محسن دزه ايي
تكمن أهمـية هذا الـكتاب فـيمـا يفـتحـه من النوافـذ أمـام أنظار القراء فهـو عبارة عن سيرة الحياة الشخصية والسياسية للمناضل البارز في صفوف حركة التحرر الكوردستانية الأستاذ ، (محسن دزه يي).
يغطي كتاب (احداث عاصرتها) أيام طفولتـه ومراحل دراسـته ثم الاحداث التـي وقعت في محطات حياته المختلفة من مزاولة مهنة المحاماة والتجارة،الى التحاقه بالثورة الكوردية عام 1963 كبيشمركة وسياسي،ومن ثم توليه مسؤوليات قيادية هامة في صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني والثورة الكوردية، ولأهمية هذه الشخصية القيادية البارزة ودوره الفاعل في الحركة التحررية الكوردستانية، ندعوا قراءنا الى متابعة مجريات الأحداث والذكريات التي عاصرها المناضل (دزه يي) خلال محطات حياته.
الجزء التاسع والخمسون
وعلى كل حال فقد تمتعت جداً خلال فترة مكوثي في جيكوسلوفاكيا وكانت بالنسبة لي تجربة دبلوماسية ناجحة اذ كانت هي التجربة الأولى.
وصلت فينا قادماً من براغ وبعد مضي يوم واحد هناك وبعد أن عاونني سائقي وكان أسمه (كولا) على تهيئة سيارتي الشخصية غادرت فينا قاصداً حدود يوغسلافيا، وعاد (كولا) من فينا بسيارة السفارة. كان ذلك السائق ماهراً جداً وخدوماً يتكلم الانكليزية بصورة جيدة، فقد كان ملازماً طياراً في الجيش الجيكوسلوفاكي إبان الحرب العالمية الثانية، وكان من جملة افراد الجيش الذين قاوموا الاحـتلال النازي وانظم الى الجيوش الغربية او الحلفاء حـتى انتهاء الحرب، وقضى بعض الوقت في بريطانيا ثم عاد الى جيكوسلوفاكيا بعد دحر الجيوش النازية، ولكنه قد أخرج من الجيش بعد سيطرة النظام الـشيـوعي على الحكم.

بعد قضاء ليلة واحدة في مدينة زغرب توجهت ومعي ابن عمي كاكه عبدالقادر نحو بلغاريا ثم تركيا فسوريا ولبنان وسوريا ثانيةً، ووصلنا بغـداد في الخامس والعشرين من الشهر نفسه ونحن متعبان جداً، وصلناها فجر ذلك اليوم وكانت مصادفة غريبة حيث لاقينا عمتي، والدة كاكه عبدالقادر وكانت تتهيأ لتسافر في اليوم نفسه لزيارة بيت الله الحرام، ففرحت جداً بلقاء ولدها الوحيد كاكه قبل سفرها لأداء فريضة الحج.
قضيت بعض الوقت في بغداد لأداء بعض الزيارات الرسمية فـقـمت بزيارة رئيس الجمهورية البكر ونائبه صدام حسين، ووزير الخارجية مرتضى سعيد عبدالباقي الحديثي ووكيل الوزارة شاذل طاقة، كما التقيت بأصدقائي الكورد من الوزراء وغيرهم ثم عدت الى أربيل.
“كان موعد سفري في الاسبوع الاول من شهر نيسان سنة 1973، وقد قمت قبل سفري بزيارة رئيس الجمهورية حيث استلمت اوراق الاعـتماد التي كانت موجهة الى الملكة اليزابيث الثانية ملكة بريطانيا بأعتبارها ملكة كندا أيضاً، وسألني البكر فيما اذا كنت استصحب معي افراد عائلتي أجبته بأنهم يلتحقون بي عند بدء العطلة الصيفية للمدارس، فقال البكر يجب أن يطلعوني على ذلك قبل موعد سفرهم. ولم يتمكنوا من ذلك لأن موعد سفرهم قد صادف انشغال المسؤولين بحركة ناظم كزار مدير الامن العام في حزيران من تلك السنة”
لم أكن على عجل للألتحاق بعملي الجديد في كندا، لذا قضيت أكثر من ثلاثة أشهر في العراق، بعكس الآخرين الذين يعـينون في مثل هذه المناصب يريدون الالتحاق خلال أقصر مدة ممكنة.
صادف اثناء وجودي فى بغداد زيارة وفد جيكوسلوفاكي كبير -ولا اذكر تأريخ وصوله بالضبط كان يرأسه وزير الخارجية الجيكوسلوفاكي، وقد رغب مرتضى الحديثي وزير الخارجية في ضمي الى الوفد العراقي الذي يتفاوض مع الوفد الضيف، حيث أصبحت عضواً في الوفد وبعد وزير الخارجية مباشرةً.
كنت أعرف أكثر أعضاء الوفد الجيكوسلوفاكي والـوزير نفسه، وقضوا بضعة
ايام في بغداد جرى فيها بحث مختلف القضايا التي تهم البلدين وتم التوقيع على بعض الاتفاقيات بخصوص العلاقات التجارية والقنصلية وغيرها.

بدأ الربيع يقترب فقـررت ان اقضي أيام عيد نوروز في كوردستان، فقضيت بضعة أيام في منطقة كلاله والتقيت البارزاني عدة مرات منذ وصـولي كوردستان، وكان قد قدم لي عند ذهابي الى جيكوسلوفاكيا هدية عبارة عن جلد نمر اصطيد في جبال كوردستان، وقد تم تحنيط الجلد المذكور وحشـوه بطريقة علمية وفنية من قبل العاملين في متحف التأريخ الطبيعي في براغ، وقد جرى تحنيطه بشكل جميل جداً يحسبه الناظر لأول وهلة أنه غير طبيعي. وقد سألني البارزاني عن مصير ذلك الجلد فرويت له تلك القصة وأعلمته بأني شحنته مع حاجياتي القليلة الى كندا مباشرة من براغ.
بعد احتفالات عيد نوروز عـدت الى أربيل وقضيت اياماً في منطقـتنا وفي القرى العائدة لنا ولأقاربنا، وقد تمتعنا جداً بجو الربيع الطيب حيث كـانت الحياة الريفية الطبيعية الجميلة بعيدة عن تعقيدات المدن. كانت بالنسبة لي حياة ممتعة ذكرتني بالأيام الخوالي في الارياف وبالحياة السهلة البسيطة، وددت بأن لاتنتهي تلك الايام ولاينتهي الربيع ونسيت مـوضـوع الســفارة السفر الى كندا وغيرها ومضت تلك الايام كحلم جميل لم أرغب في أن ينتهي.
وأخيراً وبعد أن افقت من ذلك الحلم الجميل، ايقنت انه لابد من السفر والالتحاق بعملي ولابد من مغادرة ذلك الجو الممتع، فعدت الى أربيل وثم الى كلالة مقر قيادة الحزب وهناك قمت بزيارة البارزاني واستأذنت منه بالسفر، وبعد توجيهاته وتوصياته زرت الاصدقاء الآخرين في المكتب السياسي وقيادة الحزب ثم غادرت المكان عائداً الى أربيل ثم قاصداً بغداد.
كان موعد سفري في الاسبوع الاول من شهر نيسان سنة 1973، وقد قمت قبل سفري بزيارة رئيس الجمهورية حيث استلمت اوراق الاعـتماد التي كانت موجهة الى الملكة اليزابيث الثانية ملكة بريطانيا بأعتبارها ملكة كندا أيضاً، وسألني البكر فيما اذا كنت استصحب معي افراد عائلتي أجبته بأنهم يلتحقون بي عند بدء العطلة الصيفية للمدارس، فقال البكر يجب أن يطلعوني على ذلك قبل موعد سفرهم. ولم يتمكنوا من ذلك لأن موعد سفرهم قد صادف انشغال المسؤولين بحركة ناظم كزار مدير الامن العام في حزيران من تلك السنة.
وبعد ذلك قمت بزيارة نائب رئيس مجلس قيادة الثورة صدام حسين ووزير الخارجية مرتضى سعيد عبدالباقي الحديثي والآخرين في الوزارة ،وبعد أن قضيت بعض الاعمال الادارية غادرت الوزارة ثم سافرت بعد يوم أو يومين عن طريق لبنان.
وقبل سفري بيوم واحد سمعت بأن الزعيم الآشوري ملك ياقو الذي كان يسكن كندا، موجود في بغداد وهو يرقد في مستشفى مدينة الطب للعلاج، واريد هنا أن أذكر شيئاً عن دور الأخوة الاشورين في الحركة الكوردية وخاصة في ثورة ايلول. لقد كـانت العلاقات بين الكورد والآشـوريين متميزة دوماً يسودها جو من الثقة والتعاون وخاصة العلاقات مع البارزانيين، لذا فقد تواجدوا بكثرة في قرى مشتركة مع الكورد أو قرى مستقلة بهم بين القرى الكوردية، ولم يكن بالأمكان وفي كل الظروف ايجاد الفرقة والخلافات بينهم بل أنهم عاشوا متآخين ومتعاونين على مدى سنين. اما في ثورة ايلول الكبرى التي قادها الزعيم الكوردي الراحل مصطفى البارزاني، فقد ساهم فيها الآشوريون مساهمة فعلية الى جانب اخوانهم الكورد وقدموا الضحايا والشهداء في سبيل ذلك، وان الشهيد البطل هرمز ملك جكو مثال على ذلك، وكان الاثوريون بين الحرس الخاص المكلف بحماية البارزاني ونجله مسعود البارزاني.
في مفاوضات 1970 وقبل التـوقيع على اتفاق الحادي عشر من آذار سنة 1970 ،كان من جملة مطاليب الوفد الكوردي في تلك المفاوضات منح الحقـوق الثقافية للتركمان والآشوريين. وقد رفض الجانب الحكومي هذا المطلب الكوردي، وأعلن بعد ذلك من جانب واحد الحقوق االثقافية للتركمان، كما أصدرت عفواً عن (المار شمعون) الذي كان يقيم في كندا ودعـته الى بغداد وحاولت كسب الآشوريين عن طريقه، الا انه رفض ذلـك وعاد الى كندا حيث اغتيل هناك، ثم حاولت ذلك عن طريق الزعماء السياسيين عندما فشلت في اقناع الزعيم الديني فقدمت دعوة الى المرحوم (ملك ياقو)، بعد أن أصدرت العفو عنه وعن اتباعه وبذلت معه جهـود كبيرة لكسبه الى جانبها ودفعه للعمل ضد الثورة الكوردية ولكنها فشلت في النتيجة.
“كان أحد اسباب نقلي من جيكوسلوفاكيا، هو حساسية ذلك الموقع بعد التطورالذي حصل في العلاقات مع الاتحاد السوفياتي والكتلة الاشتراكية، ولأن جيكوسلوفاكـيـا كانت من الحلقات المهمة في سلسلة تلك العلاقات بل نستطيع أن نقول من أهمها بعد الاتحاد السوفيتي، وفي كثير من الاحيان لايريد الاتحاد السوفياتي الارتباط مباشرة في بعض الامور فتكون جيكوسلوفاكيا هي البديلة لتقـوم بذلك العمل”
كانت هي الزيارة الثانية التي يقوم بها الملك ياقو الى بغداد، فلما سمعت أنه يرقد في المستشفى رأيت من الأفضل زيارته قبل سفري وذلك للعلاقة الأخوية الجيدة مع الاخوة الآشوريين، وموقفهم المشرف من الثورة الكوردية اولاً وبسبب اقامته في كندا قبل مجيئه الى بغداد وأنا مسافر الى اوتاوا كسفير. وذهبت صباحاً الى المستشفى في اليوم الذي يسبق سفري حاملاً له باقة كبيرة من الزهور، ولما دخلت المستشفى وجدت حارسين خارج باب غرفته من منتسبي الامن العراق، وقد حاولا منعي من الدخول الا انني اوضحت لهما بأنني سفيـر العراق في كندا، ففسحا لي المجال دون السؤال عن اسمي أو هويتي وظنا أني أحد كبار البعثيين. فدخلت على السيد ملك ياقو وسلمت عليه وعرفته بنفسي، فظن هو ايضاً انني من البعثيين. كان رجلاً مسناً ومتعباً لذا ظل متمدداً على فراشه وقال لي بلغة عربية ركـيكة وبعض الجمل الانكليزية بأنه قد جال المنطقة الشمالية كلها على الاقدام من زاخو الى الحدود الايرانية، وانه يعرف تلك المنطقة شبراً بشبر وانه قادر على محاربة الثورة الكوردية والبارزاني ويطلب نقل هذا الرأي للمسؤولين، ضحكت من ذلك القول وبعد تبادل كلمات المجاملة تمنيت له الشفاء وتركته. وعدت الى الفندق الذي كنت اقيم فيه في شارع السعدون لكي اتهيأ للسفر، وعـصر ذلك اليـوم حضر الفندق السيد(زيا) نجل الملك ياقو وكنت أعرفه معرفة بسيطة كوني قد التقيت به مرة أو مرتين في بعض المناسبات، وبعد السلام والترحيب به اعتذر عما قاله والده وقال بأنه لم يعرفني وأنه رجل مسن ومريض لايحسب لقـوله كثيراً، واشاد بالعلاقات الاخوية بين الكورد والآشوريين وأكد بأنه من غير الممكن الاساءة الى تلك العلاقات، فأبتسمت وأيدته في قوله وقلت بأني قد نسيت هذا الموضوع أعلم بأن هذا الكلام قد صدر عن والده بسبب مرضه وكـبر سنه ولأنه لم يعرفني. وقد حررت رسالة الى البارزاني حول ذلك اللقاء وموقف السيد زيا ورأي الخاص الذي كان كما ذكرته سابقاً. وعلمت فيما بعد بأن الملك ياقو ونجله زيا قد غادرا بغداد بعد رفضهما طلبات
النظام بالتعاون معه.
ذكرت بأنني لم أكن على عجل من أمر السفر فقد قضيت عدة أيام في لبنان، ثم توجهت الى براغ مقر عملي القـديم ولم يلتحق أي سفير جديد ليـحل محلي وتبين انهم بصدد تعيين أحد البعثيين هناك، بالرغم من انني قد سمعت بأن استاذي القديم وصديقي الدكتور عبدالله اسماعيل البستاني مرشح لذلك المنصب، وكان قد عين حديثاً سفيراً في وزارة الخارجية، وقـد هنأته على ذلك وزودته ببعض المعلومات، الا أنني اعتقد بأنه لم ينتـدب الى تلك السـفارة. كان أحد اسباب نقلي من هناك هو حساسية ذلك الموقع بعد التطور في العلاقات مع الاتحاد السوفياتي والكتلة الاشتراكية، ولأن جيكوسلوفاكـيـا كانت من الحلقات المهمة في سلسلة تلك العلاقات بل نستطيع أن نقول من أهمها بعد الاتحاد السوفيتي، وفي كثير من الاحيان لايريد الاتحاد السوفياتي الارتباط مباشرة في بعض الامور فتكون جيكوسلوفاكيا هي البديلة لتقـوم بذلك العمل.
قضـيت فى براغ بضعة ايام بصفة شخصية، بصفة سائح أو زائر ولأول مرة كنت أشعر بنوع من الحرية وحللت في أحد الفنادق، ولكن سيارة السفارة كانت تحت تصرفي لتنقلاتي وكذلك سائقي الشخصي السابق (كولا) كان في خدمتي كعادته، وزرت بعض الاصدقاء القدامى الشخصيين سواء في وزارة الخارجية أو خارجها. كذلك التقيت ببعض السفراء من اصدقائي، وبعد حوالي اسبوع سافرت الى فينا وقضيت يومين مع صديقي مالك الياسري وشقيقي عمر ومنها الي المانيا الاتحادية حيث شقيقي الاخر أنور، وقـضيت يوماً واحداً في فرانكفورت حيث التقيت بصديقتي طبـيبة الاسنان الـدكتــورة (دادا دوبرسكا)، وهي طبيبة جيكوسلوفاكية كنت أعرفها مع زوجها الجيكي المهندس بيتر دوبرسكي، وكانا من اصدقائي المقربين في براغ وقد هاجرت الطبيبة فيما بعد الى المانيا الغربية بعد طلاقها من زوجها وبعد أن تزوجت من رجل سويسري فتمكنت من مغادرة جيكوسلوفاكيا.
وبعد المانيا الى بريطانيا حيث قضيت اسبوعاً واحداً التقيت بابا علي الشيخ محمود الحفيد، الذي كان يقيم في لندن، كما أتصلت هاتفياً بصديقي وابن خالتي زيد احمد عثمان الذي كان مقيماً في باريس، وكـذلك التقـيت بأصدقـائي الآخرين من المقيمين في بريطانيا وبعد أن اقتنيت بعض الحاجيات والملابس الرسمية، غادرت الى مقر عملي الجديد في اوتاوا بكندا بتأريخ الرابع و العشرين من شهر نيسان سنة 1973.