أبوظبي بين هندسة الأمن وكلفة التقارب

محمد علي الحيدري

يحمل لقاء الرئيس الإماراتي محمد بن زايد وبنيامين نتنياهو دلالة تتجاوز استمرار العلاقات الثنائية: إنه يعكس محاولة لإعادة تقدير مصادر الأمن في إقليم تتداخل فيه الحروب مع هشاشة الضمانات الدولية. لكن التقارب لا يعني تطابق المصالح؛ فما تريده أبوظبي من العلاقة قد يختلف عما يسعى نتنياهو إلى انتزاعه منها، خصوصاً عند تحديد المسافة بين ردع إيران والدخول في مواجهة معها.

تنطلق الحسابات الإماراتية من معادلة دقيقة: اقتصاد يحتاج إلى الاستقرار، وموقع يجعله معرضاً لاضطراب الملاحة والطاقة، وطموح سياسي يتطلب استقلال القرار. لذلك يصبح تنويع الشراكات وسيلة لتقليل الاعتماد على طرف واحد. وإسرائيل، بما تمتلكه من قدرات دفاعية واستخباراتية، تتيح خياراً إضافياً، لكن هذا الخيار يحمل تناقضه الداخلي: الشريك الذي يساعد على مواجهة بعض التهديدات قد تسهم سياساته في إنتاج تهديدات أخرى.

هنا تكمن العقدة الاستراتيجية. تستطيع منظومات الدفاع اعتراض الصواريخ، لكنها لا تمنع نشوء الأزمات التي تطلقها. وإذا اقترن التعاون الأمني بتوسيع العمليات العسكرية، فقد تتحول منشآت الدول المتعاونة إلى أهداف، وترتفع كلفة التأمين والاستثمار والتجارة. ولهذا فإن مصلحة الإمارات تقتضي الفصل بين امتلاك أدوات الحماية وقبول استراتيجية مواجهة تحدد إسرائيل توقيتها وأهدافها.

أما نتنياهو، فتمنحه الزيارة فرصة لتأكيد أن العلاقات العربية قادرة على الاستمرار رغم الكلفة السياسية لحروب إسرائيل. وهذه قيمة تتجاوز الصورة الدبلوماسية؛ إذ يمكن توظيف التواصل لإقناع الداخل الإسرائيلي بأن الضغط العسكري لا يقود بالضرورة إلى خسارة الشراكات الإقليمية. ومن هنا تنشأ مفارقة: ما تعتبره أبوظبي قناة للتأثير والاحتواء، يستطيع نتنياهو تقديمه باعتباره دليلاً على نجاح نهجه.

وتكشف هذه المفارقة حدود النفوذ المتبادل. فالعلاقة تمنح الإمارات إمكانية مخاطبة القيادة الإسرائيلية مباشرة، لكن الاتصال وحده لا يصنع تأثيراً ما لم يرتبط بمصالح قابلة للمراجعة وشروط سياسية واضحة. وفي المقابل، لا تستطيع إسرائيل افتراض أن استمرار التعاون يعني استعداد شركائها لتحمل تبعات قراراتها العسكرية. العلاقة المستقرة تحتاج إلى قدرة كل طرف على ضبط توقعات الآخر.

أما التسريبات عن إطار إقليمي موسع، فلا تكفي لإثبات قيام تحالف. والأهم أن التقاء الدول عند مخاوف أمنية لا يلغي اختلاف تعريفها للخطر. بعض العواصم يريد احتواء إيران، وبعضها يريد تسوية معها، فيما قد ترى إسرائيل أن إضعافها عسكرياً أولوية. ويمكن لهذا الاختلاف أن يجعل التنسيق الدفاعي ممكناً، والالتزام بحرب مشتركة شديد الصعوبة.

وتظل فلسطين عاملاً بنيوياً في هذه المعادلة، لأنها تمس شرعية التقارب وحدود قبوله واستدامته. تجاوزها قد يتيح تعاوناً سريعاً، لكنه يراكم كلفة سياسية واجتماعية، ويمنح القوى المناوئة مادة للتعبئة. لذلك يُقاس نجاح اللقاء بقدرته على توسيع خيارات الاستقرار وتقييد التصعيد، لا بمجرد إبقاء أبواب التواصل مفتوحة. فالأمن الذي يحمي المنطقة يجب أن يمنح دولها قدرة أكبر على منع الحرب، لا أن يربطها بصورة أعمق بحسابات أطرافها.

قد يعجبك ايضا
∧