من قاسم إلى الحسكة… حين لا تكفي الوعود لبناء الشراكة قراءة في هشاشة التفاهمات بين المركز والحركة الكوردية

ماهين شيخاني

تمهيد: التاريخ لا يكرر نفسه، لكنه يترك لنا إشارات
لا يعيد التاريخ أحداثه بحذافيرها، لكنه يضع أمام الشعوب أسئلة تتكرر بأشكال مختلفة: ماذا يحدث عندما تتقاطع مصالح السلطة المركزية مع تطلعات الشعب الكوردي؟ وهل يكفي الاعتراف بالشراكة في النصوص والتصريحات لبناء علاقة سياسية مستقرة؟ أم أن الشراكة تظل هشة ما لم تتحول إلى حقوق واضحة، ومؤسسات فاعلة، وضمانات دستورية لا تتوقف على إرادة الحاكم؟
تقدم تجربة عبد الكريم قاسم وملا مصطفى البارزاني في العراق بين عامي 1958 و1963 مثالاً تاريخياً يستحق الدراسة. واليوم، تطرح التطورات السورية، وما رافق اتفاقات الدمج بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية من تحولات عسكرية وإدارية، أسئلة مشابهة حول مستقبل الحقوق الكوردية وموقعها في الدولة.
لا يعني ذلك أن التجربتين متطابقتان، ولا أن نتائج إحداهما تحدد بالضرورة مصير الأخرى. لكن بينهما قاسماً مشتركاً يستحق التأمل: الفجوة التي قد تنشأ بين الاعتراف بالشراكة من جهة، وتحويلها إلى حقوق سياسية قابلة للحماية من جهة أخرى.
أولاً: قاسم والبارزاني… من التقارب إلى المواجهة
في 14 تموز 1958، أطاحت الثورة بالنظام الملكي في العراق، وبدأت مرحلة سياسية جديدة بقيادة عبد الكريم قاسم. وفي سياق التحولات التي أعقبت الثورة، عاد الملا مصطفى البارزاني من منفاه في الاتحاد السوفييتي، واستُقبل بحفاوة.
بدا المشهد وكأنه يفتح صفحة جديدة في العلاقة بين بغداد والحركة الكوردية.
وقد تضمن الدستور العراقي المؤقت لعام 1958 اعترافاً مهماً، إذ نصت مادته الثالثة على أن العرب والكورد شركاء في الوطن. كما حصل الحزب الديمقراطي الكوردستاني على الاعتراف القانوني عام 1960.
لم تكن هذه الخطوات بلا قيمة؛ فقد مثلت اعترافاً سياسياً ودستورياً بالشراكة الكوردية–العربية. لكن الاعتراف بالشراكة لم يتحول إلى نظام للحكم الذاتي يحقق المطالب الكوردية.
وهنا بدأت الفجوة تتسع بين التوقعات والواقع.
لم تكن المسألة مجرد اختلاف على تصريح أو منصب، بل كانت تتعلق بطبيعة الدولة نفسها: ما حدود صلاحيات المركز؟ وما مساحة الإدارة الكوردية؟ وكيف يمكن ضمان الحقوق القومية والسياسية داخل العراق؟
ومع تصاعد الخلاف، أخذت العلاقة تتدهور. وبدلاً من الوصول إلى تسوية سياسية مستقرة، تصاعدت التوترات، وظهرت المواجهات المسلحة بين الحركة الكوردية والحكومة العراقية.
وفي أيلول 1961، دخل النزاع مرحلة الحرب الواسعة، بعدما سبقتها توترات واشتباكات. ولم تنتهِ المواجهة بسقوط نظام قاسم في شباط 1963، بل استمرت في ظل حكومات عراقية متعاقبة حتى اتفاق 11 آذار 1970.
وهذه نقطة أساسية ينبغي ألا نغفلها: لم تكن تجربة أيلول حرباً مع حاكم واحد استمرت طوال عقد، بل صراعاً ممتداً تعاقبت عليه سلطات مختلفة، وإن بقيت قضية الحقوق الكوردية في صلبه.
كان الاعتراف الدستوري خطوة مهمة، لكنه لم يكن كافياً لمنع انهيار العلاقة عندما تعثرت التسوية السياسية وتصاعد الصراع على السلطة والحقوق.
ثانياً: الدرس التاريخي… أين تتوقف الشراكة وتبدأ الأزمة؟
لا ينبغي قراءة تجربة قاسم والبارزاني باعتبارها قصة بسيطة عن حاكم خدع الكورد منذ البداية، أو عن اتفاق لم يحمل أي قيمة. فالتاريخ أكثر تعقيداً من ذلك.
كان هناك تقارب سياسي حقيقي في مرحلة ما بعد الثورة، وكانت للشراكة إشارات دستورية وقانونية. لكن الخلاف حول الحكم الذاتي، وموازين القوى، والصراع داخل الدولة العراقية، والتوترات المتصاعدة، كلها ساهمت في انتقال العلاقة من التقارب إلى المواجهة.
والدرس الأهم ليس أن كل تفاهم مع المركز محكوم بالفشل، بل أن التفاهم السياسي لا يستطيع الصمود طويلاً إذا لم توجد آليات واضحة لمعالجة الخلافات وتنفيذ الالتزامات.
فالاعتراف بالحقوق شيء، وتحديد كيفية ممارستها شيء آخر.
والتصريح بالشراكة شيء، وتوزيع الصلاحيات وضمان المشاركة شيء آخر.
أما الاختبار الحقيقي، فيظهر عندما تختلف الأطراف: هل توجد مؤسسات تفصل في النزاع؟ وهل تستطيع الأطراف الاعتماد على القانون، أم تصبح الحقوق رهينة ميزان القوة المتغير؟
ثالثاً: سوريا… من اتفاق الدمج إلى سؤال الحقوق
دخلت العلاقة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية مرحلة جديدة مع اتفاق 10 آذار 2025، الذي نص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في روژآڤاي كوردستان (شمال شرقي سوريا ) ضمن مؤسسات الدولة.
لكن تنفيذ الاتفاق واجه صعوبات وخلافات، ولم تتحقق التسوية السياسية التي كان مأمولاً أن تنظم العلاقة بين الطرفين بصورة مستقرة.

وفي كانون الثاني 2026، وبعد تصعيد عسكري وتغيرات كبيرة في السيطرة على الأرض، جاءت اتفاقات جديدة لوقف إطلاق النار والدمج. وتضمنت هذه التفاهمات نقل مؤسسات مدنية، وترتيبات عسكرية وأمنية، وتمثيلاً في مؤسسات الدولة، ومعالجة بعض الحقوق المدنية والثقافية للكورد.
وفي 25 آب 2026، أعلن مظلوم عبدي انتهاء مهمة قسد بوصفها قوة عسكرية مستقلة، في إطار دمج قواتها ضمن ألوية الجيش السوري.
هذه التطورات تعني أن المشهد لم يعد مجرد هدنة عسكرية بين طرفين يحتفظ كل منهما ببنيته السابقة؛ بل أصبح عملية انتقال إلى مؤسسات الدولة، مع بقاء أسئلة مهمة حول شكل الإدارة المحلية، وضمان الحقوق القومية، وحدود اللامركزية، ومكانة هذه الحقوق في الدستور الدائم.
وهنا ينبغي أن يكون النقاش دقيقاً.
فالاتفاقات تضمنت بنوداً تتعلق بالحقوق الكوردية والتمثيل والإدارة، كما صدر المرسوم رقم 13 لعام 2026 بشأن حقوق ثقافية ولغوية ومدنية للكورد. لذلك لا يصح القول إن الاتفاق لم يعترف بأي حقوق أو لم يتضمن أي ترتيبات للتمثيل.
لكن وجود هذه البنود لا يحسم وحده السؤال الأهم: ما الذي سيصبح حقاً دستورياً ثابتاً، وما الذي سيبقى خاضعاً للقوانين والقرارات التنفيذية والتوازنات السياسية؟
وقد أشار تقرير خدمة أبحاث البرلمان الأوروبي الصادر في تموز 2026 إلى أن اتفاقات الدمج لم تحسم المطالب الكوردية المتعلقة باللامركزية وتثبيت الحقوق الكوردية في الدستور. وهذا يوضح الفارق بين تحقيق تقدم في بعض الملفات وبين الوصول إلى تسوية دستورية شاملة.
رابعاً: الحسكة… الخطر في تحويل الاختلاف إلى صراع أهلي
تكتسب الحسكة أهمية خاصة؛ لأنها تضم مكونات سكانية متعددة، ولأن مستقبلها يرتبط بقضايا الإدارة والأمن والموارد والحقوق الثقافية والسياسية.
ومع الانتقال إلى ترتيبات جديدة، يمكن أن تظهر خلافات حول الصلاحيات، والموارد، والخدمات، والتعليم، وطبيعة المؤسسات المحلية، ودور القوات الأمنية.
لكن هذه الخلافات لا ينبغي أن تتحول إلى صراع بين الكورد والعرب.
فليس كل خلاف إداري مؤامرة، وليس كل اعتراض دليلاً على فتنة، كما لا يجوز تجاهل أي خطاب تحريضي أو اعتداء موثق بذريعة أن المنطقة تمر بمرحلة انتقالية.
وقد شهدت المنطقة توترات واحتجاجات ومخاوف تتعلق بالخدمات والحقوق ومسار الدمج. غير أن اتهام جهات محددة بإدارة حملة ممنهجة لإشعال فتنة عربية–كوردية يحتاج إلى أدلة موثقة، لا إلى الاستنتاج وحده.
المطلوب هنا هو التحقيق في الوقائع، ومحاسبة المسؤولين عن التحريض أو الانتهاكات إن ثبتت، وحماية المدنيين، ومنع استغلال التوترات لإثارة العداوة بين المكونات.
فالعرب والكورد ليسوا طرفين متناقضين بحكم هويتهم، ولا ينبغي أن يصبح الخلاف السياسي بين السلطات أو القوى العسكرية سبباً لاتهام جماعة كاملة أو تحميلها مسؤولية أفعال أفراد.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في الحسكة هو أن يتحول الخلاف على شكل الدولة وإدارتها إلى خصومة بين مكونات المجتمع نفسه.
خامساً: ما الذي يمكن أن نتعلمه من تجربة قاسم؟
تقدم التجربة العراقية عدداً من الدروس التي يمكن الاستفادة منها في قراءة الواقع السوري، من دون افتراض أن التاريخ سيكرر نتائجه بالضرورة.
أولاً: الاعتراف وحده لا يكفي.
كان الاعتراف الدستوري بالشراكة الكوردية–العربية في العراق خطوة مهمة، لكنه لم يمنع اندلاع الحرب. ولذلك ينبغي أن يتجاوز الاعتراف الرمزي إلى تحديد الحقوق والصلاحيات وآليات تنفيذها.
ثانياً: الحقوق تحتاج إلى ضمانات قابلة للتطبيق.
لا يكفي أن ينص اتفاق على التمثيل أو الحقوق الثقافية إذا بقيت كيفية تنفيذها غامضة، أو إذا لم توجد مؤسسات وآليات واضحة لمتابعة الالتزامات وحل الخلافات.
ثالثاً: التفاوض ليس ضعفاً، لكنه يحتاج إلى وضوح.
لا ينبغي رفض الاتفاقات لمجرد أن الطرف الآخر هو السلطة المركزية. فالتفاوض قد يوقف الحرب، ويعيد المؤسسات، ويحمي السكان. لكن نجاحه يتوقف على شروطه، وعلى قدرة الأطراف على تنفيذ التزاماتها، وعلى وجود آليات تمنع تحول الخلاف إلى مواجهة جديدة.
رابعاً: الوحدة الكوردية عامل مهم، لكنها ليست العامل الوحيد.
يساعد التنسيق الكوردي على توحيد المطالب وتوضيح الأولويات، ويقلل من قدرة الأطراف الأخرى على استغلال الخلافات. لكنه لا يغني عن بناء تحالفات سورية أوسع، ولا يلغي تأثير موازين القوى الإقليمية والدولية.
خامساً: لا ينبغي تحويل التاريخ إلى نبوءة.
انتهت تجربة قاسم إلى مواجهة مسلحة، لكن ذلك لا يعني أن كل تفاهم بين الكورد والمركز سيسلك المسار نفسه. وظيفة التاريخ أن يساعدنا على فهم المخاطر وتجنبها، لا أن يدفعنا إلى الاعتقاد بأن النتائج محسومة سلفاً.

قد يعجبك ايضا
∧