الإرهاب واثاره التنموية في العراق)

د. كريم نوري عبد الله الدليمي

(الإرهاب عدو التنمية ، والسلام أساس البناء ، بالأمن تنهض الأوطان وتزدهر الشعوب):

يعد الإرهاب من أخطر الظواهر التي شهدها العراق خلال العقود الماضية، لما تركه من أثار عميقة لم تقتصر على الجانب الأمني والعسكري ، وانما امتدت لتشمل مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتنموية ، فقد تعرض العراق منذ عام 2003، الى موجات متلاحقة من العنف والإرهاب أدت الى الحاق أضرار جسيمة بأمن المواطنين واستقرار الدولة، وأثرت بصورة مباشرة وغير مباشرة في مسيرة التنمية ، وبالرغم مما يتسم به الإرهاب من تعقيد وغموض سواء ما يتعلق بالمفهوم والتعريف لعدم قبول تعريف متفق عليه من جميع الكتاب والباحثين في شؤن الإرهاب والتطرف والحركات السلوكية:

بيد انها ظاهرة تطورت بمرورالزمن لوجود عوامل متعددة تقف خلفها ؛ لذا اتخذت أشكال مختلفة ومعقد ، من أجل دراسة العلاقة بين الإرهاب واثاره على التنمية ، ومعرفة حجم ذلك التأثير الذي يخلفه على أوضاع التنمية البشرية، وتعد مرحلة سيطرة تنظيم داعش الإرهابي على عدد من المحافظات العراقية ابتداء من عام 2014، من اكثر المراحل تأثيراً في الاقتصاد والمجتمع، اذ أدت العمليات العسكرية والهجمات الإرهابية الى تدمير اعداد كبيرة من المنشأت والبنى التحتية، وتعطيل الأنشطة الاقتصادية، وتوقف العديد من المشروعات الاستثمارية ، فضلاً عن نزوح أعداد كبيرة من السكان من مناطقهم الاصلية ، أن التنمية تحتاج بطبيعتها الى بيئة مستقرة وامنة تستطيع الدولة والمجتمع من خلالها توجيه الموارد نحو بناء المؤسسات وتطوير البنية التحتية وتحسين الخدمات وخلق فرص العمل وزيادة الإنتاج، الا ان الإرهاب يعمل عن طريق البشرية ، ويزيد من مستويات المخاطر الاقتصادية ، ويؤدي الى تحويل جانب كبير من الانفاق العام من القطاعات التنموية الى القطاعات الأمنية والعسكرية ، كما يؤدي الى تراجع الاستثمار والإنتاج وارتفاع تكاليف إعادة الاعمار ، ومن هذا المنطلق فان دراسة الإرهاب واثاره التنموية في العراق تكتسب أهمية كبيرة ، لأنها تساعد على فهم طبيعة العلاقة بين الاستقرار الأمني والتنمية الاقتصادية والاجتماعية ، وتوضح حجم الخسائر التي يمكن ان تتعرض لها عملية التنمية نتيجة استمرار العنف والإرهاب ، كما تساعد على تحديد السياسات والبرامج الضرورية لمعالجة الاثار التي خلفتها تلك الظاهرة ، ولا يمكن النظر الى التنمية في العراق بمعزل عن قضية الامن والاستقرار ، لأن تحقيق النمو الاقتصادي وتحسين مستوى المعيشة يتطلبان توفير بيئة امنة ومستقرة تسمح للمواطن بممارسة نشاطه الاقتصادي والاجتماعي ، وتشجيع المستثمر على توظيف أمواله، وتساعد الدولة على تنفيذ خططها التنموية بصورة منتظمة ومستدامة.

يعد مفهوم الإرهاب من المفاهيم المعقدة التي تعددت بشأنها التعريفات نتيجة اختلاف المنظورات القانونية والسياسية والأمنية والفكرية ، الا ان القاسم المشترك بينها يتمثل في استخدام العنف و التهديد باستخدامه بهدف تحقيق اهداف معينة ونشر حالة من الخوف والرعب داخل المجتمع، وغالباً ما تستهدف الاعمال الإرهابية المدنيين والمؤسسات العامة والمنشآت الاقتصادية والخدمية بهدف اضعاف الدولة وارباك مؤسساتها وزعزعة الاستقرار الاجتماعي والسياسي ، ولا تقتصر خطورة الإرهاب على الخسائر المباشرة الناتجة عن العمليات الإرهابية، وانما تمتد الى اثار غير مباشرة قد تستمر لسنوات طويلة بعد انتهاء العمليات العسكرية ، اذ يؤدي الإرهاب الى اضعاف الثقة بالمؤسسات العامة، ورفع تكاليف النشاط الاقتصادي، وتراجع الاستثمار ، وزيادة معدلات البطالة والفقر، وتعطيل التعليم والصحة والخدمات العامة، فضلاً عن تفكك العلاقات الاجتماعية وازدياد حالات النزوح والهجرة، اما التنمية فهي عملية شاملة ومستمرة تهدف الى تحسين مستوى حياة الانسان من خلال تحقيق النمو الاقتصادي والاجتماعي وتوفير الخدمات الأساسية وتطوير البنية التحتية وتحسين التعليم والصحة وزيادة فرص العمل وتحقيق العدالة الاجتماعية.

ومن هنا تظهر العلاقة العكسية بين الإرهاب والتنمية، اذ ان التنمية تحتاج الى الاستقرار ، بينما يعتمد الإرهاب على زعزعة الاستقرار واضعاف مؤسسات الدولة ، وكلما ازدادت حدة الإرهاب ارتفعت التكاليف التي تتحملها الدولة والمجتمع، وانخفضت القدرة على توجيه الموارد نحو المشروعات الإنتاجية والخدمية، كما ان اثار الإرهاب يمكن ان تؤدي الى ما يشبه الحلقة المفرغة ،فضعف التنمية وارتفاع البطالة والفقر والتهميش قد يهيئ بيئة اجتماعية واقتصادية يمكن ان تستغلها الجماعات المتطرفة في نشر افكارها واستقطاب بعض الفئات ، في حين يؤدي الإرهاب بدوره الى تعطيل التنمية وزيادة الفقر والبطالة، ولذلك فان مكافحة الإرهاب لا ينبغي ان تقتصر على الوسائل الأمنية والعسكرية ، وانما ينبغي ان ترافق مع معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تساعد على استمرار عدم الاستقرار.

وفي الختام:
يعد الإرهاب من ابرز التحديات التي واجهت العراق، لما خلفه من اثار سلبية على مختلف جوانب التنمية، اذ اسهم في تدمير البنية التحتية، واضعاف الاقتصاد، وزيادة معدلات الفقر والبطالة، فضلاً عن تهجير السكان واعاقة الاستقرار الاجتماعي، ومن هنا فان مواجهة الإرهاب تتطلب تعزيز الامن والاستقرار ، وإعادة المناطق المتضررة، ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، بما يسهم في تحقيق مستقبل اكثر امنا وازدهاراً للعراق.

وبذلك نقول: ( العراق الذي عانى من ويلات الإرهاب قادراً بإرادة أبنائه على تحويل الألم الى امل ، والدمار الى اعمار ، والتحديات الى فرص للتقدم).

قد يعجبك ايضا
∧