الصحفي والمحامي عرفان الداوودي
في الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة العراقية عن صعوبة الوضع الاقتصادي، وانقطاع تصدير النفط، وإغلاق مضيق هرمز، وخيارات الاقتراض أو تأخير الرواتب أو اللجوء إلى إجراءات مالية جديدة، يبرز سؤال جوهري يطرحه المواطن العراقي بمرارة: لماذا تكون جيوب الفقراء والموظفين والمتقاعدين أول ما تلجأ إليه الدولة عند مواجهة الأزمات، بينما لا تُطرح الامتيازات العليا بالجدية نفسها للمراجعة والتخفيض؟
إن المواطن العراقي لا ينكر صعوبة الأوضاع الاقتصادية، ولا يتجاهل ما قد تواجهه الدولة من تحديات مالية، لكنه يطالب بالعدالة في توزيع الأعباء، وبأن تبدأ إجراءات التقشف من مواقع المسؤولية والامتيازات العليا، لا من لقمة عيش المواطن الذي أنهكته سنوات الانتظار والوعود.
المواطن بين راتب التقاعد وامتيازات المسؤولين
كيف يمكن لمتقاعد أفنى عمره في خدمة الدولة أن يواجه متطلبات الحياة براتب قد لا يتجاوز 700 ألف دينار شهرياً، أو لمستفيد من الرعاية الاجتماعية أن يدبر شؤون أسرته بمبلغ يقارب 450 ألف دينار، في وقت يطالب فيه المواطن بمراجعة الرواتب والمخصصات والامتيازات التي تُمنح للرئاسات الثلاث، والوزراء، وأعضاء مجلس النواب، والوكلاء، والمديرين العامين، والمستشارين؟
إن المقارنة هنا ليست انتقاصاً من أي منصب أو مسؤولية، ولا دعوة إلى ظلم أصحاب الحقوق، بل هي مطالبة صريحة بإعادة النظر في الفوارق المالية الكبيرة، والتحقق من مدى تناسب الرواتب والمخصصات مع المسؤوليات والنتائج الفعلية للعمل العام.
أما أعداد المستشارين والوظائف العليا، وما يُنفق عليها من المال العام، فينبغي إخضاعها لتدقيق مهني ومالي شفاف، للكشف عن الحاجة الحقيقية لكل منصب، ومدى إسهامه في تحسين أداء الدولة. فالمناصب التي لا تستند إلى حاجة فعلية أو اختصاص واضح يجب إعادة تقييمها وفق القانون، بدلاً من استمرار استنزاف المال العام.
إذا كانت الأزمة وطنية، فلتكن التضحية وطنية
إن الوطنية ليست شعاراً يُرفع في المؤتمرات، ولا كلمات تُلقى أمام الكاميرات، ولا حديثاً عن مصلحة الخزينة بينما يتحمل المواطن وحده نتائج القرارات الاقتصادية.
الوطنية مسؤولية وتضامن، وتظهر حقيقتها حين تضيق الأحوال ويحتاج الشعب إلى موقف عملي من مسؤوليه.
ومن هنا، فإن المطلوب من الرئاسات الثلاث والحكومة والبرلمان أن يدرسوا تخفيضاً مؤقتاً ومدروساً للرواتب العليا والمخصصات والامتيازات غير الضرورية، بما يتناسب مع حجم الأزمة، وأن يقدموا نموذجاً حقيقياً للتقشف يبدأ من أعلى هرم الدولة، بالتوازي مع حماية الرواتب الأساسية للموظفين والمتقاعدين والفئات الهشة.
فهل يمكن للمسؤولين أن يشاركوا الشعب همومه مرة واحدة، وأن يشعروا بمعاناة الأسرة التي تنتظر راتبها لتشتري الدواء والغذاء وتسدد إيجار المنزل؟
إن التضامن المطلوب ليس إجراءً شكلياً أو حملة إعلامية مؤقتة، بل سياسة مالية عادلة، معلنة، وقابلة للقياس والمحاسبة.
رفع سعر الدولار… من يتحمل النتيجة؟
أما الحديث عن تغيير سعر صرف الدولار بهدف توفير إيرادات إضافية للخزينة، فيستوجب نقاشاً اقتصادياً مسؤولاً يضع آثار القرار على المواطنين في صلب الحسابات.
فأي تغيير في سعر الصرف قد يؤثر في كلفة الاستيراد والأسعار والقوة الشرائية، بحسب طبيعة الأسواق والسياسات المصاحبة ومدى قدرة الحكومة على ضبط التجاوزات. ولذلك لا يجوز التعامل مع نجاح السياسة المالية من خلال مقدار الأموال التي تدخل الخزينة وحده، بل يجب قياسه أيضاً بمدى حماية معيشة المواطنين واستقرار الأسواق.
إن خزينة الدولة ليست غاية منفصلة عن الشعب؛ فالمال العام وُجد لخدمة المواطنين، وليس من المقبول أن تتحسن بعض المؤشرات المالية فيما تتراجع قدرة الأسر الفقيرة على تأمين احتياجاتها الأساسية.
وإذا كانت الحكومة تبحث عن موارد إضافية، فعليها أن تدرس بجدية تقليص الإنفاق غير الضروري، ومكافحة الفساد والهدر، ومراجعة العقود والامتيازات، وتحسين تحصيل الإيرادات المستحقة، وإصلاح المؤسسات المتعثرة، بدلاً من الاعتماد على إجراءات قد تزيد الأعباء على ذوي الدخل المحدود.
القانون يفرض العدالة وحماية المال العام
من الناحية القانونية، فإن الدستور العراقي يؤسس لمبادئ المساواة أمام القانون، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، كما يضع المال العام في إطار الحماية والمسؤولية. وهذه المبادئ تفرض على مؤسسات الدولة أن تتعامل مع الموارد العامة بوصفها أمانة وطنية، وأن تخضع النفقات والرواتب والمخصصات للشفافية والرقابة والمساءلة.
ولا يعني ذلك أن تخفيض الرواتب أو إلغاء المخصصات يمكن أن يتم بقرار اعتباطي أو خارج الأطر القانونية؛ بل يجب أن يستند إلى تشريعات وإجراءات أصولية، مع احترام الحقوق المكتسبة والضوابط الدستورية والقانونية ذات الصلة.
ومن الضروري أيضاً أن يُعرض على الرأي العام تقرير مالي واضح يبيّن حجم الإنفاق على الرئاسات والدرجات الخاصة والمستشارين والحمايات والمركبات والسفر والإيفادات، مع توضيح ما يمكن توفيره فعلياً من مراجعة هذه النفقات، بعيداً عن الأرقام غير الموثقة والشعارات السياسية.
فالمحاسبة لا تتحقق بالاتهامات وحدها، بل بالوثائق والأرقام والتدقيق المستقل، وبملاحقة كل مخالفة وفق القانون، أياً كان موقع مرتكبها.
رسالة إلى الرئاسات الثلاث والبرلمان والحكومة
إن الشعب العراقي لا يطلب المستحيل، ولا يريد أن تتحول الأزمات الاقتصادية إلى ساحة لتبادل الاتهامات بين المؤسسات. إنه يريد أن يرى قرارات عملية تنعكس على حياته اليومية، وأن يشعر بأن المسؤول الذي يطالبه بالصبر مستعد لمراجعة امتيازاته وتحمل نصيبه من الأعباء.
نطالب بمراجعة شاملة للرواتب والمخصصات العليا، وتدقيق أعداد المستشارين وجدوى مناصبهم، وتقليص النفقات البروتوكولية والسفر والإيفادات غير الضرورية، ونشر بيانات الإنفاق بشفافية، وتوجيه الوفورات المتحققة وفق القانون إلى دعم الخدمات الأساسية وحماية الفئات الأكثر احتياجاً.
كما نطالب بوضع ضمانات واضحة تمنع استخدام الأزمة ذريعة للمساس غير العادل بالرواتب التقاعدية أو الإعانات الاجتماعية، وتكفل وصول الدعم إلى مستحقيه.
إن المسؤولية ليست امتيازاً دائماً، بل تكليف لخدمة الناس. والمنصب العام ليس وسيلة للابتعاد عن معاناة المواطنين، بل فرصة لإثبات القدرة على الإنصاف وتحمل المسؤولية.
وفي الختام، نقول لكل مسؤول يتحدث عن عجز الموازنة وضغوط الاقتصاد: ابدأوا بمراجعة الإنفاق الذي تستطيعون تغييره قانونياً، وقدموا للشعب حساباً واضحاً لما وفرتموه من امتيازاتكم قبل أن تطلبوا منه المزيد من الصبر.
فالعراق لا يُبنى بالأرقام وحدها، ولا تُحمى خزينته على حساب كرامة مواطنيه. إنما تُبنى الدولة العادلة حين يشعر المتقاعد والموظف والعامل والمستفيد من الرعاية الاجتماعية بأنهم شركاء في الوطن، لا الحلقة الأضعف التي تتحمل كل أزمة.
إذا كانت الأزمة أزمة وطن، فلتكن المسؤولية وطنية، والتضحية عادلة، والمحاسبة شاملة، وليكن المواطن أول من تحمونه، لا أول من تطلبون منه دفع الثمن .
رع