الدكتور فهيل عبد الباسط عبد الكريم
لم تكن الجلسة التي دارت بين مدير المركز القيادي في الحزب الديمقراطي الكوردستاني ببغداد، هوشيار زيباري، والأمين العام لكتائب سيد الشهداء، أبوآلاء الولائي، في العاصمة العراقية يوم السبت الموافق 31 تشرين الأول 2026، مجرد لقاء بروتوكولي عادي، بل كان اجتماعاً ضم شخصية سياسية كوردية مرموقة إلى قيادي في جماعة مسلحة مؤثرة تابعة للحشد الشعبي، في فترة تتصاعد فيها الحوارات والمناقشات حول مسألة حصر السلاح بيد الدولة والاعتداءات التي استهدفت إقليم كوردستان والتباينات القائمة بين بغداد وأربيل. ووفقاً لبيان صادر عن مكتب الولائي، فإن الأخير استقبل زيباري في بغداد، وتناول معه العلاقات التاريخية التي تربط الطرفين والطرق الممكنة لتعزيزها وتطويرها فضلاً عن التعاون المشترك في مجالات متعددة. كما شمل اللقاء مناقشة قضايا ثنائية ومستجدات راهنة تهم الجانبين على حد سواء، مع التركيز على أهمية الحوار والتفاهم المتبادل كوسيلة لمعالجة المشاكل العالقة وتعزيز الاستقرار المشترك.
غير أن البيان لم يكشف عن ماهية تلك الخلافات (الإشكالات العالقة)، ولم يتحدث عن تفاهم سياسي أو أمني أو تدابير عملية للتنفيذ. ومن هنا تتجلى قيمة اللقاء في ما يحمله من إشارات وتوقيت، أكثر مما تكشف عنه حصيلته المعلنة، إذ يشق نافذة اتصال مباشرة بين طرفين تتشابك صلاتهما مع ملفات استقرار المنطقة ونفوذ الحكومة الاتحادية ومآلات الجماعات المسلحة. وتكتسب المقابلة طابعها المميز من مكانة زيباري داخل الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وموقع الولائي في قيادة كتائب سيد الشهداء. فالأول دبلوماسي عراقي-كوردي سابق شغل منصب وزير الخارجية، ويتولى اليوم الإشراف على المركز القيادي للحزب الديمقراطي الكوردستاني في بغداد، الأمر الذي يضعه في قلب إدارة قنوات التواصل مع القوى السياسية وأجهزة الدولة. وفي المقابل، يتزعم الولائي مجموعة مسلحة تنشط ضمن هيئة الحشد الشعبي، ويقترن اسمه بملفات التوازنات الأمنية الإقليمية والروابط مع الولايات المتحدة، الذي أُدرج على قوائم العقوبات الامريكية منذ نوفمبر 2023، إثر اتهامات طالت أنشطته وارتباطه بهجمات استهدفت القوات الأميركية. وتضفي هذه المعطيات على اللقاء أهمية خاصة وتجعله محط الأنظار، لكنها لا تقدم دليلا على أن هذه القضايا طُرحت خلال الاجتماع أو أن اتفاقات بشأنها جرى التوصل إليها.
ويضع هذا التوجه المقابلة في إطار دقيق: فالحزب الديمقراطي الكوردستاني يصر على حصر السلاح والقرار الأمني بيد الحكومة، لكنه يتيح مسارا للتواصل مع الولائي، وهو أحد زعماء الفصائل المشاركة في الحشد. ولا يعكس ذلك بالضرورة تعارضا، إذ قد يشكل الاتصال أداة لإيصال التحفظات وتهدئة الاحتقان بدلا من إنهاء التواصل أو اللجوء إلى التصعيد الإعلامي. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الاجتماع بوصفه محاولة لاختبار فرص الانتقال من تبادل الاتهامات بين الطرفين إلى التفاهم عبر شخصيات لديها منافذ تأثير ضمن أوساط سياسية وأمنية متباينة. غير أن ذلك لا يعد برهانا على أن الولائي التزم بوقف الهجمات أو أن زيباري عدل عن مواقف الحزب المتعلقة بحصر السلاح.
فيما يتعلق بالحزب الديمقراطي الكوردستاني، يمنح التواصل مع الولائي فرصة للتحدث مع جهة فاعلة داخل منظومة الفصائل، بينما تعتبر أربيل أن الاعتداءات على مطاراتها (في اربيل والسليمانية) ومرافقها الاستراتيجية تطال أمن الإقليم واقتصاده، وتلقي على عاتق الحكومة الاتحادية في بغداد مسؤولية الحيلولة دون توظيفها لتهديده مستقبلاً. كذلك فإن بقاء حالة التصعيد لا يصب في مصلحة صلات الحزب بالقوى السياسية في بغداد، ولا يساهم في تيسير معالجة القضايا المالية والإدارية. وبالنسبة إلى الولائي، فإن استقبال زيباري يوفر فرصة لإبراز الاستعداد للحوار مع القوى الكوردية في الاقليم، وتصوير الكتائب بوصفها جهة مستعدة للتعامل مع الخلافات الوطنية. غير أنه لا يمكن التأكيد على أن الاجتماع يشير إلى تغيير في موقف الفصيل تجاه السلاح أو طبيعة ارتباطه بالإقليم الكوردي، ما لم تعقب ذلك تصريحات أو خطوات عملية. ومن الجدير بالملاحظة أن البيان اعتمد عبارات فضفاضة من قبيل ”العلاقات التاريخية“ و ”التعاون المشترك“ و ”الإشكالات العالقة“، دون الإفصاح عن القضايا المعنية أو توضيح رؤية كل طرف بشأنها. ويمكن أن تمنح هذه اللغة مجالاً لمواصلة النقاش دون وضع الأطراف في موقف محرج أو الكشف عن تنازلات مسبقة، إلا أنها تبقي مخرجات اللقاء غير محسومة.
ولا تنفصل المشاورات السياسية بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والجهات المؤثرة في العاصمة الاتحادية عن النزاعات الأشمل بين السلطة المركزية في بغداد وسلطة إقليم كوردستان في أربيل، وأبرزها إدارة النفط والعوائد والميزانية ورواتب موظفي الإقليم، بالإضافة إلى الصلاحيات الدستورية والمناطق المتنازع عليها والتنسيق العسكري بين الجيش والبيشمركة. إذ من المؤكد، إن ملفات الطاقة والموازنة تطلب تفاهمات حكومية وقانونية، بينما يتطلب ملف الاعتداءات على الإقليم إجراءات أمنية وتحريات ومساءلة، ولا يمكن البت فيها عبر تفاهم حزبي فردي.
في الختام، يظهر اجتماع زيباري والولائي مسعى لتوسيع التشاور بين القوى الكوردية والأطراف داخل محيط الجماعات المسلحة، في زمن يرتفع فيه الاحتياج لخفض التوتر وإبعاد النزاعات عن الاشتباكات الأمنية. وتكمن أهميته في أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني، برغم تحفظاته على الاعتداءات وانتشار الأسلحة خارج الإطار الاتحادي، لم يغلق سبل التواصل مع قادة ذوي نفوذ. لكن اللقاء لا يؤكد حدوث مصالحة أو اتفاق، ولا يكشف تفاهما حول حصر السلاح أو تأمين الإقليم الكوردي. وسيتحدد وزنه بما إذا كان سيعقبه اتصال علني وإجراءات واضحة، كاتفاقات تمنع الاعتداءات أو دعم مسار حكومي يوحّد القرار الأمني. وبين نبرة الحوار في بيان الولائي والمواقف الكوردية الداعية لضبط الجماعات، يبقى اللقاء بداية مرتقبة لمسار اتصال لا خاتمة حاسمة. فنجاحه لن يُقيّم بتأكيد العلاقات التاريخية، بل بضمانات فعلية تخفف القلق المتبادل وتدعم سلطة المؤسسات الدستورية.