حسن العاصي
حين يغادر التاريخ مركزه الغربي: العالم على أعتاب عصر ما بعد الهيمنة
قراءة أنثروبولوجية في أفول المركزية الغربية وصعود التعددية الحضارية وإعادة تشكيل النظام العالمي
لم يحدث في التاريخ أن توقف العالم عن الدوران حول مركزه المتخيَّل إلا بعد أن يكتشف، متأخراً، أن ذلك المركز لم يكن سوى سردية مؤقتة فرضتها موازين القوة. فالإمبراطوريات، منذ فجر الحضارات، لم تكتفِ بالسيطرة على الأرض، بل سعت دائماً إلى احتلال المخيلة الإنسانية ذاتها، كي يبدو حضورها قدراً أزلياً لا مرحلة عابرة في مسار التاريخ. هكذا اعتقد الرومان أن روما هي العالم، وظن الصينيون أن الإمبراطورية الوسطى هي مركز الكون، ثم جاءت أوروبا الحديثة لتنسج حول نفسها أسطورة المركز الكوني الجديد، قبل أن تتسلم الولايات المتحدة الراية عقب الحرب العالمية الثانية، فتتشكل منظومة دولية بدا معها الغرب ليس مجرد قوة مهيمنة، بل مرجعاً وحيداً لتعريف التقدم، والحداثة، والتنمية، والعقلانية.
غير أن التاريخ، في جوهره الأنثروبولوجي العميق، لا يعترف بالمراكز الثابتة. فالمجتمعات البشرية تشبه الأنهار أكثر مما تشبه الصخور؛ تبدو مستقرة على السطح، بينما تتحرك في الأعماق باستمرار. وما نشهده اليوم ليس مجرد انتقال في الثقل الاقتصادي أو العسكري من الغرب إلى الشرق، ولا مجرد صعود قوى جديدة مثل الصين والهند والبرازيل وتركيا ودول الخليج، بل تحوّل أعمق وأبعد أثراً: إنه إعادة توزيع للمعنى نفسه، وإعادة تفاوض كبرى على من يملك الحق في تفسير العالم وتحديد مستقبله.
إن العالم المعاصر يعيش لحظة نادرة من لحظات “تفكك المركز”. فالشعوب التي أمضت قروناً طويلة وهي تتلقى الأفكار والنماذج والتصورات القادمة من العواصم الغربية بدأت تستعيد ثقتها بسردياتهاالخاصة، وذاكرتها الثقافية الخاصة، وطرقها المختلفة في رؤية الإنسان والمجتمع والدولة. وما يبدو في الظاهر صراعاً جيوسياسياً بين قوى دولية متنافسة، ليس في جوهره سوى صراع بين رؤى متباينة للحياة ذاتها. فالصين لا تقدّم نفسها بوصفها وريثة الغرب، بل بوصفها امتداداً لحضارة عمرها آلاف السنين. والهند لا تصعد كدولة قومية فحسب، بل كفضاء حضاري ضخم يستعيد حضوره التاريخي. أما العالم العربي والإسلامي، رغم أزماته العديدة، فيعيش بدوره مخاضاً فكرياً وهوياتياً يعكس رغبة عميقة في التحرر من موقع التابع داخل النظام الدولي.
ولعل أكثر ما يميز اللحظة الراهنة أن التغيير لا يحدث عبر الحروب وحدها، كما جرت العادة في التحولات التاريخية الكبرى، بل عبر التكنولوجيا، والتجارة، وشبكات المال، والطاقة، والمعرفة. فمنصات التواصل أعادت توزيع القدرة على إنتاج الرواية. والاقتصادات الناشئة أعادت رسم خرائط النفوذ. والممرات التجارية الجديدة بدأت تنافس الطرق التي شيدتها الإمبراطوريات البحرية الغربية قبل قرون. حتى اللغة التي تصف العالم لم تعد حكراً على مراكز البحث الغربية، بعدما تحولت المعرفة نفسها إلى فضاء متعدد الأقطاب.
إننا، للمرة الأولى منذ خمسة قرون تقريباً، أمام عالم يتشكل خارج الإرادة الغربية المنفردة. عالم لا تُكتب قواعده كاملة في واشنطن أو بروكسل أو لندن، بل تشارك في صياغتها عواصم تمتد من بكين إلى نيودلهي، ومن الرياض إلى جاكرتا، ومن برازيليا إلى جوهانسبرغ. وكلما اتسعت هذه المشاركة، تراجع الوهم القديم الذي اختزل البشرية في نموذج حضاري واحد، وبرزت حقيقة أن التاريخ البشري أكثر تنوعاً وتعقيداً مما أرادت سرديات الهيمنة أن تقنعنا به.
وربما لا تكمن أهمية هذا التحول في تبدل أسماء القوى الكبرى بقدر ما تكمن في انهيار الفكرة نفسها التي حكمت العصر الحديث: فكرة المركز الواحد الذي يملك تعريف الحقيقة والتقدم ومستقبل الإنسانية. فالعالم الجديد الذي يولد اليوم ليس شرقياً بالكامل ولا غربياً بالكامل، وإنما عالم تتجاور فيه حضارات متعددة، وتتقاطع فيه نماذج مختلفة للتنمية والسلطة والثقافة. إنه عالم يعود فيه التاريخ إلى حالته الطبيعية: فضاءً مفتوحاً للتعدد، لا مسرحاً يحتكره ممثل واحد مهما بلغت قوته.
وفي هذا المعنى تحديداً، قد لا يكون ما نشهده أفول الغرب بقدر ما هو نهاية عصر الاحتكار الغربي للعالم، وبداية مرحلة تدخل فيها البشرية زمناً جديداً من التعدد الحضاري، حيث لم يعد السؤال: من سيقود العالم؟ بل أي عالم سيتشكل عندما تتحدث الحضارات كلها بصوتها الخاص بعد قرون من الصمت.
أفول المركز الغربي وصعود التعددية الحضارية
حين نتأمل التاريخ الإنساني على امتداده الطويل، نكتشف أن ما يبدو لنا اليوم طبيعياً لم يكن في الحقيقة سوى استثناء تاريخي عابر. فسيطرة الغرب على العالم، التي تبدو في الوعي المعاصر وكأنها حقيقة أزلية، لا تمثل إلا فصلاً قصيراً نسبياً في كتاب الحضارة البشرية. قبل أوروبا بزمن طويل، كانت طرق الحرير تعبر قلب آسيا، وكانت بغداد والقاهرة وقرطبة مراكز للعلم والمعرفة، وكانت الصين والهند تستحوذان على جزء كبير من الإنتاج الاقتصادي العالمي. غير أن التحولات الكبرى التي رافقت عصر الاكتشافات الجغرافية ثم الثورة الصناعية أتاحت لأوروبا أن تنتقل من هامش التاريخ إلى مركزه، وأن تفرض على العالم ليس فقط تفوقها العسكري، بل أيضاً تصورها الخاص للإنسان والتقدم والمجتمع.
لم تكن الهيمنة الغربية مجرد ظاهرة سياسية أو اقتصادية، بل كانت قبل كل شيء ظاهرة ثقافية وأنثروبولوجية. لقد نجح الغرب في إقناع شعوب الأرض بأن مساره التاريخي الخاص هو المسار الطبيعي الوحيد الذي ينبغي أن تسلكه البشرية جمعاء. وهكذا تحولت التجربة الأوروبية إلى معيار كوني، وأصبح الآخرون يُقاسون بمدى اقترابهم أو ابتعادهم عن النموذج الغربي. لم تعد أوروبا مجرد جغرافيا، بل تحولت إلى مرجعية فكرية تحدد ما هو متقدم وما هو متخلف، وما هو عقلاني وما هو تقليدي، وما هو حديث وما هو بدائي.
ومن هنا نشأت فكرة “المركز” التي هيمنَت على العلاقات الدولية طوال القرنين الماضيين. فقد بدا العالم وكأنه يدور في فلك عواصم محددة تُنتَج فيها المعرفة، وتُصاغ فيها المفاهيم، وتُرسم فيها الخرائط السياسية والاقتصادية للكوكب. أما بقية الأمم، فغالباً ما وُضعت في موقع المتلقي أو التابع أو الساعي إلى اللحاق بالركب. ولم يكن هذا الترتيب مجرد انعكاس لفوارق القوة، بل كان نتيجة بناء سردية متكاملة جعلت الهيمنة تبدو قدراً تاريخياً لا يمكن تجاوزه.
لكن ما يحدث اليوم يشير إلى أن هذا المركز لم يعد يتمتع باليقين نفسه الذي امتلكه في العقود السابقة. فالتحولات الاقتصادية الكبرى أخذت تنقل الثقل العالمي نحو مناطق أخرى، بينما بدأت قوى صاعدة تمتلك القدرة على إنتاج بدائلها الخاصة. والأهم من ذلك أن شعوباً كثيرة لم تعد تنظر إلى الغرب بوصفه النموذج الوحيد الممكن للمستقبل. لقد تراجعت السلطة الرمزية التي كانت تمنح المركز الغربي قدرته على تعريف العالم، تماماً كما تتراجع سلطة الإمبراطوريات عندما تفقد قدرتها على إقناع الآخرين بشرعية تفوقها.