التعليم وحقوق الإنسان في مسار التطور المجتمعي

د. علاء شيال

لا يمكن أن نفهم حقوق الإنسان بمعزل عن التعليم، ولا أن نفهم التعليم بمعزل عن الحقوق. فهما توأمان لا يفترقان: التعليم هو الطريق الذي يعبر عليه الإنسان ليعرف حقوقه، والحقوق هي الإطار الذي يضمن أن يكون هذا التعليم متاحاً وآمناً وكريماً. وحين يلتقيان، لا نكون أمام مؤسسة تعليمية فقط، بل أمام مشروع حضاري كامل يصنع مواطناً واعياً ومجتمعاً متماسكاً. وحين يفترقان، يتحول التعليم إلى مجرد حفظٍ وتلقين، وتتحول الحقوق إلى نصوصٍ لا يعرفها الناس .

العلاقة بينهما علاقة تبادلية عميقة. فالتعليم حقٌّ أساسي نصت عليه المادة السادسة والعشرون من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكرّسته اتفاقية حقوق الطفل والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. لكنه في الوقت نفسه حقٌّ “مضاعف”، لأن مستوى الوصول إليه يحدد مستوى التمتع بجميع الحقوق الأخرى. فالطفل الذي يتعلم القراءة يستطيع أن يقرأ الدستور ويعرف حقوقه، والذي يتعلم الكتابة يستطيع أن يكتب شكواه، والذي يتعلم التفكير النقدي يستطيع أن يرفض الظلم. ولهذا فإن حرمان أي طفل من التعليم ليس حرماناً من معرفة فقط، بل هو إغلاق لباب كل الحقوق الأخرى أمامه .

وقد تطوّر مفهوم التعليم عبر عقود طويلة من كونه امتيازاً لطبقةٍ أو فئة، إلى حقٍّ عالمي غير قابل للتصرف. ففي القرن التاسع عشر، كان التعليم في كثير من المجتمعات حكراً على النخب والأغنياء، بينما بقي الفقراء والفتيات والأقليات خارج أسوار المدرسة. ثم جاء القرن العشرون ليشهد تحولاً جذرياً: تعميم التعليم الابتدائي، ومحو الأمية، وإقرار مجانية التعليم في كثير من الدول. وفي عام 1990، عُقد مؤتمر “التعليم للجميع” في جومتين، ثم جاءت أهداف الألفية للتنمية، وأخيراً أهداف التنمية المستدامة لعام 2030، التي خصصت هدفاً كاملاً للتعليم الجيد والشامل والعادل. وهكذا انتقل التعليم من رفاهية إلى التزام دولي، ومن شأنٍ خاص إلى مسؤولية جماعية .

لكن التطور لم يتوقف عند حدود الكم. فقد توسّع مفهوم التعليم ليشمل الجودة والشمول والملاءمة. فلم يعد السؤال “كم طفلاً يذهب إلى المدرسة؟” بل “ماذا يتعلم؟ وهل يتعلم في بيئة آمنة؟ وهل يشعر فيه بالكرامة؟” وبرز مفهوم التعليم الشامل الذي يستوعب الأطفال ذوي الإعاقة، والمهمشين، واللاجئين، والفتيات المحرومات. وبرز أيضاً مفهوم التعليم مدى الحياة، لأن الحق في التعليم لا يتوقف عند سنٍّ معينة. وفي العصر الرقمي، اتسع النقاش ليشمل الحق في الإلمام الرقمي، والوصول إلى الإنترنت، وحماية الأطفال من مخاطر الفضاء الإلكتروني، مما أضاف أبعاداً جديدة للعلاقة بين التعليم والحقوق .

وآثار هذا الترابط على المجتمع هائلة. فالتعليم الجيد القائم على حقوق الإنسان يقلل الفقر، لأن المتعلم يجد عملاً أفضل ويستطيع أن يرفع مستوى معيشته. ويحسّن الصحة، لأن المتعلم يعرف كيف يحمي نفسه وأسرته من الأمراض. ويعزز المساواة بين الجنسين، لأن الفتاة المتعلمة تتزوج في سنٍّ أكبر، وتنجب أطفالاً أقل عرضةً للوفاة، وتشارك في سوق العمل. ويقوّي المشاركة المدنية، لأن المتعلم أقدر على التصويت والمساءلة والمطالبة بالحقوق. ويقلل الجريمة والتطرف، لأن الشباب المتعلم يجد بدائل عن العنف. ويبني السلام، لأن التعليم الذي يعلّم التسامح واحترام الاختلاف يمنع نشوب النزاعات. وكل هذه الآثار ليست منفصلة، بل متسلسلة: تعليم أفضل يعني مجتمعاً أكثر عدلاً، ومجتمعاً أكثر عدلاً يعني تعليماً أفضل .

لكن هذا الترابط لا يتحقق تلقائياً. فالتعليم الذي لا يحترم حقوق الإنسان في ممارساته اليومية قد يكون أداةً لترسيخ الظلم بدلاً من مقاومته. فالمدرسة التي تعتمد العقاب البدني، أو التمييز بين الطلاب، أو المناهج التي تكرّس الصور النمطية، أو التي تمنع الطلاب من السؤال والاعتراض، إنما تعلّم الطالب درساً خطيراً: أن القوة تعلو على الحق. ولهذا فإن التعليم الذي يخدم حقوق الإنسان هو التعليم الذي يحترم كرامة الطالب، ويشجع تفكيره النقدي، ويضمن مشاركته، ويحترم تنوعه، ويجعل من الفصل الدراسي مساحةً آمنة للاختلاف. وحين تتحقق هذه الشروط، يصبح التعليم مدرسةً للديمقراطية قبل أن يكون مصنعاً للشهادات .

حقوق الإنسان والتعليم وجهان لحقيقة واحدة: أن كل إنسان يستحق أن يعرف حقوقه، وأن يملك الأدوات للدفاع عنها. وحين يترابط الاثنان، لا نبني نظاماً تعليمياً أفضل فقط، بل نبني مجتمعاً يعرف قيمة الكرامة، ويؤمن بأن الحرية تبدأ بمعرفة الحقوق، وأن العدالة تبدأ من الفصل الدراسي. والتعليم حين يصبح حقاً مضموناً للجميع، ويُمارس بطريقة تحترم الحقوق، فإنه لا يخرّج طلاباً متعلمين فحسب، بل يخرّج مواطنين يعرفون أن الكرامة ليست منحة، بل حقٌّ يستحق الحياة .

قد يعجبك ايضا
∧