د. نورالدين خوشناو
المعهد الإسكندنافي لأبحاث الشرق الأوسط (SMERI)
في العمل العام، لا تُقاس قيمة المسؤول بمنصبه وحده، بل بقدرته على الاقتراب من الناس، والاستماع إلى المختلفين معه، وفتح الأبواب أمامهم دون أن يسألهم أولاً عن انتماءاتهم الحزبية. وفي واقع الجالية الكوردستانية في المهجر، حيث تتعدد الاتجاهات والتجارب والأفكار، تصبح هذه القدرة أساساً لبناء الثقة، وصون الروابط التي تجمع أبناء الوطن الواحد
ولعلّ الرد على التجريح ليس ضرورياً في كل مرة؛ فليس كل كلام يستحق جواباً، ولا كل إساءة تستحق أن ننشغل بها. لكنني أجد في كتابة هذه الكلمات مسؤولية أخلاقية وتاريخية، وشهادة إنصاف لا ينبغي أن يحجبها الصمت. فحين يختلط النقد بالتجريح، يصبح من واجبنا أن نقول ما نراه حقاً، دون أن ننجرّ إلى لغة الإساءة نفسها
من هذه الزاوية، أرى أن ما يستحق التقدير في تجربة كاك شفاء بارزاني هو نهج الانفتاح الذي تصفه الشهادات المؤيدة له؛ التعامل مع الكوردستانيين على أساس هويتهم المشتركة، واحترامهم دون تمييز بسبب آرائهم أو توجهاتهم السياسية. فالمسؤول الذي يلتقي المختلفين معه، ويستمع إليهم، ويمنحهم مساحة للحوار والمشاركة، يقدّم ممارسة نحن بحاجة إليها في حياتنا العامة.

ليس مطلوباً من الإنسان أن يتخلى عن قناعاته حتى يكون منصفاً، ولكن المطلوب ألّا يجعل قناعاته شرطاً لاحترام الآخرين أو خدمتهم. وقيمة المسؤول تظهر حين يستطيع الفصل بين انتمائه الشخصي ومسؤوليته تجاه الجميع؛ فلا يصبح القرب الحزبي امتيازاً، ولا يتحول الاختلاف الفكري إلى سبب للإقصاء
وهذا، في تقديري، هو جوهر الصورة الإيجابية التي يرسمها كثيرون لكاك شفاء بارزاني: شخصية مستعدة للقاء أبناء الجالية بمختلف وجهات نظرهم، والتعامل معهم بروح التقارب، وإبقاء مساحة مشتركة تتسع للجميع. وهي ممارسة تستحق التشجيع، لأن الكورد في المهجر يحتاجون إلى من يجمع طاقاتهم ويحترم تنوعهم
وكاك شفاء بارزاني، وهو من أحفاد البارزاني الخالد، الملا مصطفى بارزاني، يحمل اسماً له مكانته في الوجدان الكوردي، وإرثاً يضع على عاتقه مسؤولية كبيرة تجاه شعبه. وما يمنح هذا الامتداد معناه في نظر محبّيه هو ما يلمسونه فيه من حُسن الخُلُق، والتواضع، وسعة الصدر، واحترام الناس على اختلاف آرائهم وانتماءاتهم. فمكانة الاسم تزداد رسوخاً حين تقترن بطيب التعامل وخدمة الناس، وحين يكون الوفاء لإرث الآباء والأجداد عملاً يُرى وأثراً يبقى
إن أبناء الجالية يواجهون تحديات حقيقية؛ من الحفاظ على اللغة والثقافة، إلى تقوية ارتباط الأجيال الجديدة بكوردستان، والمشاركة الفاعلة في مجتمعاتهم الأوروبية. ولا يمكن مواجهة هذه التحديات بعقلية التصنيف المستمر: هذا من حزبنا، وذاك من حزب آخر. فالطفل الذي يريد تعلّم لغته، والشاب الذي يبحث عن صلة بجذوره، والأسرة التي تتطلع إلى فضاء ثقافي يجمعها بغيرها، يستحقون جميعاً الاهتمام نفسه
وفي التصريحات المنقولة عن كونفدرالية الجالية الكوردستانية، يبرز التأكيد على خدمة أبناء المهجر دون تمييز سياسي أو ديني أو اجتماعي، وعلى الابتعاد عن الصراعات الحزبية والأيديولوجية. وهذا مبدأ مهم، تزداد قيمته كلما ترجمته المؤسسات إلى ممارسة يومية واضحة، يشعر بها المؤيد والمختلف على السواء
لكن العمل العام، مهما كانت نيات القائمين عليه، يبقى مفتوحاً للنقد والمساءلة. والدفاع عن كاك شفاء بارزاني لا يعني وضعه فوق النقد، أو اعتبار كل اعتراض على أدائه عداءً له. فمن حق الناس أن يسألوا، وأن يناقشوا، وأن يطالبوا بالوضوح. ومن واجب أي مؤسسة أن تتعامل مع الأسئلة الجدية باحترام، وأن تجعل الشفافية جزءاً من قوتها وثقة الناس بها
غير أن هناك فرقاً واضحاً بين نقد الأداء والإساءة إلى الأشخاص. النقد يحدد موضع الخلل، ويستند إلى وقائع، ويفتح باب الإصلاح. أما التشهير فيستبدل الحجة بالإهانة، ويطلق الاتهامات قبل إثباتها، ويحوّل الاختلاف إلى خصومة تستهدف الكرامة والسمعة. وضعف الحجة لا يعالَج برفع الصوت، ولا يمنح تكرار الادعاء صاحبه دليلاً لم يكن لديه
ولا يصح الجزم بأن كل منتقد تحركه الغيرة؛ فقد يكون لدى بعض المنتقدين رأي يستحق الاستماع. لكن حين تتحول المنافسة إلى تجريح متواصل وادعاءات غير موثقة، فإنها تفقد قيمتها العامة. فالغيرة، إن وُجدت، لا تبني مؤسسة، والإساءة لا تعلّم طفلاً لغته، ولا تمنح شاباً فرصة، ولا تقرّب بين أبناء الجالية
من يريد المنافسة، فليتنافس بالعمل. ليقدّم مبادرة أفضل، وليفتح أبواباً أوسع، وليخدم عدداً أكبر من الناس. فالميدان يتسع للجميع، والجالية تحتاج إلى كل جهد صادق. ولا يثبت أحد قدرته على القيادة بمحاولة إسقاط غيره، وإنما بما يستطيع أن يضيفه إلى حياة الناس. ومن يرى قصوراً في تجربة قائمة، فليقدّم ما يصححه، وليجعل إنجازه حجته أمام المجتمع.
وبالمثل، فإن الدفاع عن شفاء بارزاني ينبغي أن يلتزم بالقيم التي نثمّنها في تجربته: احترام الاختلاف، ورفض التخوين، والاحتكام إلى الوقائع. فلا نخدم وحدة الكورد حين ننزع الانتماء الوطني عن مخالف، ولا نحمي كرامة شخص بالإساءة إلى كرامة آخر. الدليل هو أساس الحكم على الاتهامات، والعمل هو أساس تقييم التجارب
كاك شفاء، إن أجمل ما يمكن أن يبقى من تجربة أي مسؤول هو شعور الناس بأنهم كانوا موضع احترام، وأن أبوابه لم تُغلق في وجوههم بسبب اختلافهم معه. ومواصلة هذا النهج، مع الانفتاح على النقد المسؤول، هي ما يمنح العمل قيمة تتجاوز ضجيج السجالات. فالرد الأبلغ على الإساءة هو أن يستمر العمل، وأن تتسع المشاركة، وأن يرى الناس ثمرة الجهد في حياتهم وحياة أبنائهم
فكوردستان أوسع من أحزابنا، وكرامة أبنائها أغلى من خلافاتنا. ومن أراد أن يكسب ثقتهم، فليقترب منهم، وليحترم تنوعهم، وليجعل خدمته لهم هي حجته الأقوى