زنون سلێڤاني ـ زاخو
يشهد المشهد السياسي والأمني في العراق تحولاً استراتيجياً مهماً، مع الإعلان عن طيّ صفحة الوجود العسكري للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، والانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على العلاقات الأمنية الثنائية والتعاون الاستراتيجي. ولا تمثل هذه الخطوة مجرد انتهاء لمهمة عسكرية أو إخلاء لبعض القواعد والمواقع، بل تفتح الباب أمام مرحلة جديدة تستدعي قراءة تداعياتها على مستقبل الاستقرار في العراق، وعلى توازناته الإقليمية والدولية.
دلالات انتهاء المهمة العسكرية
تأتي هذه الخطوة تتويجاً لمسار طويل من الحوارات والمباحثات والتفاهمات الفنية المشتركة، ولا سيما عبر اللجنة العسكرية العليا، التي عملت على وضع جدول زمني لإنهاء مهمة التحالف الدولي ضد تنظيم داعش والانتقال إلى نمط جديد من التعاون الأمني.
ويمكن الوقوف عند عدد من أبرز دلالات هذا التطور:
أولاً ـ ترسيخ السيادة الوطنية:
يمثل إنهاء المهمة العسكرية للتحالف استجابةً لمطالب سياسية وشعبية تؤكد أهمية تعزيز السيادة الوطنية، وقدرة القوات الأمنية والعسكرية العراقية، بمختلف صنوفها وتشكيلاتها، على تولّي مسؤولية حماية البلاد ومواجهة التهديدات الأمنية.
ثانياً ـ الانتقال نحو شراكة ثنائية:
إن انتهاء المهمة العسكرية للتحالف لا يعني بالضرورة قطع العلاقات أو إنهاء التعاون بين العراق والدول المشاركة فيه، بل يفتح المجال أمام إعادة صياغة هذه العلاقات على أساس التعاون الثنائي والشراكة الاستراتيجية، ولا سيما في المجالات الأمنية والعسكرية والتدريبية وتبادل المعلومات والخبرات.
ثالثاً ـ الانتقال من العمليات العسكرية الكبرى إلى مكافحة التهديدات المحدودة:
يعكس انتهاء المهمة العسكرية تحولاً في طبيعة التهديد الذي يمثله تنظيم داعش، إذ لم يعد التنظيم يسيطر على مساحات واسعة من الأراضي كما كان الحال في السنوات السابقة، وإنما يعتمد بدرجة أكبر على خلايا محدودة ونشاطات متفرقة، الأمر الذي يتطلب استمرار الجهود الاستخباراتية والأمنية لملاحقته ومنع إعادة تنظيم صفوفه.
تحديات المرحلة المقبلة
على الرغم من أن الحكومة العراقية تنظر إلى انتهاء المهمة العسكرية للتحالف باعتباره خطوة مهمة على طريق تعزيز السيادة الوطنية، فإن المرحلة المقبلة تفرض تحديات أمنية وسياسية تتطلب التعامل معها بحذر وتنسيق مستمر.
أولاً ـ التحدي الاستخباراتي والأمني:
تقع على عاتق القوات العراقية مسؤولية كبيرة في منع حدوث أي فراغ أمني يمكن أن تستغله الجماعات الإرهابية، ولا سيما في المناطق التي تشهد تداخلات أمنية بين القوات الاتحادية وقوات البيشمركة. ويتطلب ذلك تعزيز التنسيق والتعاون وتبادل المعلومات بين مختلف المؤسسات الأمنية والعسكرية.
ثانياً ـ الضغوط الإقليمية والتوازنات الدولية:
يأتي انتهاء المهمة العسكرية للتحالف في ظل بيئة إقليمية متغيرة ومعقدة، الأمر الذي يضع العراق أمام تحدي الحفاظ على توازن علاقاته مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، بما يحمي مصالحه الوطنية ويحد من انعكاس الصراعات والتنافسات الخارجية على أمنه واستقراره الداخلي.
ثالثاً ـ استدامة بناء القدرات:
إن الانتقال إلى مرحلة التعاون الأمني الثنائي يتطلب استمرار تطوير قدرات القوات العراقية، خصوصاً في مجالات التدريب والتسليح والتكنولوجيا العسكرية والمراقبة والاستطلاع وتبادل المعلومات والتطوير الاستخباراتي، بما يعزز قدرة المؤسسات الأمنية على التعامل مع التهديدات الحالية والمستقبلية.
خاتمة
إن طيّ صفحة المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق يمثل انتقالاً إلى مرحلة جديدة في مسار العلاقات الأمنية والعسكرية، ويعكس تطوراً في قدرات المؤسسات العراقية ومسؤولياتها في حماية البلاد. غير أن نجاح المرحلة المقبلة لن يقاس بمجرد انتهاء الوجود العسكري للتحالف، بل بمدى قدرة الدولة العراقية على ترسيخ الاستقرار الداخلي، وتعزيز التنسيق بين مؤسساتها الأمنية والعسكرية، وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، ومواجهة التهديدات الإرهابية والمخاطر المستجدة بكفاءة واقتدار.
وتبقى المحافظة على الاستقرار مسؤولية وطنية تتطلب مؤسسات قوية، وتنسيقاً أمنياً مستداماً، وعلاقات متوازنة مع المحيطين الإقليمي والدولي، بما يضمن للعراق حماية أمنه ومصالحه وسيادته.