عزيز ملا هذال
حفظ الكرامة قيمة إنسانية مطلقة لا تتجزأ بين كبيروصغير، والاعتذار للطفل عند الخطأ بحقه ليسمجاملة عابرة أو إرضاءً لحظياً، بل استراتيجيةتربوية ونفسية متكاملة تصقل هويته وتؤصل لديهمفهوم العدالة. الأسرة هي البيئة الأولى التي يتشربفيها الابن القيم عبر الممارسة والقدوة العملية لاالمواعظ المجردة…
من اهم ما يجب حفظه للإنسان في الحياة بصورةعامة هي كرامة الانسان، وهذه القاعدة هي قاعدةمطلقة وليس فيها استثناء، فالصغير والكبير يحتاجالى حفظ الكرامة عبر عدة سلوكيات منها تقديمالاعتذار له عند الخطأ بحقه، ولأننا قلنا انها قيمةمطلقة فيجب حفظ كرامة الطفل وعدم اهانته وتجاهلهبداعي عدم فهمه او عدم معرفته للاعتذار، فماهيأهمية الاعتذار للطفل؟، ومن المسؤول عنها؟
الاسرة هي المسؤول الأول عن انماء غالبيةالسلوكيات الإنسانية التي راد لها ان تتشكل فيالانسان، فالأسرة تعد البيئة الأولى التي يتشكل فيهاالوعي الإنساني وتتحدد داخلها ملامح الشخصيةوسلوكها المستقبلي، وفي هذه البيئة لا يتعلم الطفلالمفاهيم الأخلاقية عبر المواعظ المجردة والتوجيهاتالشفهية المباشرة فحسب، بل يتشربها من خلالالممارسات اليومية والتفاعلات الوجدانية والسلوكيةالتي يراها لدى الوالدين والمربين.
ومما يجب الالتفات اليه ان اية سلوكية نحبذ ان تكونلدى أبنائنا يجب نغرسها في نفوس أبنائنا عبرممارستها معهم، فحين نريد منهم الاعتذار عندالخطأ يجب ان نتعذر لهم عندما نخطأ بحقهم، امااننا نرغمهم على سلوك ونحن لا نسلكه معهم فأنهميمتثلون خوفاً وكرهاً وحين يتمكنون من عدم الامتثالفأنهم يفعلون، ونتائج ذلك سيكون وخيماً لأنناسنصنع منهم متمردين وعصاة في المستقبل.
فالاعتذار للطفل ليس مجرد مجاملة عابرة أو إرضاءلحظي لتهدئة موقف طارئ، بل هو استراتيجيةتربوية ونفسية متكاملة تسهم في تشكيل الهويةالنفسية للأبناء، وتؤصل لديهم مفهوم الكرامة الذاتية،وتحدد طبيعة التفاعل الاجتماعي مع الآخرين فيالمستقبل وهذا هو الذي يجب العمل من اجله.
ماهي العائدات النفسية للاعتذار على بناء شخصيةالطفل؟
عندما يقدم الاعتذار للطفل فأن يحظى بالعديد منالتغيرات النفسية والتركيبية في أبعاد شخصيته،ومن اهم هذه العائدات مايلي:
أولى العائدات هي ترسيخ مفهوم التقدير الذاتوالكرامة لدى الطفل، اذ تتكون صورة الذات لدىالطفل بناءً على الانعكاسات التي يحصل عليها منمحيطه الاجتماعي القريب ولا سيما الوالدين،فعندما يعاني الطفل من الظلم ولا يعوض أو يعترفبحقه، يتولد لديه إحساس باضطراب القيمة الذاتية،وقد يقتنع داخلياً بأنه غير مستحق للاحترام، أو أنمشاعره غير مهمة.
أما عندما يعتذر له من قبل والديه ومحيطهالاجتماعي، فإن ذلك يوجه له رسالة نفسية هامةتخبره انه شخص مهم ومحترم وله كيان انساني لايمكن المساس به بأي شكل من الاشكال، وهذاالاعتراف يمنع الطفل من تطوير تشوهات فيالتفكير الذاتي أو الانزلاق نحو العجز المكتسبالناتج من الإحباط.
والعائد الثاني بحسب نظريات النمو الأخلاقي (مثلنظرية جان بياجيه ولورنس كولبرج) فأن الاعتذارللطفل يعمل على تحفيز النمو الأخلاقي ومفهومالعدالة لديه، حيث ينتقل الطفل من مرحلة الأخلاقالموضوعة من قبل السلطة إلى مرحلة الأخلاقالمستقلة والتبادلية، فحين يرى الطفل أن القانونالأخلاقي يطبق على الجميع بالتساوي الكباروالصغار على حد سواء سينمو لديه مفهوم أصيلللعدالة والإنصاف.
اما ثالث العائدات فيتمثل في ان الاعتذار للطفليسهم بناء الكفاءة الذاتية والشجاعة الأخلاقية فيجعل الاعتذار أداةً ذات أثر سلوكي بالغ، فالطفلالذي ينشأ في بيئة يعتذر فيها عند الوقوع في الخطأيطور شجاعة إنسانية مرتفعة للإقرار بأخطائه لاحقاًمن دون خوف مفرط من العقاب أو من الوصم، كمايتعلم أن الخطأ لا يعني نهاية العالم، ولا يعد وصمةدائمة، بل هو مجال للتصحيح والتعلم، الأمر الذييحد من ميل الطفل إلى الكذب أو إلى التهرب منتحمل المسؤولية حماية لخصوصيته الشخصية.
وختاماً نقول: إن ثقافة الاعتذار للطفل ليست سلوكاًهامشياً أو ترفاً تربوياً، بل هي ممارسة أخلاقيةوتطبيق عملي لقيمة الكرامة الإنسانية المطلقة، وحيننعتذر للطفل فأننا نخرج للمجتمع إنساناً متزناًشجاعاً في مواجهة خطئه، ومؤمناً بحرمة كرامةالآخرين وضرورة حفظها.