د. حازم محمود حميد النعيمي*
هناك ألقاب وظيفية لا تمثل مجرد مسميات إدارية، وإنما تعكس قيمة علمية ومهنية اكتسبها أصحابها عبر سنوات طويلة من العمل والخبرة والإنجاز. ومن بين هذه الألقاب يأتي لقب «مستشار»، الذي يفترض أن يكون اعلى العناوين الوظيفية في سلم الوظيفة العامة في مؤسسات الدولة، وأن يمنح لمن بلغ مستوى متقدما من المعرفة والتخصص والخبرة، وأصبح مؤهلا لتقديم المشورة إلى كبار المسؤولين في القضايا التي تتطلب رؤية عميقة وحكما مهنيا رصينا.
لكن ما نشهده اليوم في بعض مؤسسات الدولة يدعو إلى القلق. فقد أصبح لقب «مستشار» يمنح أحيانا بموجب عقود مؤقتة، حتى تحول لدى البعض إلى عنوان للوجاهة الاجتماعية والعلاقات والنفوذ أكثر من كونه اعترافا بخبرة مهنية استثنائية. وأصبحنا نسمع عن مستشارين في مختلف الوزارات والهيئات والمؤسسات، دون أن نعرف دائما مؤهلاتهم وخبراتهم وطبيعة المشورة التي يقدمونها أو الإنجازات التي حققوها مقابل الأموال والامتيازات التي يحصلون عليها.
ولعل أكثر ما يكشف حجم المشكلة أن لقب «مستشار» بدأ يفقد هيبته حتى في أحاديث الناس اليومية. فبعد أن كان يثير الاحترام والتقدير، أصبح البعض يتندر عندما يقدم شخص نفسه بوصفه مستشارا. وهذه مفارقة مؤسفة، لأن اللقب الذي يفترض أن يكون مصدر فخر مهني أصبح لدى البعض مدعاة للسخرية والشك في الاستحقاق.
في الإدارة الحكومية الرصينة، لا يفترض أن يكون المستشار موظفا إضافيا في الهيكل الإداري، ولا شخصا يمنح لقبا لإرضائه أو مكافأته على علاقة سياسية أو شخصية بل صاحب خبرة متخصصة تلجأ إليه القيادات العليا عندما تواجه ملفات معقدة تتطلب معرفة عميقة وقدرة على تحليل المشكلات وتقديم البدائل والحلول. فالمستشار الحقيقي ليس من يجلس بالقرب من المسؤول، بل من يقدم له رأيا مهنيا مستقلا قد يمنعه من اتخاذ قرار خاطئ يكلف الدولة أموالا طائلة.
ولكي ندرك حجم المفارقة، يكفي أن ننظر إلى التدرج الوظيفي والخبرة المطلوبة للوصول إلى المراتب المهنية العليا. فإذا كانت درجة «خبير» في بعض الهياكل الوظيفية بمستوى معاون مدير عام، ويتطلب الوصول إليها خدمة فعلية قد تبلغ 28 سنة، فكيف يمكن أن يصبح لقب «مستشار»، الذي يعادل درجة وكيل وزير، متاحا لشخص لم يمض سوى سنوات محدودة في العمل؟ ومن المنطقي أن يرتبط الوصول إلى هذه المرتبة المهنية بخبرة طويلة قد تمتد إلى اكثر من 30 سنة، إلى جانب المؤهلات العلمية والإنجازات الاستثنائية، مع التأكيد أن سنوات الخدمة وحدها لا تكفي دون كفاءة مثبتة.
والمفارقة الأكبر أن العراق يمتلك تشريعا ينظم هذه المسألة، فقد صدر قانون تنظيم عمل المستشارين رقم (3) لسنة 2022، الذي حدد عدد المستشارين بستة لكل من الرئاسات الثلاث ومستشار واحد لكل وزارة أو جهة غير مرتبطة بوزارة، مع إمكانية زيادة العدد إلى ثلاثة عند الضرورة وبموافقة مجلس الوزراء. كما حدد شروطا للمؤهلات والخبرة والكفاءة والنزاهة.
لكن ما جدوى قانون يحدد أعداد المستشارين إذا كان بالإمكان الالتفاف على الغاية منه بالتوسع في العقود الاستشارية؟ فبدلا من الالتزام بعدد محدود من المستشارين المؤهلين، قد تلجأ بعض المؤسسات إلى التعاقد مع أشخاص يحملون اللقب نفسه خارج الملاك الوظيفي، حتى يصبح عددهم كبيرا وربما يصل على مستوى الدولة إلى المئات. وإذا صحت هذه الأعداد، فإن الأمر يستوجب إحصاء رسميا شاملا والتحقق من قانونية العقود ومدى الحاجة الفعلية إليها، وعدم استخدامها للتحايل على القيود العددية. وعد السيد رئيس الوزراء علي الزيدي مؤخرا بمعالجة هذه الظاهرة السلبية.
ولا تقف المشكلة عند تضخم الأعداد، بل تمتد إلى الأعباء التي تتحملها الموازنة العامة. فبعض المستشارين المتعاقدين قد يحصلون، إلى جانب المكافآت المالية، على سيارات رسمية أو سكن أو حمايات أو تسهيلات إدارية وايفادات. وعندما تتكرر هذه النفقات في عشرات المؤسسات، فإن مجموعها قد يصبح عبئا ماليا يستحق المراجعة، خصوصا في بلد يواجه تحديات اقتصادية كبيرة. ومن حق المواطن أن يعرف كم تنفق الدولة على المستشارين، وما النتائج التي تحصل عليها مقابل هذه الأموال.
ومن الظواهر التي تستحق التوقف عندها أن بعض أعضاء مجلس النواب والوزراء، عندما تنتهي ولاياتهم أو يفقدون مناصبهم، يسعون للحصول على لقب «مستشار» في إحدى مؤسسات الدولة، ليس بالضرورة لأن المؤسسة تحتاج إلى خبراتهم، وإنما أحيانا للمحافظة على المكانة الاجتماعية والامتيازات التي اعتادوا عليها. فالبعض يجد صعوبة في التخلي عن الهوية الرسمية أو السكن الحكومي أو السيارة المخصصة أو العلاقات والنفوذ المرتبطين بالمنصب، ولا يتقبل بسهولة فكرة العودة إلى مهنته الأصلية وحياته الطبيعية. وكأن تولي المنصب العام أصبح امتيازا دائما، لا مسؤولية مؤقتة تنتهي بانتهاء مدتها القانونية.
ولكي ندرك كيف تستفيد الدول من مستشاريها، يمكن النظر إلى تجارب مختلفة. ففي بريطانيا، برز السير مايكل باربر، الذي عمل مستشارا لوزير التعليم، ثم ترأس وحدة متابعة أولويات رئيس الوزراء توني بلير وأسهم في تحسين الأداء الحكومي. وفي فرنسا، برز الاقتصادي جان بيزاني فيري، الذي تولى مسؤوليات استشارية وقيادية في التحليل الاقتصادي وصياغة السياسات العامة. وفي ألمانيا، كان الاقتصادي لارس هندريك رولر من أبرز المسؤولين عن المشورة الاقتصادية للمستشارة أنجيلا ميركل.
والأخطر من الأعباء المالية احتمال استغلال بعض المتعاقدين لقب «مستشار» لتحقيق مصالح شخصية، مستفيدين من الهيبة التي يمنحها اللقب والعلاقات التي تتيحها مواقعهم، سواء للتدخل في شؤون مؤسسات أخرى أو التأثير في قرارات إدارية أو تسهيل معاملات خاصة. ولا يجوز التعميم على الجميع، لكن هذه الاحتمالات تستوجب الرقابة والمساءلة عند ثبوت التجاوزات. وكانت قد صدرت قرارات حكومية صارمة بمنع استخدام العناوين الوظيفية لموظفين سابقين لتحقيق مصالح شخصية.
والأغرب أن بعض الأشخاص يستمرون في استخدام لقب «مستشار» حتى بعد انتهاء عقودهم المؤقتة، بما في ذلك حالات عدم التجديد بسبب ضعف الأداء أو وجود مخالفات تستدعي المساءلة. وهنا ينبغي التمييز بين من يذكر أنه كان مستشارا سابقا، وهو حق مشروع، وبين من يوحي بأنه ما زال يشغل المنصب ويتمتع بصفته الرسمية، وربما يستخدم ذلك للحصول على نفوذ أو امتيازات.
ولا يعني هذا الكلام التشكيك في جميع المستشارين المتعاقدين، فهناك أصحاب خبرات علمية ومهنية عالية تحتاج الدولة إلى خدماتهم. لكن الفرق كبير بين الاستعانة بخبير متخصص لإنجاز مهمة محددة، وبين منح لقب رفيع دون حاجة حقيقية أو معايير واضحة.
ولذلك، أعتقد أن الوقت قد حان لكي يجري مجلس الوزراء مراجعة شاملة لعقود المستشارين في المؤسسات الحكومية، والتحقق من مؤهلاتهم وخبراتهم، وحصر أعدادهم وكلفتهم وامتيازاتهم، وتقييم ما قدموه من دراسات وتوصيات ونتائج. كما ينبغي وضع ضوابط تمنع استخدام العقود للالتفاف على الحدود العددية التي قررها القانون، وتنظم استخدام اللقب بعد انتهاء التكليف، وتمنع استغلاله لتحقيق مصالح شخصية. يجب ان يقدم كل مستشار (ملاك او عقد) ما قدمه من استشارات في نهاية كل سنة لمعرفة فائدته للمؤسسة التي يعمل بها.
إن إصلاح الإدارة العامة يبدأ من احترام معايير الاستحقاق والكفاءة. فعندما تصبح الألقاب العليا متاحة بالمجاملة أو العلاقات الشخصية والسياسية، تفقد المؤسسات جزءا من هيبتها، ويشعر الموظف الكفء أن سنوات عمله واجتهاده لم تعد الطريق الطبيعي للتقدم المهني.
لقد أصبحنا بحاجة إلى حماية لقب «مستشار» من الابتذال، لا من أجل الأشخاص الذين يحملونه، بل من أجل الدولة نفسها فالمنصب العام ليس لقبا يرافق صاحبه مدى الحياة، ولا امتيازا يحتفظ به بعد انتهاء ولايته. ومن يخدم الدولة وزيرا أو نائبا ينبغي أن يكون مستعدا للعودة إلى المجتمع مواطنا عاديا، لا أن يبحث عن لقب مستشار ليبقى مسؤولا إلى الأبد.
ان الألقاب الرفيعة يجب أن تكون نتيجة للاستحقاق، لا بديلا عنه. وهيبة الدولة تبدأ من احترام الكفاءة، لا من كثرة الألقاب.
*مدير عام دائرة البحوث والدراسات
رئاسة الجمهورية