هل تصنع القسوةُ طالبًا مطيعًا أم إنسانًا خائفًا؟

تزرين يعقوب سولا

بحسب ابن خلدون أن الشدة في التعليم مدعاة للجبن والنفاق..

وهل يتحول النظام التعليمي الصارم، الذي يُفترض به هو صقل العقول وتقويم السلوك، إلى آلة نفسية تنتج شخصيات مهزومة ومثقلة بالرذائل الاجتماعية؟
يرى ابن خلدون مقاربته التربوية في أثر القسوة على التكوين النفسي للمتعلم، وبخاصة في مراحل الطفولة والتنشئة الأولى.
فهو يرى أن الإكراه الجسدي والنفسي أثناء التلقين يُفقد المتعلم نشاطه، ويدفعه إلى وسائل دفاعية مشوهة لحماية نفسه من العقاب.

والشدة المفرطة في التعليم تكسر طبيعة النفس وتُذهب انبساطها الفطري.
فالضغط المستمر والعنف والترهيب تزرع في المتعلم خوفا دائما، يدفعه إلى اختلاق الأعذار والمراوغة هربا من المواجهة. ومع مرور الوقت تتحول هذه الوسيلة الدفاعية إلى كذب ومكر ونفاق يصير خلقا راسخا، فيعتاد المتعلم إظهار الطاعة والخضوع علنا وتصنع المثالية، ويضمر العصيان والتمرد في الخفاء. وبهذا يغير القهر البنية الأخلاقية للإنسان، فينتقل من كائن حر ومسؤول إلى شخصية مزدوجة تبحث عن النجاة.

كما أن إلزام الطالب بكثرة الحفظ تحت وطأة الخوف يعيق الفهم والمحاورة، ويرى في اختصار الكتب المتعددة وحشو ذهن المتعلم بها إفسادا للعملية التعليمية.
لأن العقل يحتاج إلى قدر من الاسترخاء والتشويق ليستوعب المعارف المعقدة. ، وان تُلّقن المبادئ خطوة خطوة بحسب استعداد العقل وقدرته على الاستيعاب .
لأن الخوف يعطل هذا البناء التراكمي، فتصبح غاية المتعلم تفادي العقاب، ويتخلى عن فضول الاستكشاف والنقد.

ويؤكد ابن خلدون ضرورة تقسيم التعليم إلى مراحل تقوم على التكرار المدروس والتدرج المعرفي، تفاديا لقسوة التلقين. يبدأ التعليم بإعطاء الطالب إجمالا مبسطا للمادة يناسب استعداده، ثم يتوسع المربي في المرحلة الثانية بشرح أوفى يتناول الخلافات والمفاهيم، ويصل في المرحلة الثالثة إلى المسائل المعقدة والغامضة واستيفاء كلياتها. ويتطلب هذا البناء بيئة نفسية آمنة خالية من القهر، لأن الإغراق في التفاصيل الصعبة منذ البداية، أو استخدام الشدة لفرض الفهم السريع، يرهق العقل ويصيبه بالتبلد، وينتهي بالمتعلم إلى العزوف كليا عن التحصيل.

وكما يفسد الاستبداد السياسي أخلاق الرعية ويدفعها إلى المكر والخديعة والجبن، يفسد الاستبداد التربوي أخلاق المتعلمين. وتُخرّج السلطة التعليمية القاهرة أفرادا تنقصهم الشجاعة والاعتماد على النفس، ويعجزون عن الدفاع عن مجتمعهم في أوقات الأزمات، لأن الانكسار النفسي المبكر أضعف فيهم المبادرة والثقة.

وترى أطروحة ابن خلدون أن جودة التعليم تُقاس بمدى ملاءمة المنهج للطبيعة الإنسانية ومراعاته للتدرج الذهني، وأن الأخلاق السليمة والقدرة على الابتكار تنشآن في بيئة تحترم الفطرة وتعتمد المحاورة والمحاكاة.
وحيث لاتزال بعض الأنظمة التعليمية المعاصرة تمارس أشكالا خفية من القهر المعرفي تحد من نمو شخصية المتعلم.

المراجع :
[ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، ج1، تحقيق عبد الله محمد الدرويش، دار يعرب، 2004]

قد يعجبك ايضا
∧