الجزء السابع والخمسون
عملي في براغ
باشرت بأعمالي الاعتيادية كالسابق وانعكست الأمور التي حدثت على العلاقات بين الحزب الدءيمقراطي الكوردستاني وحزب البعث العربي الاشتراكي، ليس في داخل العراق فحسب بل في خارجه أيضاً، وغلب طابع الحدة على البيانات الحزبية الصادرة بهذه المناسبة، وقد حاولت مـن جانبي تخفيف هذه الحدة وتخفيف لهجة هذه البيانات لكي لانكون سباقين نحن في خلق هذا الجو من التأزم، بل ننتظر ما تعمله القيادة في الداخل والخطوات التي تخطوها في هذا الصدد. ومع كل ذلك فقد كانت الأزمة ظاهرة للعيان ويصعب التستر عليها. ورغم تلك الظروف فقد كنت ازاول أعمالي بصورة اعتـيادية وبالشكل المطلوب، وأقوم بأداء واجباتي كسفير للجمهورية
العراقية على احسن وجه.
ذكرت سابقاً بأن تلك المؤامرة الدنيئة أثرت سلباً على العلاقات بين الحزبين وأدت الى فقدان الثقة، ان الذين كانوا وراء تلك المؤامرة ضنوا انهم سيقـضون على الحركة الكوردية بأغتيال زعيمها وقائدها البارزاني، ولكن خاب ظنهم فبالرغم من أن البارزاني الراحل كان هو الثورة والحزب وبالعكس فأنه قد غرس في قلب كوردي بنور القومية وحب الوطن والدفاع عن أهداف الشعب، وبالرغم من كل الظروف والمشاكل التي كانت تقع فيها الحركة الكوردية بغياب البارزاني، فيما نجحت المؤامرة -لاسمح الله- الا انه لم يكن بالأمكان القضاء عليه نهائياً، ولدينا أمثلة واضحة على ذلك، فبعد اتفاقية الجزائر التي أبرمت بين شاه أيران ونائب الرئيس العراقي صدام حسين، اصيبت الثـورة الكوردية بإنتكاسة كبـيرة ظن الاعداء بأن الحركة الكوردية سوف لن تقـوم لها قائمة بعد تلك الاتفاقية ، الا انه وبعد أقل من سنة اندلعت نيران الثورة الكوردية من جـديد. ورغم وفاة البارزاني سنة 1979 أثر مرض عضال، ورغم تلك الخسارة الكبرى للحركة الكوردية وذلك الفراغ الكبير الذي تركه رحيله في صفوف الشعب الكوردي والذي كان يصعب ملؤه، فأن الثورة قد استـمرت وتوسعت مستـفيدة من تراثه النضالي ونهجه العظيم الى الآن، محققة
جزءاً كبيراً من الأهداف التي عمل البارزاني من اجلها طوال حياته.
ان حزب البعث والنظام بعد فشل تلك المؤامرة وغيرها، أيقنت بأن ثقة الكورد فيه قد فقدت تماماً فأخذت تباشر للتهيؤ للجولة الثانية من القتال، متى ما أكملت الاستعدادات اللازمة لذلك.

أخذ حزب البعث ببذل مساعيه لتأسيس مايسمى بالجبهة الوطنية القومية التقدمية على أن يكون هو السيد المطاع، وقد حاول البعث مع كل من الحزب الشيوعي العراقي والديقراطي الكوردستاني لهذا الغرض، فلم يكن بالأمكان ضم الحزب الديمقراطي الكوردستاني بتلك السهـولة وبشروط البعث، وخاصة بعد ظهور النوايا الحقيقية للنظام، تولت الجهود نحو الحزب الشـيوعي العراقي. وكانت الخطوة الاولى التقرب من الاتحاد السوفياتي أكثر من السابق، فتحسنت العلاقات وتطورت كثيراً وأولى الطرفان اهتماماً كبيراً بالجانب الاقتـصادي الذي كان يهم الاتحاد السوفياتي كثيراً ،ووقعت بين الجانبين عـقود تجارية كبيرة كما وأن الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية الاخرى قد تعهدت بتزويد العراق بالأسلحة اللازمة، وكذلك جرى الاتفاق وأبرمت عقود كثيرة فيما يتعلق بالنفط وأمتيازات استخراجه، وتمخضت تلك العلاقات أخيراً عن معاهدة الصداقة بين الطرفين، والتي تم التوقيع عليـها في نيسان سنة 1972،عند الزيارة التي قام بها (الكسي كوسجين) رئيس وزراء الاتحاد السوفياتي لبغداد.
مؤتمر الطلبة الكورد
كان من المعتاد أن تعقد جمعية الطلبة الكورد في اوروبا في صيف كل عام، مؤتمرها السنوي في أحدى الدول الاوروبية. وقد جـرت العادة في السنوات الاخيرة عقد المؤتمر في المانيا الشرقية أو الاتحادية وجيكوسلوفاكيا. وكانت الدول التي يعقد المؤتمر فيها تقوم بتهيئة السكن في أحدى الاقسام الداخلية للطلبة، وكذلك قاعة المؤتمر وبعض المصارف الاخرى كالمطاعم الخاصة بالطلبة وغيرها. وكان من المقرر عقد المؤتمر الاخير في صيف سنة 1971 في براغ، الا ان السلطات قد اعتذرت عن ذلك بمختلف الحجج، وأعتقد بأن السبب الرئيسي كان العلاقات الحسنة مع العراق. وقد جاء ذلك الاعتذار في وقت متأخر أي قبل حلول موسم الصيف بمدة قـليلة. وقد أبلغني المسؤولون عن الجمعية بهـذا الموضوع وكان سكرتيرها آنذاك طارق عقراوي. وبعد تفكير طويل استقر رأيي على مفاتحة السفير الروماني بذلك.
كانت العلاقات بين رومانيا والاتحاد السوفياتي وكذلك الدول الاشتراكية الاخرى غير حسنة، بالشكل الذي يريده الاتحاد السوفياتي. وكانت رومانيا في عهد رئيسها (تشاوتشيسكو) قد اتبعت سياسة شبه مستقلة وخرجت عن دائرة الفلك السوفياتي وأخذت تتقرب نحو الغرب، وبالرغم من دكـتــاتورية تشاوتشيسكو ونظامه، الا ان تلك السياسة كانت مقبولة أكثر من قبل الدول الديمقراطية من سياسات الإتحاد
السوفيتي وكتلته.
تناقشنا جوانب الموضوع مع السفير الروماني فرحب شخصياً بالفكرة ووعد بنقلها الى بوخارست للمسؤولين، ومضت اسابيع كثيرة دون حصولي على أية نتيجة وكنت على وشك نسيان الموضوع، وفكرت الجمعية في الحصول على مكان آخر أو تأجيل المؤتمر الى السنة المقبلة، فاذا بسكرتيرة السفارة تنقل لي خبر اتصال السفارة الرومانية وان السفير الروماني قد طلب تحديد موعد للقاء بي، فحددت له موعداً في اليوم التالي، واستقبلته في الموعد المحدد في دار السفارة ولما حضر وبعد تبادل كلمات الترحيب نقل لي ترحيب الحكومة الرومانية وشخص الرئيس تشاوتشيسكو بعقد المؤتمر المزمع لجمعية الطلبة الكورد في اوروبا، وابدى استعداد حكومته لتحمل جزء كبير من النفقات اللازمة وانها ستقوم بتهيئة الاماكن لأجل ذلك. عبرت عن شكري للسفـير وامـتناني للحكومة الرومانية على ذلك الموقف، وعبرت عن شكر القيادة الكوردية وشكري الشخصي للرئيس تشاوتشيسكو على ذلك الموقف، ثم ودعت السفير مشكوراً.

نقلت ذلك الخبر الى الجمعية عن طريق رئيسها طارق عقراوي، حيث كـان باعثاً لسروره وشكره، وقد تم فعلاً عقد المؤتمر في موعده في صيف سنة 1971 في بوخارست، وكان عدد المندوبين كبيراً وقد لقوا الترحيب من السلطات الرومانية التي ابدت لهم كل التسهـيـلات الممكنة واللازمة لإنجاح المؤتمر، الذي دام أسبوعاً أو أكثر وختم أعماله بكل نجاح. وتطورت تلك العلاقات أكثر بين رومانيا والجانب الكوردي، وقد التقيت شخصياً بالرئيس الروماني تشاوتشيسكو عند زيارته لبغداد في بداية سنة 1974، وتمكننا ان نتبادل حديثاً قصيراً خاصاً أوضح لي خلاله نوايا النظام العراقي في استناف القتال ضد الشعب الكوردي.
تأميم شركات النفط
يمتلك العراق ثروة نفطية هائلة جداً واحتياطياً كبيراً يعتبر الثاني في العالم، وتستخرج كمية كبيرة من هذا الانتاج وهذه الثروة من كوردستان، التي تعتبر حقولها من أقدم حقول المنطقة اطلاقاً. وذكرت سابقاً بأن الثلاث الاوائل من آبار النفط من حيث كمية انتاجها تقع في كوردستان، وأن أكبر بئر في العالم والذي يبلغ انتاجه اليـومي مائة الف برميل يقع في قرية (دربند ساره لو)، على الساحل الغربي من نهر الزاب الصغير في منطقة كنديناوه بمحافظة أربيل، والتي الحقت بلواء كركوك وجرى تعريبها مؤخراً كما أن البئرين الثاني والثالث في العالم من حيث كثرة الانتاج يقعان في محافظة كركوك، في حقلي بابا كركور وجمبور. ومما يؤسف له بأن هذا الانتاج الهائل وهذه الثروة الكبيرة قد اسيء استعمالها والاستفادة منها ومنذ سنة 1960 ،أي منذ عهد الجنرال عبدالكريم قاسم بدأت تلك المشاكل مع شركات النفط.
ولو كانت واردات النفط في اياد أمينة وصرفت لخدمة البلد وأعماره وخاصة في منتصف السبعينات من القرن الماضي، لكان العـراق يضـاهي الـبلدان الاوروبية ولكان من أكثر دول المنطقة تطوراً ،ولكن هذه الواردات مع الأسف الشديد قد استخدمت لتدمير البلد وكبت مشاعر الشعب وزج العراق وشعبه في حروب خاسرة أحرقت الزرع والضرع، وجعلته واحداً من بلدان العالم الثالث الفقيرة واعادته الى
القرون الوسطى.
عندما افلس نظام عبدالكريم قاسم مالياً، رجع الى شركات النفط لأجل الحصول على الأمـوال وزيادة حصة العراق من وارداته النفطية، الا ان شركات النفط حاولت ان تستغل ذلك بالضغط سياسياً على النظام، ولم تتجاوب مع تلك المطاليب بل ابدت كل التعنت في موقفهـا، اضطرت الحكومة العراقية الى سن القانون المرقم 80 لسنة 1960، والذي حدد مناطق الاستغلال وجعل جميع الاراضي غير المستغلة فعلياً خارج تصرف الشركات، وأسست شركة النفط الوطنية التي جعلت تلك الاراضي تحت سيطرتها. تلك كـانت ضربة كبـيرة بالنسبة للشركات وكانت أحد اسباب قيام انقلاب الثامن من شهر شباط سنة 1963 ،بعد مجىء البعث للحكم وكذلك اثناء حكم الاخويـن عـارف، هدأت العلاقات مع شركات النفط قليلاً وجمدت المطاليب السابقة
واصبحت الشركات تزاول اعمالها بصورة اعتيادية.
بعد مجيء البعث للحكم ثانيةً في انقلاب السابع عشر والثلاثين من تموز سنة 1968 ،وبعد مضي فترة على ذلك وبعد أن هدأ الوضع وأسـتقر النظام بدأت المشاكل تظهر
من جديد.
طموح النظام الجديد وكثرة التـفكير في المؤامرات والسيطرة على باقي النظام، جعلته في حاجة ماسة الى أموال وفيرة لصرفها من أجل تحقيق تلك الغاية، كما وأن الاسلوب الفردي والدكتاتوري والصرف دون خطة ودون الخضوع لأي نظام اقتصادي ومالي، اصابت خزينة الدولة بالفوضى وجعـل النظام في حاجة أكثر للمال. ولما كانت الثروة النفطية هي المصدر الرئيسي أو الوحيد لواردات الدولة، فقد انصرف تفكير النظام نحو الشركات مرة اخرى، لم يتمكن البعث من تحقيق مآربه بسهولة، فأخذ بالتقرب أكثر من الكتلة السوفياتية ولعب لعبة سياسية ماهرة في ذلك الوقت، وتطورت العلاقات التي تمخضت عن التوقيع على معاهدة الصداقة مع الاتحاد السوفياتي -كما ذكرت سابقاً- وتمكن الحكم، أو أعتقد بأنه قد تمكن من تأمين هذا الجانب والوقوف ضد المخاطر التي قد تواجهه عند المساس بشركات النفط، وبما ان الخلافات قد بدأت مع الجانب الكوردي، وقرر النظام القيام بجولة أخرى من القتال عاجلاً او آجلاً فقد ضمن حليفاً قوياً لذلك ايضاً. ان تلك المعاهدة مع الاتحاد السوفياتي ومن ثم تطور العلاقات بصورة عامة مع الكتلة الاشتراكية، كنتيجة طبيعية بعد التوقيع على هذه المعاهدة، وكذلك تقوية الجبهة الداخلية بكسب الحزب الشيوعي الذي اصبح حليفاً للنظام فيما بعد ولو بصورة مؤقتـة- كل ذلك جعلته أكثر غروراً وثقة بالنفس للأقدام على خطوات مستقبلية أخرى.
وبعد مداولات بسيطة مع الشركات وعدم التوصل الى أي اتفاق، اعلن النظام في الثاني من شهر حزيران سنة 1972 تأميم شركة نفط العراق، التي كانت مختصة بحقول كوردستان، وكان القسم الاكبر من حصتها تعود لبريطانيا. فجن جنون شركات النفط التي قاطعت شراء النفط العراقي، كما ان العراق لم يتمكن من تسويق انتاجه بالشكل المطلوب فحدثت ازمة اقتصادية لعدة أشهر، وأن الحكومة قد اعلنت حالة التقشف واستـقطعت نسباً معينة من رواتب جميع منتسبي الدولة، ولكن سرعان مازالت هذه الازمة بعد انتهاء السنة، ولم تتمكن الشركات من الصمود وأصبحت امنيتها فقط تأمين تدفق النفط ولو كان مؤمماً، ان الدول المستهلكة للنفط كانت تتعرض لضغوط كثيرة بغية زيادة الاسعار، ليس من العراق فحسب بل من أكثر دول المنطقة، وخاصة من قبل شاه ايران والملك السعودي الراحل فيصل بن
عبدالعزيز آل سعود.
كنت في براغ عندما صدر قرار التأميم الذي كان له صدى واسعاً، ولم تحرك الشركات والدول المالكة لها ساكناً ،بعكس ما ذهب اليـه النظام من انه سوف يتعرض
للهجوم او المؤامرات.
احتفلت السفارة شأنها شأن بقية السفارات ومؤسسات الدولة بتلك المناسبة، فبالأضافة الى الاحتفال الرسمي اقيم اجتماع كبير للجالية العراقية بمختلف اتجاهاتها، وفكرنا في تلك المناسبة في دعـوة شاعر العرب الأكبر (محمد مهدي الجواهري) للمساهمة في ذلك الاحتفال، وكان ذلك قبل اقامة الاحتفال بساعات، ولما حضر القى قصيـدة رائعة بالمناسبة اثارت دهشة وأعـجاب الحاضرين وقد قـوبل بالهـتافات والتصفيق، وبعد انتهاء الحفل بعث الملحق الثقافي عـامـر رشيد السامرائي، الذي كان قد ذهب شخصياً لنقل دعوة السفارة للجـواهري، بعث بالنص الكامل لرائعته الى وزارة
الإعلام ونشرت في اليوم التالي في الصحف المحلية في بغداد.
في الايام التالية تلقينا التهاني من افراد الجالية العراقية والسفارات المختلفة، ومن الحكومة الجيكوسلوفاكية، وانشغلنا باستقبال المهنئين واستلام البرقيات المعنونة الى
الرئيس العراقي احمد حسن البكر ابتهاجاً بالمناسبة.
استلمنا مع أول بريد دبلوماسي بعد عملية التأميم، تعليمات مفادها الاتصال بوزارة الخارجية الجيكوسلوفاكية لكسب تأييد حكومتها لتلك الخطوة، والحصول على المساعـدات المالية الممكنة، وكذلك محاولة العثور على سوق نفطي بعد تأميمه، وبعد
مقاطعة الشركات اثر عملية التأميم.
جرت الاتصالات بأسرع وقت ممكن وفي مقابلة مع وزير الخارجية ووزير التجارة الخارجية، وكذلك مع عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الجيكوسلوفاكي السيد (بيلاك)، والذي كان من أقوى الاعضاء وأكثرهم نفوذاً ،تمكنا من الحصول على بعض القروض وكذلك الوعد بشراء كمية من النفط العراقي وقد تم تنفيذ ذلك فعلاً، وكان يصحبني في تلك المقابلات مـستـشار السفارة السيد (عبدالقادر قلمجي) الذي كان من اصدقائي، اضافة الى كـونه الشخص الثاني في السفارة بعد السفير.