويل أهدافه السياسية إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.

* إلى أي مدى أضعفت الخلافات بين المجلس الوطني الكوردي وحزب الاتحاد الديمقراطي وقوات سوريا الديمقراطية الموقف الكوردي؟ وما مسؤولية الأطراف المختلفة عن استمرار الانقسام؟ وكيف يمكن بناء مرجعية سياسية كردية موحدة تتفق على برنامج مشترك وتفاوض باسم الكرد من موقع أقوى؟

– أعتقد أن الخطوة الأولى لمعالجة مسألة الانقسام الكوردي وبناء مرجعية سياسية موحدة تبدأ بتصحيح المفاهيم السياسية وعدم تشويهها أو الخلط بين المشاريع والأهداف المختلفة.

فبالنسبة لي، تُعرَّف الحركة السياسية الكوردية بأنها التنظيمات التي تنطلق في برامجها السياسية من حقيقة وجود شعب كوردي في سوريا، له حقوق قومية وسياسية وثقافية مشروعة، ويشكّل تحقيق هذه الحقوق جوهر مشروعها السياسي ومحور نشاطها.

ومن هذا المنطلق، أرى أن حزب الاتحاد الديمقراطي تأسس ويعمل انطلاقًا من مشروع الأمة الديمقراطية وأخوة الشعوب، وهو مشروع يختلف في منطلقاته عن المشروع القومي الكوردي، الذي يتمحور حول الاعتراف بالشعب الكوردي وحقوقه القومية. كما أنني أرى أن الحزب يتعامل مع القضية الكوردية من موقع مختلف، ويعود إلى توظيف خطابها القومي عندما تقتضي الظروف أو المصالح السياسية ذلك، من دون أن يعني هذا بالضرورة تغييرًا في جوهر مشروعه السياسي.

لذلك، لا أعتقد أن العلاقة بين المجلس الوطني الكوردي وحزب الاتحاد الديمقراطي يمكن وصفها بوحدة الموقف الكوردي أو بوحدة البيت الكوردي، في ظل استمرار الاختلافات الجوهرية في المشاريع والأهداف. والأدق، في تقديري، وصفها بأنها شكل من أشكال التنسيق السياسي على الحد الأدنى من القضايا والبرامج المشتركة.

أما قوات سوريا الديمقراطية، فهي قوة عسكرية ذات دور سياسي وعسكري في الواقع السوري، لكنني لا أرى أنها تمتلك، بصفتها العسكرية، مشروعًا سياسيًا مستقلًا ومتكاملًا يمكن التعامل معه بوصفه برنامجًا سياسيًا للحركة الكوردية.

وفيما يتعلق ببناء مرجعية سياسية كوردية، أعتقد أن الأمر يتطلب المرور بمرحلتين أساسيتين:

المرحلة الأولى: إعادة تنظيم الحياة الحزبية الكوردية.

إن العدد الكبير والمتشظي للأحزاب الكوردية، وما يرافقه من تكرار في البرامج وضعف في الفاعلية، يشكّل عائقًا أمام بناء مرجعية سياسية جامعة. لذلك، لا بد من العمل على تقليص هذا التشتت من خلال اندماجات حزبية حقيقية، تفضي إلى عدد محدود من الأحزاب ذات البرامج الواضحة والقدرة الفعلية على العمل والتأثير.

المرحلة الثانية: تشكيل مرجعية سياسية كوردية جامعة.

بعد إعادة تنظيم المشهد الحزبي، يمكن العمل على تشكيل مرجعية كوردية تضم ممثلي القوى السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، والنخب الثقافية والاجتماعية الكوردية ، على أساس برنامج وطني قومي مشترك، يحدد الحقوق والأهداف وآليات العمل والتفاوض.

وتكون مهمة هذه المرجعية توحيد الموقف الكوردي ، وصياغة رؤية مشتركة لمستقبل القضية الكوردية في سوريا، والتفاوض مع دمشق على أساس واضح، بما يضمن الاعتراف الدستوري بالشعب الكوردي وحقوقه القومية والسياسية والثقافية.

إن بناء مرجعية كوردية حقيقية لا يتحقق بمجرد جمع الأحزاب تحت مظلة واحدة، بل يتطلب وضوحًا في المشروع السياسي، وتوافقًا على الأهداف، وتنظيمًا فعالًا، وتمثيلًا حقيقيًا للمجتمع الكوردي. ومن دون ذلك، ستبقى الدعوات إلى وحدة الموقف الكوردي شعارات لا تجد طريقها إلى التطبيق العملي.

* ما الدور الذي يمكن أن يؤديه إقليم كوردستان العراق، ولا سيما الرئيس مسعود بارزاني، في تقريب وجهات النظر بين القوى الكوردية السورية ودعم موقف موحد؟ وكيف يمكن تحويل هذا الدور إلى نتائج سياسية ملموسة تخدم القضية الكوردية في سوريا؟

– أعتقد أن الرئيس مسعود بارزاني بذل جهودًا كبيرة ومستمرة لتوحيد الصف الكوردي في سوريا منذ تأسيس المجلس الوطني الكوردي في أواخر عام 2011، مرورًا باتفاقية هولير الأولى في 11 تموز 2012، وهولير الثانية، واتفاقية دهوك، وصولًا إلى مؤتمر وحدة الصف والموقف الكوردي في نيسان 2025.

لكن، وللأسف، لم تثمر هذه الجهود حتى الآن عن الوحدة المنشودة، بسبب عدم الالتزام بالتفاهمات والاتفاقيات من جانب الاتحاد الديمقراطي، وفق قراءتي لمسار هذه التجربة؛ إذ كان يعود إلى الحوار عندما تضيق أمامه الخيارات، ويتراجع عن الاتفاقات عندما تتاح له فرص تسمح له بالاستمرار في نهجه المنفرد.

واليوم، رغم تشكيل الوفد الكوردي المفاوض المنبثق عن مؤتمر نيسان 2025، فإننا لا نزال بحاجة إلى الانتقال من الوحدة الشكلية إلى وحدة سياسية حقيقية، تقوم على الشراكة والالتزام المتبادل.

إن الرئيس مسعود بارزاني يستطيع الاستمرار في أداء دور مهم في هذا المجال، لكن نجاح أي مبادرة جديدة يتطلب إرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف، وضمانات واضحة لتنفيذ الاتفاقات، لأن تكرار التفاهمات من دون الالتزام بها لن يؤدي إلى نتائج مختلفة.

فالقضية الكوردية أكبر من الأحزاب، ووحدة الموقف الكوردي ليست خيارًا حزبيًا، بل ضرورة قومية وسياسية لحماية حقوق الشعب الكوردي وضمان مستقبله في سوريا.

قد يعجبك ايضا
∧