حين تبتلع الأيديولوجيا الدولة: من وهم القوّة إلى استحقاقات التنمية

نبيل عبد الأمير الربيعي

لم تكن مأساة العراق، على امتداد عقود من تاريخه الحديث، ناجمة عن نقص في الثروات أو غياب الكفاءات أو العجز عن امتلاك أسباب القوة، بقدر ما ارتبطت بإخضاع الدولة لمشروعات سياسية وأيديولوجية تقدمت فيها اعتبارات السلطة والنفوذ على مصالح المجتمع ومستقبل الأجيال. فمن عهد الحزب الواحد، حين اختزل الوطن في النظام السياسي، إلى مرحلة ما بعد عام 2003، حين تداخلت مؤسسات الدولة مع الولاءات الحزبية والطائفية وتقاطعات المحاور الإقليمية، ظل العراق يدفع أثمان اختلال العلاقة بين الدولة ومكوّناتها، وبين القرار الوطني وحسابات القوى المتنافسة.
لقد كشفت التجربة العراقية أن امتلاك الثروة النفطية والقوة العسكرية لا يكفي لبناء دولة مستقرة، إذا لم تقترن تلك الإمكانات بمؤسسات دستورية راسخة، وسيادة القانون، واحترام المواطنة، وإخضاع السلاح لقرار الدولة. كما أظهرت أن تغيير الأنظمة وتبدل الشعارات لا يضمنان وحدهما قيام دولة حديثة، ما دامت العقلية السياسية تنظر إلى السلطة بوصفها غنيمة، وإلى المؤسسات باعتبارها أدوات لتثبيت النفوذ، وإلى الولاء بوصفه معياراً للتقدم وتوزيع الفرص.
من هنا، لا تنحصر المعضلة العراقية في إرث الاستبداد أو تداعيات الحروب أو أزمات النظام السياسي الراهن كل على حدة، بل تمتد إلى سؤال جوهري يتعلق بطبيعة الدولة التي يريدها العراقيون: أهي دولة مواطنين متساوين، تتقدم فيها التنمية والمصلحة العامة على الانتماءات الضيقة، أم ساحة تتجاذبها مشروعات أيديولوجية وحسابات حزبية وإقليمية تتجاوز أحياناً حدود القرار الوطني؟ وهذا السؤال لا يخص العراق وحده، بل يفتح الباب لفهم تجارب إقليمية أخرى، وفي مقدمتها التجربة الإيرانية، حيث تتشابك اعتبارات الأمن القومي مع المشروع الأيديولوجي والنفوذ الإقليمي.
فالمشكلة، في جوهرها، ليست في وجود عقيدة سياسية أو في سعي الدولة إلى حماية أمنها، وإنما في اللحظة التي تتحول فيها الأيديولوجيا من إطار فكري قابل للمراجعة إلى مرجعية تعلو على مؤسسات الدولة، وتصبح القوة غاية بحد ذاتها، ويطلب من المجتمع أن يتحمل تكاليف مشروع لا تقاس نتائجه بما يحققه من استقرار وازدهار، بل بقدرته على الاستمرار وإثبات الحضور. عندها تتراجع المواطنة أمام الولاء، والتنمية أمام التعبئة، وتصبح الدولة، بدلاً من أن تكون وسيلة لخدمة الإنسان، أداةً لخدمة المشروع السياسي.

قد يعجبك ايضا
∧