مركز جسور للثقافة
في بيت الجواهري، لم يكن السؤال كيف نترجم الشعر فحسب، بل كيف ننقل روحه وموسيقاه وبلاغته من لغة إلى أخرى، من دون أن نفقد ما يمنحه الخلود.
في فضاءٍ يختزن ذاكرة الشعر العراقي وأمجاده، احتضن بيت الجواهري العظيم، في الحادي والعشرين من تشرين الأول 2026، ندوة ثقافية وأدبية حملت عنواناً يختصر واحدة من أعقد إشكاليات الترجمة الأدبية: «عندما ترتفع رصانة الشعر يصبح عصيّاً على الترجمة: الجواهري أنموذجاً». وقدّم الندوة زميلنا المترجم والباحث الأدبي عباس عزيز علي، برعاية مؤسسة الرئيس جلال طالباني، وبالتعاون مع قسم الشؤون الثقافية والسياحية في المديرية العامة للعلاقات والإعلام، فيما أدارتها الأستاذة خولة الخزرجي، بحضور نخبة من المثقفين والأكاديميين والأدباء والمهتمين باللغة والأدب والترجمة.
لم تكن الندوة مجرد قراءة في تجربة شاعر كبير، ولا استعراضاً لتحديات النقل بين اللغات، بل كانت محاولة للإجابة عن سؤال جوهري: “هل تستطيع الترجمة أن تنقل الشعر بكل ما فيه من جمال، أم أنها تنقل المعنى وتترك خلفها شيئاً من سحر الأصل؟”.
من المعنى إلى روح القصيدة
استهلّ الزميل عباس عزيز علي حديثه بتسليط الضوء على طبيعة الصعوبات التي تواجه ترجمة النصوص الأدبية الرفيعة، موضحاً أن هذه الإشكالية لا تقتصر على شعر الجواهري، بل تمتد إلى النصوص الدينية والكتب السماوية والشعر العربي القديم، وفي مقدمتها المعلقات وشعر المتنبي، وصولاً إلى تجربة الجواهري، الذي يمثّل واحدة من أبرز قمم الشعر العربي الكلاسيكي في العصر الحديث. فالنص الشعري الكبير لا يختزل في مفرداته أو معانيه المباشرة، إذ تتداخل فيه طبقات من الدلالة، وتتشابك الصور البلاغية مع الإيقاع والموسيقى الداخلية، لتصنع عالماً لا يمكن نقله بسهولة من لغة إلى أخرى. وقد ينجح المترجم في إيصال الفكرة، لكنه يجد نفسه أمام تحدٍّ أكثر تعقيداً حين يحاول الاحتفاظ بجمال الصورة، ورنين العبارة، وعمق الإيحاء.
ومن هنا، انطلق المحاضر في عرض نماذج تطبيقية لترجمة عدد من الأبيات الشعرية باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، ومنها DeepSeek وChatGPT وGemini، مستعرضاً ما تقدمه هذه الأدوات من مقترحات أولية لفهم النص ونقله، وما قد تواجهه من صعوبات في استيعاب خصوصيته البلاغية وموسيقاه الشعرية ودلالاته المتعددة. ولم يكتفِ بعرض الترجمات الناتجة عن هذه الأدوات، بل قابلها بقراءته الشخصية للأبيات، مستعيناً بالشرح والتحليل لتفكيك تراكيبها واستجلاء معانيها العميقة، ومبيّناً الفارق بين ترجمة تستوعب المعنى الظاهر وأخرى تحاول النفاذ إلى ما وراء الكلمات. لقد أتاح هذا الجانب التطبيقي للحاضرين فرصة تأمل المسافة بين الترجمة بوصفها نقلاً لغوياً، والترجمة بوصفها فعلاً إبداعياً يتطلب فهماً عميقاً للنص، ووعياً بما يختزنه من جماليات يصعب إخضاعها لقوالب جاهزة.

حين لا يكفي المعنى لإنقاذ الموسيقى
وفي سياق حديثه عن النصوص الشعرية التي عبرت القرون، استحضر المحاضر تجربة شكسبير، مشيراً إلى أن كثيراً من الأعمال الشعرية الكبرى يحتاج إلى الشرح والتفسير لفهم دلالاته في سياقاته التاريخية واللغوية. غير أن إدراك المعنى، مهما بلغ من الدقة، لا يعني بالضرورة استعادة الموسيقى التي منحت النص أصالته وتفرّده. ومن هذا المنطلق، عرض الزميل عباس عزيز علي ترجماته لبعض الأبيات، وناقش إمكانات أخرى لنقلها، موضحاً أن المترجم يقف غالباً أمام خيارات دقيقة: هل يمنح الأولوية للمعنى، أم للإيقاع، أم للصورة الشعرية؟ وكيف يمكنه أن يوازن بين هذه العناصر من دون أن يضحّي بجوهر القصيدة؟
إنها معضلة الترجمة الشعرية في أعمق تجلياتها؛ فالكلمة في القصيدة ليست مجرد وعاء للمعنى، بل جزء من بناء موسيقي وبلاغي متكامل. وقد تحمل المفردة الواحدة أكثر من دلالة، فيما يضيف موقعها في البيت الشعري وإيقاعها وعلاقتها بما يجاورها أبعاداً لا يسهل نقلها إلى لغة أخرى.
وهكذا، لا تكون الترجمة الناجحة مجرد استبدال مفردات بمفردات، وإنما محاولة لإعادة بناء التجربة الشعرية في لغة جديدة، مع إدراك أن بعض الخصائص قد تقاوم النقل، وأن الأمانة للنص لا تعني دائماً التطابق الحرفي مع ألفاظه.
بين بحور العربية وإيقاعات الإنكليزية
وتوقّف المحاضر عند واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في ترجمة الشعر، وهي مسألة الوزن والإيقاع، مبيناً أن نقل القصيدة الموزونة من العربية إلى الإنكليزية لا يخلو من تحديات كبيرة، حتى بالنسبة إلى المترجم الذي يمتلك موهبة شعرية وخبرة لغوية واسعة. فالأوزان العربية، مثل الطويل والكامل والرمل والهزج والمتدارك، تقوم على نظام عروضي له خصائصه وبنيته الموسيقية، في حين تعتمد التقاليد الشعرية الإنكليزية أنماطاً إيقاعية مختلفة، من بينها الإيامبي والسبوندي والداكتيل والتروكي. ولا تتوقف المشكلة عند اختلاف البنية الوزنية بين اللغتين، بل تتجاوزها إلى طبيعة الأصوات والكلمات والتراكيب، وإلى ما تتيحه كل لغة من إمكانات تعبيرية وإيقاعية. فما يبدو منسجماً ومتناغماً في العربية قد لا يجد مقابلاً مباشراً في الإنكليزية، وما ينسجم مع الوزن في اللغة الهدف قد يفرض على المترجم تغييراً في ترتيب الكلمات أو اختيار المفردات أو بناء الصورة.
لذلك، شدّد الزميل عباس عزيز علي على أن ترجمة الشعر عمل إبداعي واعٍ، يحتاج إلى معرفة دقيقة باللغة الأصلية واللغة المنقول إليها، وإلى حسّ شعري قادر على الموازنة بين الدلالة والإيقاع. فالغاية ليست إنتاج نص يشبه الشعر في شكله الخارجي فحسب، بل نص يحتفظ، قدر الإمكان، بروح التجربة الشعرية وخصوصيتها.
الجواهري.. قصيدة تقاوم الزمن
وعند الحديث عن الجواهري، تتضح أبعاد الإشكالية بصورة أكثر جلاءً، فنحن أمام شاعر لم تتأسس مكانته على قوة المعنى وحدها، بل على منظومة متكاملة من الخصائص اللغوية والبلاغية والموسيقية التي جعلت تجربته علامة فارقة في تاريخ الشعر العربي الحديث. وقد وصف المحاضر شعر الجواهري بأنه مقاوم للتعرية الزمنية، مستحضراً مكانته الراسخة بوصفه “شاعر العرب الأكبر” و”النهر الثالث للعراق”. وهي مكانة لم تأتِ من فراغ، بل تشكّلت عبر تجربة شعرية غنية، جمعت جزالة اللغة إلى قوة التعبير، ومتانة البناء إلى اتساع الرؤية، وعمق الموقف إلى جمال الصياغة. وتتجلى خصوصية هذه التجربة في ثراء مفرداتها ورصانة تراكيبها، وما تزخر به من جناس وطباق وتورية وصور شعرية وتضاد وتفخيم بلاغي، فضلاً عن موسيقى داخلية تمنح الأبيات طاقة تعبيرية تتجاوز حدود المعنى المباشر.
وفي شعر الجواهري، لا تأتي المفردة منفصلة عن سياقها، ولا تعمل الصورة بمعزل عن الإيقاع، بل تتضافر العناصر جميعها لتشكّل نسيجاً شعرياً محكماً. ولهذا، فإن نقل قصيدته إلى لغة أخرى يضع المترجم أمام مسؤولية مضاعفة؛ إذ لا يكفي أن يفهم ما يقوله الشاعر، بل عليه أن يدرك كيف يقوله، ولماذا اختار هذه المفردة دون سواها، وما الذي تضيفه الموسيقى والبلاغة إلى المعنى. من هنا، تبدو ترجمة الجواهري اختباراً حقيقياً لقدرات المترجم، ومقياساً لمدى امتلاكه أدوات اللغة والحس الأدبي والوعي النقدي. فكلما ازدادت القصيدة إحكاماً في بنائها وثراءً في دلالاتها، ازدادت مهمة نقلها تعقيداً، وأصبح الحفاظ على عناصرها الجمالية تحدياً لا تحسمه المعرفة اللغوية وحدها.

الذكاء الاصطناعي.. أداة للمساعدة لا بديلاً عن الشاعر
وقد اكتسبت النماذج التطبيقية التي تناولتها الندوة أهمية إضافية في ضوء التطور المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي، التي باتت قادرة على تقديم ترجمات متعددة للنص الواحد، واقتراح معانٍ وبدائل لغوية قد تساعد المترجم في استكشاف بعض الاحتمالات. غير أن تجربة ترجمة الشعر الرفيع تكشف أن تعدد المقترحات لا يعني بالضرورة الوصول إلى الترجمة الأفضل؛ فالنص الشعري يحتاج إلى قراءة تتجاوز المعنى المعجمي، وتستوعب سياقه الثقافي، وخصائصه البلاغية، وعلاقاته الإيقاعية، وما ينطوي عليه من إيحاءات قد لا تظهر في القراءة الأولى. ومن هنا، تبرز أهمية التكامل بين الإمكانات التقنية والخبرة الإنسانية؛ إذ يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي أن تسهم في تقديم مسودات ومقارنات أولية، لكن تقييم هذه المقترحات وصياغة الترجمة النهائية يظلان بحاجة إلى مترجم يمتلك الحس النقدي والذائقة الأدبية والمعرفة العميقة بعالم الشاعر. فالقصيدة ليست معلومات تُنقل من لغة إلى أخرى، بل تجربة جمالية وإنسانية تتشكل من تفاعل المعنى والصوت والصورة والذاكرة الثقافية. وهذا ما يجعل ترجمة الجواهري أبعد من أن تكون مهمة تقنية، مهما بلغت الأدوات المستخدمة من تطور.
حوار يفتح آفاقاً جديدة للترجمة
وفي ختام الندوة، فُتح باب النقاش أمام الحاضرين، فتوالت الأسئلة والمداخلات والإضافات القيّمة، في حوار عكس الاهتمام المتزايد بإشكاليات ترجمة الشعر العربي، وأهمية البحث عن مقاربات جديدة تتيح للقصيدة العربية أن تعبر إلى لغات أخرى من دون أن تفقد خصوصيتها الثقافية والجمالية. وقد أسهمت المداخلات في إثراء الموضوع، مؤكدة أن ترجمة الشعر ليست شأناً لغوياً محدوداً، بل مجال تتقاطع فيه الأدوات الأدبية والنقدية والمعرفة الثقافية والتجربة الإبداعية، وأن الانفتاح على التقنيات الحديثة ينبغي أن يترافق مع تعميق الوعي بخصوصية النصوص الشعرية الكبرى.
لقد أعادت هذه الندوة طرح سؤال جوهري يتجاوز تجربة الجواهري إلى مستقبل الشعر العربي في اللغات الأخرى: كيف يمكن أن نمنح القصيدة حياة جديدة خارج لغتها، من دون أن نفقد ما يجعلها قصيدة متميزة؟
ولعل الجواب لا يكمن في البحث عن ترجمة مثالية تطابق الأصل في كل تفاصيله، بقدر ما يكمن في السعي إلى ترجمة واعية تدرك ما يمكن نقله وما يصعب استعادته، وتعمل على تقريب القارئ من التجربة الشعرية بأكبر قدر ممكن من الأمانة والجمال. فالجواهري ليس شاعراً تُنقل أبياته من لغة إلى أخرى فحسب، بل عالم شعري متكامل، تتعانق فيه اللغة والبلاغة والموسيقى والتاريخ. وحين يبلغ الشعر هذه الدرجة من الرصانة، لا تعود الترجمة مجرد عبور بين لغتين، بل تصبح محاولة لعبور المسافة الفاصلة بين الكلمات وأرواحها.
مركز جسور للثقافة والاعلام والتطوير