صناعة الانهيار الهادئ: هل خضع العراق لمراحل “بيزمينوف” الأربع بعد عام 2003؟

أ.د.خليل مصطفى عثمان

في ثمانينيات القرن العشرين، كشف ضابط المخابرات السوفيتية المنشق يوري بيزمينوف عن إستراتيجية خفية لإسقاط الدول أطلق عليها اسم “التخريب الأيديولوجي”؛ وهي عملية طويلة المدى لا تُدار بالأسلحة التقليدية، بل بتفكيك البنية الفكرية والمجتمعية للخصوم عبر أربع مراحل متتابعة تبدأ بـ “تقويض القيم”، ثم “زعزعة الاستقرار”، مروراً بـ “الأزمة”، وصولاً إلى “التطبيع”. وعند إسقاط هذه النظرية على الواقع العراقي منذ عام 2003 وحتى اليوم، يتجلى لنا كيف تحول العراق إلى نموذج تطبيقي حي لهذه الإستراتيجية، حيث تضافرت التدخلات الخارجية مع الانقسامات الداخلية لتُدخِل البلاد في دوامة غير مسبوقة من التفكك المؤسسي والاجتماعي.
بدأت الملامح في الواقع العراقي مع استهداف المنظومة الثقافية و العلمية والاجتماعية عبر ضرب مبادئ الشراكة والتعددية، حيث تجسدت مرحلة تقويض القيم في العجز عن بناء عقد اجتماعي متين، والتهميش المستمر والتجاهل لعدم احترام والحفاظ على الحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي والمكونات الأصيلة الأخرى، وعدم تطبيق البنود الدستورية التي كفلت هذه الحقوق وزعزعت الثقة بالوثيقة الوطنية العليا. ترافق ذلك مع غياب سياسات تحترم الخصوصيات التنوعية للنسيج العراقي الفسيفسائي، إلى جانب تراجع تدريجي للمؤسسات التعليمية والثقافية وتفشي الفساد المالي والإداري، مما خلق حالة من الاغتراب وفقدان الثقة بجدوى الدولة ومؤسساتها.
ولم يلبث المشهد أن انتقل سريعاً إلى مرحلة زعزعة الاستقرار، حيث انزلقت البلاد إلى أحداث عنف طائفي قسّمت المدن وأضعفت النسيج الاجتماعي، مع استمرار الخلافات الأربيلية-البغدادية حول الملفات النفطية والأمنية والمناطق المقتطعة بسبب الانقلاب على الاتفاقات الدستورية. وفي الوقت نفسه، تحول الاقتصاد العراقي إلى اقتصاد ريعي يعتمد بالكامل على النفط مع تعطيل القطاعات الإنتاجية، مما خلق أزمات معيشية حادة مترافقة مع بروز مراكز قوى مسلحة متعددة جعلت مفهوم “احتكار الدولة للسلاح” مجرد عنوان نظري.
وصلت هذه التراكمات إلى ذروتها في مرحلة الأزمة الشاملة، والتي تمثلت أعتى صورها في الانكسار الأمني الكبير عام 2014 وسيطرة تنظيم داعش على مساحات شاسعة من الاراضي، وما تلاها من تهجير للملايين واستنزاف لموارد الدولة. ثم تكررت مظاهر الأزمة بشكل آخر في الاحتجاجات الشعبية والانسداد السياسي المتكرر الذي أعقب كل استحقاق انتخابي نتيجة غياب التوافق الحقيقي وغياب الشراكة الوطنية العادلة.
واليوم، يخوض العراق ما وصفه بيزمينوف بمرحلة التطبيع، حيث أصبحت الأزمات البنيوية خياراً لا مفر من التعايش معه؛ فخرق الدستور، وضعف الخدمات، وتجاهل حقوق المكونات، وتهميش الخصوصيات الثقافية لم تعد تُعامل كحالات انحراف طارئة تستوجب المعالجة الفورية، بل كواقع قائم يُفرض على الجميع.
إن تجربة العراق بكل مآسيها تثبت أن الانهيار لم يكن حتمية تاريخية، بل كان نتيجة مسار خُطّت ملامحه بأيدي من استسهلوا تفكيك الدولة وهدم ركائزها. إن المخرج الوحيد للانفكاك من هذه الدورة التي حذر منها بيزمينوف، لا يكمن في الترقيع السياسي أو المسكنات المؤقتة، بل في مواجهة شجاعة تبدأ بإقرار وثيقة وطنية جامعة تُحترم فيها الحقوق القومية للكورد وكافة المكونات دون استعلاء أو تهميش، والتزام صارم وغير مشروط بالدستور، وإعادة الاعتبار للمواطنة الكاملة كمعيار رئيسي للانتماء.
يكتمل هذا المسار بـثورة إصلاحية شاملة تعيد للتعليم دوره القيادي في بناء العقل النقدي وتحديث المناهج بعيداً عن التسييس، وتنبعث معها ثقافة واعية ترسي قيم التسامح والتنوع والتفكير الحر. ولا يمكن لتلك الثقافة والتعليم أن يثمرا بدون اقتصاد تنموي حقيقي يكسر قيود الهيمنة الريعية النفطية، ويحارب الفساد البنيوي، ويدعم الإنتاج والابتكار ليضمن كرامة المواطن. إن بناء دولة المؤسسات والقانون القائمة على التعليم، الثقافة، الاقتصاد المستدام، والشراكة العادلة ليس خياراً يحتمل المناورة، بل هو طوق النجاة الأخير للعبور بالعراق من مرحلة “التطبيع مع الخراب” إلى رحاب الاستقرار والسيادة والوجود.

قد يعجبك ايضا
∧