عندما تفتننا البلاغة بالقبح: قراءة ثقافية في كتاب«جماليات القبح في الشعر العربي» للدكتورة سرى ظافر سلمان

د. زيد محمد كاظم

ليس كل ما يثير الإعجاب جميلاً في جوهره، وليس كل ما يستميل الذائقة يستحق الاحتفاء به أخلاقياً. فقد يحدث أن نقف أمام قصيدة تأسرنا بإيقاعها، وتدهشنا بصورها، وتستدرجنا بلاغتها إلى أقصى درجات الانفعال، بينما تختبئ بين أبياتها أفكار تحتفي بالعنف، أو تمجّد الاستعلاء، أو تنتقص من الآخر، أو تختزل المرأة في صورة نمطية لا ترى فيها سوى موضوع للرغبة أو أداة لإثبات فحولة الشاعر. وهنا تحديداً تتجلى المفارقة التي تجعل من قراءة التراث الشعري العربي أكثر من مجرد استعادة لجماليات اللغة والصورة؛ إنها مساءلة لما تحمله هذه الجماليات من قيم وأنساق ثقافية. ومن هذه المنطقة الشائكة، حيث يتجاور الإبداع الفني مع القبح القيمي، تنطلق الدكتورة سرى ظافر سلمان في كتابها «جماليات القبح في الشعر العربي: رؤية ثقافية»، الصادر عن دار كنوز المعرفة العلمية، لتضع القارئ أمام سؤال نقدي يتجاوز حدود المفاضلة بين الجميل والقبيح: هل تستطيع البلاغة أن تمنح القبح شرعية جمالية؟ وهل يمكن للمتلقي أن يُفتن بطريقة التعبير إلى الحد الذي يجعله يغفل عما تنطوي عليه الرسالة من مضامين إقصائية أو عنيفة؟ وأهمية هذا السؤال لا تكمن في محاكمة الشعراء أو إصدار أحكام أخلاقية على نتاجهم، بقدر ما تكمن في الكشف عن العلاقة المعقدة بين سلطة اللغة وسلطة الثقافة، وبين ما يقوله النص وما يضمره، وبين جمال الصورة وما قد تختزنه من تصورات اجتماعية وأيديولوجية.
من قبح الأشياء إلى جماليات التعبير
لا يمكن فهم جماليات القبح بوصفها مفهوماً نقدياً من دون العودة إلى الجذور الفلسفية التي أعادت الاعتبار إلى القبح باعتباره موضوعاً جمالياً مستقلاً، لا مجرد نقيض للجمال أو غياب له. ففي التصور التقليدي، ظل الجمال مرتبطاً بالتناسق والانسجام والتناسب، بينما أُحيل القبح إلى التشويه والنفور والاختلال. غير أن التحولات الفلسفية في علم الجمال دفعت إلى إعادة النظر في هذه الثنائية، وأصبح القبيح قابلاً لأن يكون مادة للإبداع، بل إن حضوره في العمل الفني قد ينتج أثراً جمالياً لا يقل قوة عن أثر الجمال التقليدي. وفي هذا السياق تبرز أطروحات الفيلسوف الألماني كارل روزنكرانتس في كتابه «جماليات القبيح»، إذ حاول أن يمنح القبح موقعاً داخل التفكير الجمالي، وأن يدرس أشكاله وتجلياته وعلاقته بالفن. كما أسهمت كتابات وولتر ستيس، ثم أعمال أومبرتو إيكو، ولا سيما كتابه «تاريخ القبح»، في توسيع أفق النظر إلى القبح بوصفه ظاهرة تتغير دلالاتها تبعاً للثقافة والعصر والسياق الاجتماعي. ولعل المثال الأوضح على ذلك أن صورة الموت، وهي من أكثر الصور إثارة للنفور في الحياة الواقعية، يمكن أن تتحول في العمل الأدبي إلى مشهد بالغ التأثير والجمال الفني. فالشاعر لا يجعل الموت جميلاً في حقيقته، لكنه يمنحه صياغة لغوية تجعل المتلقي يتأمل فداحته ويتفاعل مع دلالاته. وينبغي التمييز بين مستويين: القبح بوصفه موضوعاً فنياً، والقبح بوصفه نسقاً قيمياً يجري تمريره داخل النص. فليس كل تصوير للعنف احتفاءً به، وليس كل تناول للتمييز تبريراً له؛ إنما تكمن المسألة في الطريقة التي يبني بها الخطاب الشعري موقفه من هذه الظواهر، وفي الكيفية التي يحول بها بعض الممارسات المرفوضة إلى قيم تستحق الإعجاب.
المباغتة الجمالية: حين تتقدم البلاغة ويتراجع الوعي النقدي
من المفاهيم التي تمنح هذه القراءة خصوصيتها مفهوم «المباغتة الجمالية»، الذي يفتح باباً مهماً لفهم العلاقة بين التأثير البلاغي والقبول الثقافي. فالقصيدة لا تصل إلى المتلقي من خلال المعنى المجرد وحده، وإنما تتوسل بالإيقاع والوزن والقافية والاستعارة والكناية والمبالغة والتشبيه، لتصنع حالة من الانجذاب الفني قد تسبق التفكير في مضمون الخطاب. فالشاعر المتمكن لا يقدم فكرته دائماً في صورة تقريرية مباشرة، بل يكسوها بثوب بلاغي يجعلها أكثر قدرة على النفاذ إلى الوجدان. وقد يحدث أن يتلقى القارئ صورة شعرية تحتفي بالقوة المفرطة أو الانتقام أو إلغاء الآخر، فينجذب إلى براعة تشكيلها قبل أن ينتبه إلى طبيعة القيمة التي تحملها.
ولنتأمل، على سبيل المثال، قول عنترة بن شداد: «ولقد ذكرتك والرماح نواهلٌ مني وبيض الهند تقطر من دمي» فإننا أمام صورة شعرية تتداخل فيها العاطفة مع مشهد الحرب، ويصبح الحب حاضراً في لحظة الخطر والمواجهة. وقد اكتسب البيت جماله من المفارقة بين رقة الوجدان وقسوة الميدان، ومن قدرة الشاعر على تحويل مشهد الدم والسيوف إلى صورة وجدانية آسرة. لكن هذه الصورة، في الوقت نفسه، تفتح أمام الناقد سؤالاً عن العلاقة بين البطولة والعنف في المخيال الشعري العربي، وكيف أصبح القتال جزءاً من بناء صورة الفارس ومكانته الاجتماعية.
وهذا لا يعني أن عنترة كان يدعو إلى العنف في كل ما قاله، بل يعني أن النص الشعري يستطيع أن يجعل العنف جزءاً من منظومة رمزية تحتفي بالشجاعة والمجد، الأمر الذي يستدعي قراءة تتجاوز الإعجاب الفني إلى مساءلة القيم التي تنتظم الصورة. فالمباغتة الجمالية، بهذا المعنى، ليست اتهاماً للمتلقي بالسذاجة، وإنما تنبيه إلى أن الجمال الفني يمتلك قدرة على توجيه الاستجابة العاطفية، وأن الوعي النقدي ينبغي ألا يتوقف عند حدود الانبهار.
الفحولة الشعرية وتضخم الذات: حين يصبح الآخر هامشاً
من أبرز الأنساق الثقافية التي تستحق التأمل في الموروث الشعري العربي نسق الفحولة، الذي لم يقتصر على التعبير عن القوة الجسدية أو الشجاعة، بل امتد في بعض تجلياته إلى تضخيم الذات، وإعلاء شأن القبيلة، وتهميش الآخر، وتحويل التفوق الفردي إلى معيار للحكم على الآخرين. ويقدم شعر الفخر نماذج واضحة لهذا الاتجاه، ومن أشهرها قول عمرو بن كلثوم:
«ألا لا يجهلن أحدٌ علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا»
يستمد البيت قوته من الإيقاع الحماسي والمقابلة البلاغية والتصعيد في المعنى، لكنه يكشف أيضاً عن ثقافة تجعل الرد على العدوان تجاوزاً له، وتمنح القوة المتبادلة موقعاً مركزياً في تحديد العلاقات بين الجماعات. إن جمال البيت لا يمنعنا من مساءلة منطقه الثقافي؛ فثمة فرق بين الاعتزاز بالذات والدفاع عن الكرامة من جهة، وبين تحويل القوة إلى وسيلة لإلغاء الآخر من جهة ثانية. ولا يبدو الفخر مجرد غرض شعري تقليدي، بل يتحول أحياناً إلى خطاب يصنع صورة الذات المتعالية، ويعيد إنتاج ثنائية السيد والتابع، المنتصر والمهزوم، القوي والضعيف. وهنا تتجلى مهمة النقد الثقافي في البحث عن المضمرات التي لا تظهر في سطح النص، لكنها تسهم في تشكيل رؤيته للعالم.
العنف والتمييز: من قسوة الواقع إلى بطولة القصيدة
لعل من أكثر القضايا إشكالية في قراءة الشعر العربي القديم الطريقة التي ارتبط بها العنف أحياناً بمفاهيم المجد والبطولة والكرامة القبلية. فقد كانت الحرب في كثير من السياقات التاريخية جزءاً من البنية الاجتماعية والسياسية، وانعكس ذلك في الشعر الذي وثّق المعارك، وخلّد الانتصارات، ورثى القتلى، واحتفى بالفروسية. وغير أن النقد الثقافي لا يكتفي بتسجيل هذه الوظائف التاريخية، بل يتساءل عن الكيفية التي تحولت بها بعض مظاهر العنف إلى علامات للفخر والتميز. فحين يصف الشاعر كثرة القتلى، أو يفاخر بسحق الخصم، أو يجعل من الانتقام دليلاً على علو المكانة، فإننا لا نقرأ صورة حربية فحسب، وإنما نواجه خطاباً ثقافياً يعيد تعريف البطولة من خلال القدرة على الإخضاع والغلبة. ويظهر ذلك في شعر الحماسة الذي يربط المجد بإراقة الدماء، وفي الهجاء الذي لا يكتفي بانتقاد الخصم، بل قد ينحدر إلى الانتقاص من أصله أو طبقته أو انتمائه. وهنا يتحول الاختلاف من حقيقة إنسانية إلى مادة للتفاضل والإقصاء. وليس المقصود من هذه القراءة أن نحاكم الشعراء بمعايير عصرنا وحدها، أو أن نتجاهل الظروف التاريخية التي أنتجت نصوصهم، وإنما أن نقرأ التراث على مستويين متكاملين: مستوى يفسر النص في سياقه التاريخي، ومستوى يكشف ما يمكن أن يستمر فيه من أنساق ثقافية حتى بعد زوال ذلك السياق. فالنص قد يكون وثيقة فنية وتاريخية في آن واحد، وقد يحمل من جماليات التعبير ما يجعله خالداً، ومن المضامين ما يستوجب إعادة النظر والمساءلة.
المرأة في مرآة القصيدة: من الذات الإنسانية إلى الموضوع الشعري
تحتل صورة المرأة موقعاً بالغ الأهمية في هذا النوع من القراءات، لأنها تكشف عن طبيعة العلاقة بين الخطاب الشعري والبنية الاجتماعية التي أنتجته. فالمرأة في جانب من الشعر العربي القديم تظهر موضوعاً للغزل والوصف، لكنها لا تظهر دائماً بوصفها ذاتاً مستقلة تمتلك صوتها وإرادتها وتجربتها الإنسانية. وتتحول في بعض النصوص إلى مجموعة من الصفات الجسدية، أو إلى علامة على رغبة الرجل، أو إلى وسيلة لإظهار قدرته على الحب والوصف والامتلاك. وهنا يصبح السؤال النقدي أكثر عمقاً: هل يتحدث الشاعر عن المرأة بوصفها إنساناً، أم يصوغ صورتها بما يتوافق مع تصوره الذكوري عنها؟
ولعل قول امرئ القيس: «أفاطمُ مهلاً بعض هذا التدللِ وإن كنتِ قد أزمعتِ صرمي فأجملي»
يتيح لنا قراءة العلاقة بين العاطفة والسلطة داخل الخطاب الغزلي. فالشاعر يخاطب المرأة مستدعياً التدلل والعتاب، ويبدو في ظاهر النص عاشقاً يستجدي الوصل، لكن القراءة الثقافية تستطيع أن تتوقف عند طبيعة الصورة التي يرسمها للمرأة، وعند حضورها داخل تجربة الشاعر بوصفها طرفاً في علاقة تتحدد ملامحها من خلال رغبته وانتظاره.
ولا يعني ذلك أن كل غزل عربي قديم يقوم على تهميش المرأة، فثمة نصوص منحتها حضوراً وجدانياً عميقاً، كما أن التراث الشعري يضم نماذج نسائية عبّرت عن ذاتها وتجربتها وصوتها. لكن المقصود هو الكشف عن الصور النمطية التي جعلت المرأة في بعض الخطابات موضوعاً للنظر والوصف، أكثر منها ذاتاً مشاركة في إنتاج المعنى. فالنقد الثقافي هنا لا يسعى إلى إلغاء الغزل أو تجريده من قيمته الفنية، بل إلى تحرير القراءة من الاكتفاء بجمال الصورة، والانتقال إلى مساءلة من يمتلك سلطة الكلام، ومن يقع عليه فعل الوصف، ومن يحدد ملامح الصورة الشعرية.
التراث بين الإعجاب والمساءلة: هل نعيد قراءة ما اعتدنا الاحتفاء به؟
إن القيمة المعرفية لمثل هذه المقاربة لا تتوقف عند اكتشاف الأنساق المضمرة في النصوص، وإنما تمتد إلى إعادة النظر في علاقتنا بالتراث الأدبي ذاته. فقد اعتدنا في كثير من القراءات المدرسية والذوقية أن نتعامل مع القصيدة من خلال بلاغتها ووزنها وصورها، وأن نقيس قيمتها بقدرتها على إثارة الإعجاب والانفعال. لكن هذا المسار، على أهميته، لا يكفي وحده لفهم الأبعاد الثقافية والاجتماعية التي تحملها اللغة. فقد يكون النص بالغ الجمال من الناحية الفنية، لكنه يعكس تصوراً طبقياً أو عرقياً أو ذكورياً، وقد يكون الشاعر مبدعاً في تشكيل الصورة، لكنه يعيد إنتاج قيم لا تنسجم مع الوعي الإنساني المعاصر. وتظهر ضرورة التمييز بين الإعجاب بالصياغة والموافقة على المضمون. فمن حقنا أن نعجب ببلاغة شاعر، وأن نتأمل عبقرية استعاراته، وأن نحتفي بموسيقاه الشعرية، من دون أن نكون ملزمين بتبني كل ما يتضمنه خطابه من قيم أو تصورات. وهذه المسافة النقدية هي التي تمنح القارئ استقلاله، وتجعله قادراً على الاستمتاع بالنص من دون أن يتحول إلى متلقٍ سلبي لكل ما يمرره من أفكار.
الجمال لا يعفي النص من المساءلة
إن كتاب «جماليات القبح في الشعر العربي: رؤية ثقافية» للدكتورة سرى ظافر سلمان يفتح نافذة مهمة على منطقة قلّما تحظى بالاهتمام الكافي في التعامل مع الموروث الشعري؛ منطقة التداخل بين الجمال الفني والنسق الثقافي، وبين فتنة البلاغة وما قد تخفيه من قيم ومضامين.
فالقبح ليس دائماً نقيضاً للجمال في العمل الأدبي، كما أن الجمال ليس بالضرورة دليلاً على سلامة المضمون. وقد تكون القصيدة جميلة في بنائها، آسرة في إيقاعها، مدهشة في صورها، لكنها تظل قابلة للمساءلة فيما تنتجه من تصورات عن الإنسان والمرأة والآخر والمجتمع. ولعل الدرس الأهم الذي تضعه هذه القراءة أمامنا هو أن التراث لا يُصان بتقديسه، ولا يُفهم بإدانته، وإنما يُقرأ بوعي يوازن بين التقدير النقدي والجرأة المعرفية. فليس من الإنصاف أن نختزل القصيدة في نسقها الثقافي، كما ليس من الوعي أن نختزلها في جمالياتها البلاغية وحدها. وإننا بحاجة إلى قارئ يستطيع أن يرى جمال الصورة، لكنه لا يغفل ما وراءها؛ وأن يتذوق موسيقى القصيدة، لكنه لا يسمح للإيقاع أن يعطل مساءلته؛ وأن يحتفي بعبقرية الشاعر، من دون أن يمنح أفكاره حصانة من النقد. فربما لا تكون المشكلة في أن البلاغة تجمّل القبيح، بل في أن المتلقي قد ينسى، تحت تأثير جمال البلاغة، أن يسأل عن حقيقة ما يراه جميلاً. وتتجلى قيمة النقد الثقافي: أن يعلمنا كيف نقرأ ما تقوله القصيدة، وكيف نكتشف ما تسكت عنه، وأن ندرك أن وراء كل صورة شعرية عالماً من القيم والتصورات يستحق التأمل والمساءلة.

قد يعجبك ايضا
∧