العراق ما بعد السيادة: من شباك مابعد الامریكان.

الباحث القانوني: رەنج باراوی*

أيها الإفاضل، دعونا نبدأ من هذه النقطة الجوهرية: حين نتحدث عن(العراق ما بعد السيادة) يتبادر إلى الذهن السؤال الأول: ما الذي تغير فعلياً في قدرة القرار العراقي وصناعته بعد استعادة الاستقلال والشرعية الدولية؟
صحيح أن تحولاً جذرياً قد حدث من الناحية القانونية والدولية؛ ففي السابق كانت القرارات حبيسة ظروف مفروضة أو إرادة تحت الوصاية، أما اليوم فالعراق يمتلك سيادته الكاملة من الناحية الشرعية. على سبيل المثال، في السابق كان الوجود الأجنبي يتدخل بشكل مباشر في إدارة الحكم، بينما يوقع العراق اليوم رسمياً عبر برلمانه وحكومته القوانين والاتفاقيات الدولية. ومن جهة أخرى، لقد وضعت هذه الحقيقة مسؤولية تاريخية جسيمة على عاتق السلطات؛ غير أن الإشكالية تكمن في: هل نستطيع حماية هذا القرار بشكل تام وقت الأزمات الإقليمية؟
وهنا يطرح سؤال آخر نفسه: هل امتلاك القرار الوطني يعني بالضرورة القدرة على تنفيذه؟ وأين يكمن الفراغ؟
كلا، قطعا. فالامتلاك النظري للقرار يختلف كلياً عن القدرة الفعلية على إنفاذه. ولا يقتصر الخلل على مجرد ضعف القرار، بل غالباً ما يتأتى من (الفراغ التشريعي)وتعارض النصوص القانونية؛ فعندما يتقادم النص القانوني ولا ينسجم مع الواقع الاقتصادي والتكنولوجي الحديث، يتحول إلى بيئة حاضنة للقوى البديلة أو التدخلات الخارجية لملء ذلك الفراغ. خذ على سبيل المثال: حين تصدر الحكومة قراراً بضبط المنافذ الحدودية بصورة مركزية، فإن القرار موجود على الورق، لكنه يتعثر على أرض الواقع بفعل السطوة الحزبية أو النفوذ اللامؤسساتي.

وهذا يقودنا مباشرة إلى البعد الاقتصادي وعلاقته العضوية بسيادة الدولة واستقرار مؤسساتها؛ إذ يستحيل أن تتمتع دولة بقرار سياسي مستقل واقتصادها رهين لسلعة واحدة (الاقتصاد الريعي). فالسيادة السياسية صنوان للسيادة الاقتصادية. والحل هنا لا يكمن في مجرد تقشف مالي، بل في الانتقال إلى (الدبلوماسية الاقتصادية والتنوع المشترك)؛ أي بناء شبكة من المصالح الاقتصادية العابرة للحدود بحيث يصبح العراق جزءاً أصيلاً من منظومة الاقتصاد العالمي. فعلى سبيل المثال، في أي أزمة تنخفض فيها أسعار النفط عالمياً، تدخل الحكومة العراقية في حالة شلل تام لتأمين الرواتب والنفقات التشغيلية؛ فأي استقلال سياسي يُرتجى لمن يرهن كل دينار ببرميل نفط واحد؟

لقد تغير مفهوم السيادة اليوم؛ فلم يعد مجرد حصن منغلق لدرء المخاطر، بل أصبح (القدرة على هندسة التوازنات وحماية المصالح العليا). السيادة الحقة لا تعني قطيعة مع العالم، بل تعبير عن إدارة العلاقات مع القوى الكبرى بما يضع مصلحة العراق فوق كل اعتبار.

وفي هذا السياق، يبرز موقع الجغرافيا العراقية كعنصر حاسم: ویمکن نحيل هذا الموقع من ساحة ضغوط وتجاذبات إقليمية إلى ركيزة قوة في السياسة الخارجية :
يتحقق ذلك عبر تغيير الفلسفة الجيوبوليتيكية من “مسرح لصراعات الآخرين” إلى “جسر للتشبيك الاقتصادي والتجاري”. ولعل أبرز مثال على ذلك مشروعا (طريق التنمية)٫و”ميناء الفاو الكبير” اللذان يربطان العراق بتركيا وأوروبا. فمتى ما أُنجز هذا المشروع الاستراتيجي بنجاح، سيتحول العراق إلى مركز ثقل تجاري عالمي، ولن تستطيع أي قوة إقليمية فرض حصار عليه، لأن مصالح الجميع ستتقاطع عند استقرار هذا الممر الحيوي.

فهل تكتفي الدولة بالتدابير الأمنية وحدها؟ قطعاً لا؛ فبناء المؤسسات الرصينة هو الضمانة الأكثر استدامة للسيادة. الإجراءات الأمنية مؤبطة بطبيعتها، ولا يحفظ استقرار المنظومة سوى “مؤسسات دستورية ووطنية راسخة”. فعندما تقع أزمة أمنية تتغير الحكومات، لكن وجود مؤسسة قضاء محايدة، وجيش وطني محترف، وهيأة رقابة مالية كفؤة، يكفل صون قرار الدولة بغض النظر عن تبدل الأشخاص الحاكمة.

وهنا نقف أمام حقيقة بنيوية ساطعة يجب الإجهار بها: إن سيادة العراق نفسها مرتبطة جوهرياً بالتزامه الدستوري تجاه كيان إقليم كوردستان.
فلا إقامة حقيقية للدولة ولا تمامية لسيادتها حين يُنبذ مبدأ الشراكة الدستورية؛ إذ لا تكتمل سيادة العراق إلا بتكامل مركزي-إقليمي يستند إلى الدستور كحامٍ متبادل، لا أن تُتخذ التصدعات الداخلية ذريعة للتدخلات الخارجية.

لكن هذه الشعارات لا تكتسب معناها الحقيقي إلا إذا لمسها المواطن في حياته اليومية: متى تتحول السيادة من مجرد شعار إلى شعور واقعي؟
حين تتبدل السيادة السياسية إلى (عدالة اجتماعية، وسيادة قانون، وصون لكرامة المواطن) وحين يدرك المواطن في قرارة وطنه أن القضاء ينصفه بلا تمييز، حينها ينغرس في وجدانه شعور السيادة، لا حين ترفع الشعارات الرنانة على الشاشات وتُنتهك الحقوق في الداخل.

العراق يمتلك كل مقومات الدولة من ثروات وجغرافيا وتاريخ… فما الذي ينقصه إذن؟
العراق لا يعاني من شح الموارد، بل يعاني من أزمة القيادة الاستراتيجية، والإدارة الرشیدة، وعقلانية الحكم.ان دول كاليابان أو سنغافورة لا تمتلك مورداً طبيعياً واحداً، لكنها بالأداء المؤسسي الرشيد غدت قوى عالمية؛ وفي المقابل يزخر العراق بالنفط والمياه والأراضي، لكن سوء الإدارة يعجزه عن تأمين أبسط الخدمات كالكهرباء.
ومن زاوية أخرى: تمثل الفساد المالي والإداري التهديد الأكبر لـ “الأمن القومي”. فحين تنهب مليارات الدولارات من المال العام عبر منظومات الفساد وتهريب الثروات، لا يعدو الأمر كونه مجرد سرقة إدارية، بل هو تقويض مقصود لبنيان الدولة وخلق موطئ قدم للتدخلات الخارجية.

الخطوات العملية لكي يستمسك العراق بقرار الحرب والسلم بوصفه السيد المطاع تتمثل في الآتي:

۱. إنهاء التبعية المطلقة للاقتصاد النفطي الأحادي.
۲. ردم (الفراغ التشريعي) وتعطيل القوانين الجامدة (كغياب تفعيل مجلس الاتحاد).
۳.تطهير المؤسسات من المحاصصة الحزبية المقيتة.
٤. الالتزام الصارم بالدستور وحقوق المكونات، وعدم جواز المساس بالحقوق الدستورية للمواطنين العراقيين من القومية الكردية، أو إعادة إنتاج سياسات التعريب بثوبها الحديث.
٥. تمكين السلطة القضائية والإدارية لتكون صاحبة القرار الفصل.

واخیرا ولیس اخرا ،فالدولة لا تُدار بالأمنيات والشعارات، بل تُبنى بعقلانية الحكم وسمو سيادة القانون.

*رئيس معهد الإصلاح الجنائي في كوردستان

المصادر والمراجع:

١. دستور جمهورية العراق الفيدرالي (لسنة ٢٠٠٥):

المادة (١): التأكيد على أن العراق دولة اتحادية (فدرالية) مستقلة ذات سيادة كاملة.
المادة (٢): الحفاظ على هوية الدولة وصون الحقوق والحريات الدينية والقومية في ظل التعددية.
المادة (١١٥): القاعدة المرجعية المانعة عند تنازع الاختصاصات بين السلطات الاتحادية والأقاليم خارج الصلاحيات الحصرية (أولوية قانون الإقليم لحماية الكيان الدستوري).
المادة (١٢١): تنظيم صلاحيات الأقاليم في صياغة لوائحها الداخلية وتأسيس سلطاتها الإدارية والقضائية المحلية.
المادة (١٣٠):استمرار العمل بالقوانين النافذة لحين تعديلها، وهي القاعدة العلمية لفهم إشكالية (الفراغ التشريعي).

٢. البنك الدولي (World Bank) – تقارير الاقتصاد العراقي:

تقرير المرصد الاقتصادي للعراقي (Iraq Economic Monitor): الإصدارات للأعوام (٢٠٢٣، ٢٠٢٤ و ٢٠٢٥)، التي تؤكد بالأرقام الرسمية مخاطر (الاقتصاد الريعي) والاعتماد المطلق على عائدات النفط وتوجب الانتقال الحتمي نحو (التنويع الاقتصادي – Economic Diversification).

٣. وزارة النقل العراقية والتخطيط الاستراتيجي الوطني:

الوثائق والدراسات الرسمية:مشروعا (طريق التنمية) و(ميناء الفاو الكبير) للسنوات (٢٠٢٢ إلى ٢٠٢٥)، الخاصة بإعادة هندسة موقع العراق الجيوبوليتيكي في خارطة التجارة الدولية.

٤. أدبيات الإدارة المقارنة:

Lee Kuan Yew (2000). From Third World to First: The Singapore Story: 1965-2000. HarperCollins Publishers. (مرجع أكاديمي لتحليل دور الإدارة الرشيدة، اجتثاث الفساد، وبناء مقومات الدولة القوية.

قد يعجبك ايضا
∧