بين تخفيض قيمة الدينار ومكافحة الهدر المالي: أين تذهب أموال العراقيين؟

سحر صلاح الخزاعي

هل يكون المواطن العراقي الحلقة الأضعف في كل أزمة اقتصادية، أم أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من محاسبة المتسببين بالعجز والهدر المالي؟

إن الحديث عن تخفيض قيمة الدينار العراقي وما قد يترتب عليه من آثار في الموازنة العامة ورواتب الموظفين والمتقاعدين ليس بالأمر الهين، فمثل هذه القرارات تمس حياة ملايين العراقيين، وتنعكس بصورة مباشرة على قدرتهم الشرائية ومستوى معيشتهم، ولا سيما أصحاب الدخل المحدود الذين أنهكتهم الأزمات المتلاحقة وارتفاع تكاليف الحياة.

ومن الإنصاف الإشارة إلى أن رئيس مجلس الوزراء، السيد علي الزيدي المحترم، يواجه تحديات اقتصادية وإدارية كبيرة، في ظل تراكمات ثقيلة خلّفتها الحكومات السابقة، التي انشغل بعضها بالمصالح الشخصية والحسابات السياسية الضيقة، وفتحت الباب أمام سياسات مالية وإدارية ساهمت في تعقيد الأوضاع الاقتصادية، وزيادة الأعباء المالية، وتراكم الديون والالتزامات على الدولة.

ومع ذلك، فإن مواجهة هذه التحديات تتطلب قرارات شجاعة وإصلاحات حقيقية، تضع مصلحة العراق وشعبه فوق كل اعتبار، وتبحث عن حلول للأزمات بأقل الخسائر الممكنة، بعيدًا عن تحميل المواطن البسيط فاتورة أخطاء لم يكن طرفًا فيها.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا تتجه الأنظار دائمًا نحو جيب المواطن عندما تضيق الموارد، في حين لا يحظى الهدر المالي ومواطن الفساد بالقدر نفسه من الاهتمام والمحاسبة؟

إن معالجة العجز في الموازنة العامة لا ينبغي أن تقتصر على دراسة تخفيض قيمة العملة أو تقليص النفقات التي تمس معيشة الموظفين، بل يجب أن تبدأ بمراجعة شاملة لأبواب الإنفاق الحكومي، والتدقيق في قوائم الرواتب، وملاحقة حالات التلاعب والتزوير والرواتب الوهمية، أينما وُجدت، دون استثناء أو مجاملة.

فمن غير المقبول أن تستمر الدولة في تحمل أعباء مالية ناجمة عن موظفين غير موجودين فعليًا في مواقع عملهم، أو عن أسماء تُدرج في قوائم الرواتب من دون استحقاق قانوني، في الوقت الذي يُطلب فيه من الموظف الحقيقي أن يتحمل تبعات الأزمة الاقتصادية، وقد يُهدَّد راتبه أو تتراجع قدرته الشرائية نتيجة قرارات مالية قاسية.

وهنا تبرز أهمية فتح ملفات الرواتب والتخصيصات المالية في مؤسسات الدولة، ولا سيما الجهات التي تثار بشأنها شبهات الهدر الإداري والمالي، بما فيها وزارات الصحة والعمل والشؤون الاجتماعية والكهرباء والزراعة، وغيرها من المؤسسات التي تحتاج إلى تدقيق جاد ومستقل، يكشف مكامن الخلل ويحدد المسؤوليات بالأدلة والوثائق.

كما أن أي مدفوعات تُصرف من المال العام تحت عناوين التعويضات أو الرواتب أو المخصصات، بما فيها الملفات المرتبطة بالشهداء وضحايا الحروب، ينبغي أن تخضع للمراجعة القانونية والمالية الدقيقة، مع ضمان حقوق المستحقين الحقيقيين وعدم الخلط بين الاستحقاقات الإنسانية والقانونية وبين حالات التزوير أو الاستغلال السياسي.

إن بناء دولة عادلة لا يعني حرمان المستحقين من حقوقهم، بل يعني منع غير المستحقين من الاستيلاء على أموالهم وأموال الشعب، ومحاسبة كل من يتلاعب بالمال العام، مهما كان موقعه أو الجهة التي تحميه.

ولو نجحت الحكومة في معالجة الهدر المالي بصورة جادة، والقضاء على الرواتب الوهمية والفضائيين، واسترداد الأموال المنهوبة، وإصلاح المؤسسات التي تعاني من الفساد الإداري والمالي، لأمكن توفير موارد كبيرة للخزينة العامة، وتخفيف الضغوط على الموازنة، وتحسين الخدمات، وحماية رواتب الموظفين من الإجراءات التي قد تزيد معاناتهم.

ولا يمكن الجزم بأن هذه الإجراءات ستضاعف الموازنة أو تقضي على العجز بالكامل من دون تدقيق الأرقام والبيانات المالية، لكن المؤكد أن كل مبلغ يُستنزف بغير وجه حق هو خسارة يتحملها الشعب العراقي، وكل ملف فساد يُترك من دون محاسبة يمثل فرصة ضائعة للإصلاح.

والأكثر إيلامًا أن هذه الخسائر تحدث في بلد يمتلك من الثروات والإمكانات ما يؤهله لتوفير حياة كريمة لأبنائه.

فالعراق، بلد الرافدين، وأرض الحضارات التي شهدت بدايات الكتابة وأولى التجارب القانونية في تاريخ البشرية، لا يليق به أن يبقى أطفاله في الشوارع وعند إشارات المرور، يتسولون من أجل لقمة العيش، أو يبحثون عن مبالغ يُجبرون على تسليمها لغيرهم في نهاية اليوم، في ظل ظروف قد تعرّضهم للاستغلال والعنف والاتجار بالبشر.

ولا يليق بهذا البلد أن يجلس بعض أطفاله على الأرض لتلقي الدروس في صفوف تفتقر إلى أبسط مقومات التعليم، أو أن يقطعوا طرقًا موحلة تعترضها المياه والفيضانات للوصول إلى مدارسهم، بينما تُهدر أموال عامة كان من الممكن أن تسهم في بناء المدارس وتأهيلها، وتحسين الخدمات الصحية، وتوفير بيئة آمنة تحفظ كرامة الإنسان وحقوقه.

إن هذه المشاهد ليست مجرد تفاصيل عابرة، بل هي مؤشرات على خلل عميق في ترتيب الأولويات، وعلى فجوة مؤلمة بين الإمكانات التي يمتلكها العراق والواقع الذي يعيشه كثير من أبنائه.

ومن هنا، فإننا نأمل من السيد رئيس مجلس الوزراء، علي الزيدي المحترم، أن يجعل مكافحة الفساد والهدر المالي في مقدمة أولوياته، وأن يوجّه بمراجعة شاملة وشفافة لقوائم الرواتب والإنفاق الحكومي، وأن يولي اهتمامًا خاصًا بحماية الفئات الفقيرة، وضمان حقوق الموظفين والمتقاعدين، وتوفير الرعاية الحقيقية للأيتام والأطفال المتشردين.

كما نأمل أن تكون أي معالجة للعجز المالي مبنية على دراسات اقتصادية دقيقة، وأن تُدرس آثار تخفيض قيمة الدينار على الأسعار والقدرة الشرائية قبل اتخاذ أي قرار، لأن استقرار العملة ليس مجرد رقم في الأسواق، بل هو عامل أساسي في استقرار حياة الأسر العراقية وأمنها المعيشي.

إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من جيب المواطن، بل من مراجعة أبواب الهدر، ومحاسبة الفاسدين، واستعادة الأموال المنهوبة، وإعادة توجيه موارد الدولة نحو ما يستحقه الشعب.

فالعراقي الذي صبر طويلًا على الأزمات يستحق أن يرى نتائج ملموسة للإصلاح، لا أن يظل الحلقة الأضعف في كل معالجة اقتصادية. ويستحق الموظف أن يطمئن إلى راتبه، والطفل أن يجد مكانًا آمنًا في مدرسته، والفقير أن يحصل على حقه في الرعاية والكرامة، وأن يشعر الجميع بأن ثروات بلدهم تُدار من أجلهم، لا على حساب مستقبلهم.

ختامًا، نتمنى للسيد رئيس مجلس الوزراء، علي الزيدي المحترم، التوفيق والسداد في أداء مسؤولياته الوطنية، وأن يوفقه الله لاتخاذ القرارات التي تحقق مصلحة العراق وشعبه، وتضع حدًا للهدر والفساد، وتفتح أبواب الأمل أمام الأجيال القادمة.

فالعراق لا تنقصه الثروات، بقدر ما يحتاج إلى إدارة عادلة، وإرادة صادقة، ومحاسبة لا تستثني أحدًا.

نسأل الله أن يحفظ العراق وأهله، وأن يوفّق كل من يعمل بإخلاص من أجل نهضته وازدهاره.

قد يعجبك ايضا
∧