بقلم انس الشيخ مظهر
في ختام الدورة العشرين لمعهد كوادر الحزب الديمقراطي الكوردستاني، قال الرئيس مسعود بارزاني جملتين بصوت واثق وهادئ هما:-
“علاقة الإقليم بالحكومة الاتحادية جيدة في الوقت الحالي”،
و
”كوردستان تطالب فقط بتطبيق الدستور”.
من سمعهما بسرعة ظنهما مجاملة سياسية. ومن قرأهما بتمعن وجد فيهما أثقل اتهام يمكن أن يُقال بلغة دبلوماسية … دولة كتبت دستورها بيدها، وما زالت بعد أكثر من عشرين سنة لا تنفذه.
إذا كان ما تطلبه كوردستان موجوداً في الدستور، فلماذا يحتاج تنفيذه إلى مفاوضات ولجان وضمانات جديدة؟ وإذا لم يكن موجوداً، فليقل أصحاب هذا الرأي ذلك علناً، وليعترفوا أن مشكلتهم ليست مع المطالب الكوردية، بل مع فكرة الدولة الاتحادية نفسها. أما الاختباء خلف الغموض فلم يعد ينفع.
لاحظ الكورد منذ سنوات نمطاً يتكرر. عندما تُشكَّل حكومة في بغداد، يصبح الصوت الكوردي مطلوباً، وتُكتب الاتفاقات وتُوزَّع الوعود. وعندما تستقر الحكومة، تنتهي الحاجة، وتُدفن الوعود في الأدراج. كأن الحقوق الدستورية للإقليم لها موسم مثل المواسم الانتخابية، تظهر مع تشكيل الحكومات وتختفي بعدها.
وهكذا يدفع الكورد الثمن مرتين , مرة حين يدعمون الحكومة بأصواتهم، ومرة حين ينتظرون سنوات ليحصلوا على شيء كان من حقهم أصلاً. هذه ليست شراكة , بل معاملة يأخذ فيها طرف مقدماً ويؤجل الدفع إلى أجل غير معروف.
الأمر المسكوت عنه أن الإهمال لا يخص الكورد وحدهم. المادة 140 كانت تنص على موعد ينتهي في آخر 2007، وقد مضى عليه نحو تسعة عشر عاماً. قانون النفط والغاز الذي وعد به الدستور لم يصدر. ومجلس الاتحاد، وهو الغرفة التي يفترض أن تمثل الأقاليم والمحافظات وتحمي التوازن بين المركز وغيره، لم يُشكَّل حتى اليوم.
هذه ليست تفاصيل فنية. إنها الأجزاء التي تقيّد المركز نفسه. فالدستور الذي يُنفَّذ كاملاً يحدّ من سلطة بغداد، ولذلك تفضل أن تنفذ منه ما يريحها وتترك الباقي معلقاً. الدستور عند من يحكم لا يُرفض صراحة، بل يُهمَل بهدوء، وهذا أخطر من الرفض.
وفي كلمته أشار بارزاني إلى الاتفاق بين رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني وهادي العامري، الأمين العام لمنظمة بدر. وقال إن تنفيذه أمر جيد، وإن لم يُنفَّذ فسنفكر في موقفنا. الكلام دبلوماسي ، لكنه إنذار مبكر واضحمفاده اننا لن نحكم على الورق بل على النتائج.
لكن هناك نقطة قلّما يذكرها أحد. لماذا يحتاج حق دستوري إلى اتفاق مع زعيم سياسي؟ ففي الدولة المؤسسية يضمن الحقَّ قانونٌ أو محكمة أو وزارة تلتزم بعملها. أما أن يبحث الإقليم عن ضمانة عند شخصية حزبية، فهذا يعني أن القرار الحقيقي لا يُصنع دائماً داخل المؤسسات. وكوردستان لا تذهب إلى هذه الأبواب هرباً من الدولة، بل لأن الدولة نفسها لم تُظهر أنها هي الجهة التي تنفذ.
ويظهر هذا الخلل بأوضح صورة في ملف الرواتب. هناك مواطن في دهوك أو السليمانية أو أربيل يدفع الضرائب ويحمل الجنسية العراقية، ثم يجد راتبه يتأخر كلما ساءت الأجواء بين السياسيين. هذا المواطن لم يشارك في الخلاف، ولم يوقّع أي اتفاق، ومع ذلك يعاقَب على خلاف لا شأن له فيه.
الدولة التي تجعل الراتب ورقة ضغط لا تعاقب خصمها السياسي، بل تعاقب مواطنيها. ومن يفعل ذلك لا يحق له أن يطلب من الناس بعدها أن يحبوا الدولة ويثقوا بها. الثقة لا تُبنى برواتب تصل أو لا تصل بحسب المزاج السياسي.
وعلى الصعيد الإقليمي، أكد بارزاني أن الكورد يريدون أفضل العلاقات مع الجميع، وأنهم ليسوا أعداء لإيران ولا لتركيا ولا لأي طرف. وأشار إلى أن الإقليم تمكن إلى حد كبير من حماية شعبه من تداعيات الحرب الكبرى في المنطقة. بعضهم يقرأ ذلك على أنه حياد بارد. الحقيقة أنه خدمة للعراق كله، قدّمتها كوردستان ولم تطلب عليها جزاءا ولا شكورا.
فهدوء الإقليم يعني أن العراق لا تُفتح عليه جبهة إضافية. وهو يعني مكاناً آمناً استقبل أكثر من مليون نازح عراقي بعد 2014، ويعني بوابة مفتوحة للدبلوماسيين والشركات والمستثمرين. بغداد تتعامل مع هذا الاستقرار كأنه مجاني وكأن لا ثمن له. لكنه قرار سياسي صعب، اتخذته قيادة الإقليم في وقت كانت فيه أطراف أخرى في المنطقة تدفع ثمن الاصطفافات.
ويبقى الخطأ الأكبر في حسابات بعض السياسيين في بغداد هو الظن بأن هدوء كوردستان دليل ضعف، وأن صبرها بلا حدود. لكن الهدوء خيار، والخيارات تُراجع. ولهذا كان معنى كلمة «سنفكر في موقفنا» هوإن من اختار الحوار قادر على أن يعيد النظر فيه إذا أصبح الحوار وسيلة للتأجيل.
ثم إن قوة الإقليم ليست خسارة للعراق. على العكس، الفيدرالية التي تنجح في كوردستان هي أفضل دعاية للدولة العراقية. أما المركز الذي يرى في كل نجاح لأربيل تهديداً له، فهو يعيش بعقلية قديمة لا تصلح لدولة اتحادية.
الكلام الجميل عن الأخوة والشراكة الذي تطلقه بغدادلا يكفي. المطلوب خطوات واضحة تتمثل ب :
1.جدول زمني معلن وملزم لتنفيذ المادة 140، بدل تأجيلها من حكومة إلى أخرى.
2. إصدار قانون النفط والغاز، حتى لا تبقى الثروة سبباً دائماً للخلاف.
3. تشكيل مجلس الاتحاد كما ينص الدستور، ليكون للأقاليم صوت ثابت داخل الدولة.
4. فصل رواتب موظفي الإقليم عن الخلافات السياسية، وجعلها التزاماً قانونياً ثابتاً.
5. تحويل أي اتفاق سياسي يتعلق بالإقليم إلى قرار أو قانون رسمي، بدل أن يبقى وعداً شفهياً.
خلاصة كلمة الرئيس بارزاني معادلة واضحة. كوردستان تريد علاقة جيدة مع بغداد، لكن ليس على حساب حقوقها. تريد عراقاً مستقراً، لكن ليس استقراراً مبنياً على تجاهل الدستور. وتريد الحوار، لكن ليس حواراً يتحول إلى وسيلة دائمة للتأجيل.
وعلى بغداد أن تختار بين دولة اتحادية تحترم دستورها وشركاءها، أو مركزاً يتذكر الشراكة وقت الحاجة وينساها وقت الراحة. والتجربة علمت الجميع أن هذا التناقض لن يحل المشكلة الكوردية فقط، بل سيبقي المشكلة العراقية كلها مفتوحة على أزمة جديدة.
كوردستان ليست مطالبة بأن تشرح في كل مرة لماذا تريد حقوقها. الذي يحتاج إلى شرح هو … لماذا تبقى هذه الحقوق، بعد أكثر من عشرين سنة، بحاجة إلى اتفاق جديد كي تُنفَّذ؟