د. أميمة منير جادو
الفصل الأول
وجهٌ استوقف المصادفة
غاليتي أماني،
لقد وعدتُكِ يومًا أن أكتب عنكِ، وأذكر أنني قلتُها لكِ بعفوية من لا يدرك تمامًا ما الذي يوشك أن يتعهّد به: سأكتب عنكِ يومًا، عن كل ما هو جميل فيكِ؛ عن أخلاقكِ، وكرمكِ، وكفاحكِ، وخفة روحكِ، وعن ذلك الصفاء الذي ينساب في تعاملكِ مع الناس، كأنكِ لم تتعلمي المحبة من الكتب، بل حملتِها في قلبكِ منذ البداية.
لم أكن أعلم يومها أن الوفاء بهذا الوعد سيكون أصعب مما ظننت. فكيف أكتب عن إنسانة لم أبحث عنها، ولم أرتب للقاء بها، ولم أعرف عنها شيئًا قبل أن تجمعنا مصادفة عابرة؟ وكيف أضع في كلمات محدودة شعورًا باغتني منذ اللحظة الأولى، ثم أخذ يتسع في داخلي كلما عرفتكِ أكثر؟
حاولتُ أن أبدأ من صفاتكِ، فوجدتني أعود إلى المواقف. وحاولتُ أن أستعيد المواقف، فإذا بي أستعيد نفسي أيضًا؛ تلك التي كنتُها قبل أن أعرفكِ، وتلك التي صرتُ إليها وأنا أترقّب رسالة منكِ، أو أطمئن إلى خبركِ، أو أفرح لنجاحكِ كما لو كان نجاحًا يخصّ أحد أبنائي.
أتعلمين يا أماني؟ لم يكن الأمر أنني لم أعرف في حياتي أشخاصًا طيبين، أو أنني لم ألتقِ بنساء جديرات بالمحبة والتقدير. لقد عرفتُ كثيرين، وأحببتُ كثيرين، واحتفظتُ في ذاكرتي بمواقف لا تُنسى. لكن شيئًا في لقائنا الأول ظلّ عصيًّا على التفسير؛ شيء لم أستطع أن أرده إلى جمالكِ وحده، ولا إلى هدوئكِ، ولا إلى ما تكشّف لي بعد ذلك من طيب معدنكِ.
ولأنني لا أريد أن أظلم الحكاية بتفسير متعجل، فسأعود بكِ إلى بدايتها؛ إلى ذلك الصباح الذي لم أكن أعرف فيه أن امرأة ستدخل حياتي من باب المصادفة، ثم يصبح لها فيها كل هذا الحضور.
كان صباحًا خريفيًّا، وكانت اللغة العربية هي الموعد.
تلقيتُ دعوة إلى مؤتمر عربي دولي للاحتفاء باللغة العربية، ذلك الكنز الذي أفنيتُ جانبًا من عمري في صحبته، كتابةً وبحثًا ونقدًا. وكانت المناسبة كبيرة، تليق بها فخامة المكان واتساعه، وتلك الوجوه التي جاءت من بلدان مختلفة، يجمعها حب لغة واحدة، على اختلاف ألسنتها الأصلية وثقافاتها وتجاربها.
انطلقت بنا حافلة كبيرة إلى مقر المؤتمر. كان الطريق جزءًا من صباح طويل لم أكن أتصور أنه سيظل حاضرًا في ذاكرتي بكل هذه التفاصيل. وحين وصلنا، وجدنا أنفسنا في مكان فسيح أنيق، تتوزع فيه القاعات ومناطق الاستقبال، ويتوافد إليه المدعوون في حركة تجمع بين وقار المناسبات الرسمية وألفة اللقاءات الثقافية.
لم تكن الجلسات قد بدأت بعد. كان بعض الحاضرين قد انتظموا حول الطاولات، يتناولون الشاي والقهوة، ويتبادلون كلمات التعارف والأسئلة الأولى. هنا أستاذ جامعي يتحدث إلى إعلامي، وهناك مجموعة من الباحثين والصحفيين، وفي ناحية أخرى أصوات تتداخل ثم تخفت، كأن المكان يتهيأ شيئًا فشيئًا لاستقبال اللغة التي اجتمع الجميع للاحتفاء بها.
لم أكن أعرف معظم الحاضرين، وإن كنتُ قد تعرفتُ إلى بعض الوجوه من قبل. وكان أستاذي، الذي دعاني إلى المؤتمر، حاضرًا بين الشخصيات التي أعتز بمعرفتها؛ ذلك الرجل الذي أكنّ له تقديرًا كبيرًا، وأشعر بالفخر كلما جمعتني به مناسبة.
لكنني، قبل أن ألتقي به داخل القاعة، اتجهتُ إلى إحدى الطاولات لأتناول كوب الشاي.
كانت تجلس حولها ثلاث نساء. استقبلتني اثنتان بترحاب وبشاشة، وبدأ بيننا حديث تعارف عابر؛ أسئلة مألوفة عن العمل، وسبب الحضور، وموعد بدء الجلسات. كانت إحداهما صحفية لطيفة، والأخرى مهتمة باللغة العربية، وربما كان الحديث بيننا سيمضي على النحو المعتاد الذي تمضي به أحاديث اللقاءات الأولى، لولا أنني التفتُّ إلى الثالثة.
كانت شابة في مقتبل العمر، تبدو في الثلاثينيات تقريبًا، تجلس في هدوء لافت. لم تكن تسعى إلى اقتحام الحديث، ولم تحاول أن تستأثر بالاهتمام، بل كانت تنصت بعينين يقظتين، وتتابع ما يدور حولها في سكينة لا تخلو من ذكاء.
كان في وجهها سمرٌ دافئ، سمرٌ ذكّرني بوجوه الجنوب المصري؛ تلك الوجوه التي تحمل في لونها وملامحها شيئًا من أصالة الأرض وكرمها. وكانت ملامحها تستوقف النظر بتناسق عجيب، حتى خُيّل إليّ أنني أمام صورة تستدعي زمنًا بعيدًا، زمن الملكات الفرعونيات اللاتي بقي في الذاكرة من وجوههن ما يتجاوز حدود الجمال المألوف.
نعم يا أماني، لقد رأيتكِ يومها كأنكِ ملكة فرعونية.
لم يكن ذلك لأنني وجدت فيكِ شبهًا محددًا أستطيع أن أصفه وصفًا دقيقًا، وإنما لأن في ملامحكِ شيئًا من الوقار القديم، وفي سمرتكِ جاذبية هادئة، وفي جلستكِ اتزانًا لا يحتاج إلى تكلّف. كان جمالكِ بعيدًا عن الصخب، لا يطلب العين، لكنه يستبقيها. وكانت أناقتكِ تزيد هيئتكِ رقة، فيما منحكِ حجابكِ البسيط صورةً من الاحتشام والسكينة.
غير أنني، لو قلتُ إن ملامحكِ وحدها هي التي استوقفتني، لكنتُ قد أغفلتُ أهم ما في المشهد.
لقد كان هدوؤكِ هو الذي أثار فضولي أولًا. ثمة أشخاص يملؤون المكان بأصواتهم، وثمة آخرون يحضرون فيه دون أن يرفعوا أصواتهم، فيجعلونكِ تتساءل عنهم من غير أن تعرف السبب. كنتِ من الصنف الثاني؛ صامتة، لكنكِ لم تكوني غائبة، منصتة، لكنكِ لم تكوني على هامش المشهد.
أتدرين يا أماني؟ لقد راقبتكِ أكثر مما ينبغي لامرأة لم تلتقِ بكِ من قبل، ثم أخذتُ ألوم نفسي قليلًا على هذا الفضول الذي لا أعرف له مبررًا. فما الذي يجعل وجهًا غريبًا يستوقفنا، بينما تمرّ بنا وجوه كثيرة فلا تترك فينا أثرًا؟ ولماذا نشعر أحيانًا بألفة مباغتة تجاه إنسان لم نتبادل معه سوى نظرات عابرة؟
لم أجد جوابًا، ولم أكن أعرف أن الأيام ستمنحني من التفاصيل ما يجعل السؤال أكبر.
كنتُ أستطيع أن أواصل حديثي مع المرأتين الأخريين، وأن أكتفي بوجودكِ الهادئ إلى جوارنا، لكنني وجدتني أرغب في أن أعرفكِ. لم يكن فضولًا عابرًا عن اسمكِ أو عملكِ؛ كان رغبةً في الاقتراب من عالم لم أكن أعرف عنه شيئًا.
التفتُّ إليكِ أخيرًا، وقلتُ في لطف:
«وأنتِ، ألم يأتِ دورنا بعد لنتعرّف إليكِ؟»
رفعتِ عينيكِ إليّ، واستعددتِ للإجابة بهدوئكِ نفسه. لم يكن في صوتكِ ما يشي برغبة في إطالة الحديث، ولا ما يدل على انصراف عنه. أجبتِ باقتضاب مهذب، وأخذنا نتبادل الأسئلة البسيطة؛ من أين جئتِ، وما الذي أتى بكِ إلى المؤتمر، ومن دعاكِ إلى هذه المناسبة؟
كنتُ أستمع إليكِ، وأحاول أن أتعرف إلى ملامح شخصيتكِ من بين كلماتكِ القليلة. لم تكوني ثرثارة، ولم تتكلفي الحديث لتملئي الصمت. كان لكِ من الاقتصاد في الكلام ما جعلني أرغب في سماع المزيد، وكأنكِ تتركين وراء كل إجابة مساحةً صغيرة لسؤال آخر.
ولم أكن أعرف اسمكِ على وجه اليقين بعد، ولا تفاصيل حياتكِ، ولا شيئًا عن تلك المسافات التي قطعتها روحكِ قبل أن تجلسي إلى جواري في ذلك الصباح.
كل ما كنتُ أعرفه أنني أريد أن يستمر الحديث.
ثم جاء النداء الذي قطع أحاديث الطاولات: حان موعد الجلسة الأولى، وعلى الجميع التوجه إلى القاعة.
تحرك الحاضرون في اتجاه المدخل، وبدأت مجموعات صغيرة تتفرق ثم تلتقي عند الأبواب. كنتُ أسير على مهل، بينما كانت خطوتكِ أسرع، فناديتك وقلتُ:
«احجزي لي مكانًا إلى جواركِ.»
ربما بدت لكِ جملة عادية، وربما لم تتوقفي عندها طويلًا، لكنني كنتُ قد اتخذتُ، دون وعي كامل، أول خطوة نحو الاحتفاظ بقربكِ. أردتُ أن أجلس إلى جواركِ، وأن أواصل التعرف إليكِ بين الجلسات، وأن أختلس من الوقت دقائق أخرى لهذا الحديث الذي لم يبدأ بعدُ على نحو حقيقي.
دخلنا القاعة، وكانت واسعةً بمدرجات كبيرة ..مفروشة بالسجاد الأحمر الفخم المعد خصيصا لاستقبال كبار العلماء وصفوة المجمع اللغوي… وتتصدرها منصة أُعدّت لاستقبال المتحدثين، فيما امتدت صفوف المقاعد في انتظام.
لمحْتُ أستاذي القدير من بعيد، فشعرتُ بفرحة اللقاء، ثم رأيتُ شاعرًا أعرفه وأقدّر تجربته، فاقتربنا من الصفوف الأمامية، واستقر بنا المقام في الصف الثالث تقريبًا.
لحقت بكم ..توقفت قليلا في منتصف السلم المؤدي للمدرج ..أشرت لي ملوحة ؛ مشيرة بيدك إلى المقعد الشاغر بجوارك ..بعفوية طفولية مكررة بحركات يدك ندائي ودعوتي : تعالي هنا..هنا..توجهت نحوكم ثلاثتكم.
جلستُ إلى جواركِ.
كان مقعد أماني إلى يميني، أما إلى يساري فكان يجلس أستاذي العالم الكبير القدير د.غريب جمعة الذي جئتُ تلبيةً لدعوته، وإلى جواره الشاعر المحترم الذي أعرفه من زمن وأقدّر تجربته ؛ سعيد الصاوي.
وبين كلمات الجلسات وفواصلها القصيرة، كانت تدور أحاديث مقتضبة سريعة عامة ، متبادلة بيننا ؛ تقول فيها أماني بعض الكلمات على عجل، قبل أن يعود الجميع إلى الإصغاء لما يُلقى على المنصة.
أما أنا، فكنت أجدني أعود ببصري إليها بين حين وآخر؛ إلى هدوئها الذي لا يطلب الانتباه ؛ وخفة ظل رغم ذلك متخفية خلف وقارها الذي لا يتكلفه صاحبه، وإلى تلك السمرة المصرية الدافئة التي جعلتني أراها، منذ النظرة الأولى، كأنها صورة لملكة فرعونية نهضت من إطارها القديم وجلست بيننا.
——
أخذت المنصة تستقبل المتحدثين، وانطلقت كلمات الافتتاح، ثم بدأت الأحاديث عن اللغة العربية وجمالياتها، وعن الشعر الذي احتفى بها، وعن قدرتها على أن تظل جسرًا بين الثقافات والأجيال.
كنتُ حريصة على متابعة الجلسة، فقد جئتُ إلى المؤتمر من أجل اللغة التي أحبها وأعمل في ميدانها. ومع ذلك، كانت بين حين وآخر تنشأ فرصة صغيرة لهمسة أو سؤال مقتضب، فألتفتُ إليكِ، أو تميلين نحوي لتسألي عن شيء، ثم نعود إلى الإنصات.
لم يكن بيننا آنذاك ما يمكن أن يسمى صداقة، ولم نكن قد تجاوزنا عتبة التعارف الأول. لكنني كنتُ أشعر أنني لا أريد لهذا المقعد المجاور لي أن يتبدل، ولا أن تنتهي الجلسة فأفقد فرصة الحديث معكِ.
أتعلمين يا أماني؟ لستُ أدري متى بدأ ذلك الشعور يتسلل إلى قلبي، ولا كيف استطاع أن يجد طريقه بهذه السرعة. كل ما أذكره أنني، وأنا أجلس إلى جواركِ في تلك القاعة الكبيرة، وسط الأصوات التي تتحدث عن جمال اللغة العربية، كنتُ أكتشف على مهل أن بعض اللقاءات لا تبدأ حين نتبادل الأسماء، بل حين يستوقفنا في إنسان ما شيء لا نعرف كيف نسمّيه.
وكان اسمكِ لا يزال ينتظر لحظته في حكايتي.
لم أكن أعرف أنني سأحمله بعد ذلك في ذاكرتي بهذه الألفة، وأنني سأكتب يومًا إلى أماني، لا عن وجهها الجميل وحده، بل عن كل ما وراء ذلك الوجه من حكايات لم تكن قد رُويت لي بعد.
يومها، لم يكن بيننا سوى مقعد متجاور، وحديث خاطف، ونظرات تتبادلها امرأتان جمعت بينهما مصادفة مؤتمر.
أما ما جاء بعد ذلك، فكانت الأيام وحدها تعرفه.
———-
يتبع