التوافق الكردي: مفتاح الاستقرار في بغداد وأربيل معاً

محمد علي الحيدري
واشنطن

لا تنفصل أزمة تشكيل حكومة إقليم كردستان عن مسار استكمال الحكومة الاتحادية، وإن بدا للوهلة الأولى أن لكل منهما منطقه وجمهوره. فالعقدة التي أخّرت الكابينة العاشرة في أربيل قرابة عامين منذ انتخابات تشرين الأول 2024 هي نفسها التي تُضعف موقع الكرد التفاوضي في بغداد، حيث تُحسم الموازنة وحصة الإقليم والرواتب والملفات العالقة. ومن هنا تأتي أهمية التوافق الكردي بوصفه شرطاً للاستقرار في المركز والإقليم معاً، لا مجرد استحقاق حزبي داخلي.

ولا يمكن إنكار أن الخلاف بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني نابع من أسباب مشروعة لكل طرف. فالديمقراطي يتمسك بأن نتائج الانتخابات، وقد منحته أكبر كتلة بتسعة وثلاثين مقعداً، ينبغي أن تكون المعيار الأول في توزيع الصلاحيات. أما الاتحاد الوطني فيرى أن النتائج أنهت زمن الأغلبية المريحة، وأن الواقع الجديد يستوجب شراكة أوسع في القرار، لا مجرد حصص في الحقائب. وبين الموقفين دخلت عوامل أخرى، منها العلاقة مع بغداد وتوطين الرواتب وتوازنات حراك الجيل الجديد والقوى الإسلامية، حتى تحول الملف من استحقاق انتخابي إلى ساحة لإعادة رسم النفوذ.

غير أن كلفة الجمود باتت أثقل من مكاسب أي طرف. فحكومة تصريف الأعمال تعمل خارج الإطار الذي يمنح قراراتها شرعيتها الكاملة، وقد وصل الملف إلى المحكمة الاتحادية العليا التي حددت السادس والعشرين من تشرين الأول موعداً لنظر الدعوى. وهذا تطور لا يخدم أحداً، لأن تدخل القضاء في خلاف سياسي كردي يعني عملياً نقل جزء من القرار الكردي إلى خارج أربيل.

ولعل الإشارة الأكثر إيجابية جاءت من رئيس الحزب الديمقراطي مسعود بارزاني، الذي أقر بأن الإقليم سجل رقماً سيئاً في التأخير، وتحدث عن تقارب كبير في مواقف الحزبين، وعن رغبة في الذهاب إلى بغداد بفريق واحد خلال مفاوضات الموازنة. وهذه مقاربة صائبة، فالتفاوض مع الحكومة الاتحادية بصوتين متنافسين يمنح بغداد هامش المناورة ويُضعف الحجة الكردية في ملفات الحصة المالية والمستحقات.

والمصلحة هنا متبادلة. فحكومة الزيدي، وقد استكملت تشكيلتها بعد خمسة أشهر من الشغور، تحتاج إلى شريك كردي مستقر يسهّل تمرير الموازنة والقوانين المؤجلة، وفي مقدمتها النفط والغاز. والإقليم بدوره يحتاج إلى حكومة مكتملة الصلاحيات تحسن إدارة ملف الرواتب والخدمات وتفاوض من موقع موحد. وكل أسبوع إضافي من التعطيل يرفع كلفة الطرفين.

يبقى أن التوافق الحقيقي لا يُقاس بتوزيع الحقائب، بل بإرساء قواعد شراكة واضحة تحدد الصلاحيات وآليات اتخاذ القرار وتضمن عدم تكرار الانسداد في كل دورة انتخابية. فإذا اكتفت الأحزاب بتسوية مؤقتة، عاد الخلاف مع أول استحقاق مالي أو سياسي. أما إذا حولت اللحظة إلى ميثاق عمل، فإنها تمنح الإقليم ما افتقده طويلاً: حكومة قادرة على القرار، وصوتاً كردياً قادراً على الإقناع في بغداد.

قد يعجبك ايضا
∧