تزرين يعقوب سولا
قراءة في مقولة سيغموند فرويد عن العقل الباطن، وحدود سيطرة الإنسان على ذاته
«الأنا ليس سيّداً في بيته».… عبارة قصيرة، لكنها تحمل واحدة من أكثر الأفكار الفلسفية والنفسية إثارة للتأمل في طبيعة الإنسان وعلاقته بذاته.
قالها عالم النفس النمساوي سيغموند فرويد في سياق دفاعه عن التحليل النفسي، موجهاً حديثه إلى الإنسان الذي يعتقد أنه يعرف نفسه جيداً، ويسيطر على أفكاره ورغباته وقراراته.
أراد فرويد أن يلفت الانتباه إلى حقيقة قد لا يرغب كثيرون في الاعتراف بها : ليس كل ما يحدث داخلنا خاضعاً لوعينا، وليس كل ما نفعله نعرف تماماً لماذا نفعله.
لقد اعتاد الإنسان أن ينظر إلى نفسه باعتباره صاحب القرار، وأن يتصور أن أفكاره ومواقفه ومشاعره تنبع من إرادة واعية، لكنه قد يكتشف، في لحظات كثيرة، أن هناك دوافع خفية تؤثر في اختياراته، وذكريات قديمة تتدخل في حاضره، ومخاوف لا يعرف مصدرها.
وقد تظهر هذه التأثيرات في زلات اللسان، والانفعالات المفاجئة، والتصرفات الاندفاعية، وبعض أنماط السلوك المتكررة
قد يلتقي شخصاً فيشعر بنفور شديد منه دون أن يعرف السبب، أو يكرر علاقة عاطفية مؤذية رغم إدراكه لنتائجها، أو يبالغ في الخوف من موقف بسيط لأنه يذكّره، دون وعي منه، بتجربة مؤلمة سابقة.
كم مرة اتخذنا قراراً ثم حاولنا البحث عن مبررات منطقية له؟
وكم مرة اعتقدنا أننا نتصرف بحرية كاملة، بينما كانت تجاربنا السابقة ومخاوفنا وانحيازاتنا تؤثر في اختيارنا؟
لقد أحدث فرويد تحولاً مهماً في طريقة فهم الإنسان لنفسه، حين شكك في الاعتقاد بأن الوعي هو الحاكم الوحيد للحياة النفسية.
هنا نصل إلى نقطة تستحق التأمل: إذا لم نكن أسياداً كاملين على بيوتنا النفسية، فهل يعني ذلك أننا لا نملك حرية الاختيار؟
وربما تكون الحرية الحقيقية ليست في السيطرة المطلقة على النفس، فهذا أمر يصعب تحقيقه، وإنما في زيادة وعينا بما يحركنا، حتى لا تتحول دوافعنا الخفية إلى قرارات تتحكم في حياتنا.
قد يكون أصعب اكتشاف يواجهه الإنسان أنه لا يعرف نفسه بالقدر الذي كان يعتقده، وأن رحلة فهم الآخرين تبدأ غالباً برحلة أكثر صعوبة :
وهي فهم الذات.
«فاسمح لنفسك إذن أن تقبل بحقيقة أنك لست سيداً في بيتك»