رحل الأميركي… فمن يملك قرار العراق؟

نبيل الربيعي

رحل الأميركي، لكن السؤال الأصعب بقي في بغداد: هل وصلت الدولة إلى المكان الذي يجب أن تكون فيه؟ انتهاء الوجود العسكري الأميركي في العراق ليس مجرد حدث عسكري، بل اختبار حقيقي لمعنى السيادة. فالسيادة لا تبدأ بخروج الجندي الأجنبي فقط، وإنما تبدأ حين يصبح قرار الحرب والسلم والسلاح بيد الدولة وحدها.
هنا تكمن المفارقة العراقية: قد يغادر الأميركي، لكن إذا بقي السلاح موزعاً بين الدولة وقوى أخرى، وإذا ظل القرار الأمني خاضعاً لتوازنات داخلية وإقليمية، فإن العراق يكون قد أنهى وجوداً أجنبياً من دون أن ينهي أسباب الارتهان.
الانسحاب الأميركي يثير، بطبيعة الحال، أسئلة مشروعة في ظل التعقيدات الإقليمية والدولية، ولا سيما ما يتعلق بأمن العراق وإقليم كوردستان. لكن تحويل هذه المخاوف إلى حالة من التهويل الإعلامي لا يخدم أحداً. العراق ليس دولة عاجزة تنتظر دائماً من يحميها، كما أن كوردستان ليست مشروعاً قائماً على الحماية الأميركية.
لقد واجهت كوردستان أعتى مراحل الاستبداد، وتعرضت لسياسات الأنفال والتهجير والأسلحة الكيماوية، وخاضت عقوداً من الصراع قبل أن تصبح الولايات المتحدة لاعباً رئيسياً في العراق. ولذلك فإن اختزال أمن الإقليم في الوجود الأميركي ظلم لتاريخه ولتضحياته.
لكن القلق الأمني مشروع، خصوصاً في ظل غياب منظومة دفاع متكاملة، وهنا تصبح المسؤولية مشتركة: بغداد مطالبة بحماية المجال السيادي للعراق كله، وأربيل مطالبة بتعزيز مؤسساتها الأمنية وتوحيد قوات البيشمركة ضمن إطارها المؤسساتي.
فالجيش العراقي والبيشمركة ليسا خصمين. إنهما، في الظروف الطبيعية، ركيزتان أساسيتان لحماية العراق وإقليم كوردستان، والمطلوب هو التنسيق والتكامل بينهما، لا استخدامهما في الصراع السياسي. أما الاختبار الأكبر، فيبقى داخل العراق نفسه: ماذا سنفعل بالسلاح خارج إطار الدولة؟ هذه القضية لا يمكن دفنها خلف الشعارات، ولا حلها بالقوة. فالعراق لا يحتمل حرباً داخلية جديدة، لكنه كذلك لا يستطيع أن يستمر بدولة لها أكثر من مركز قرار أمني.
المطلوب مسار سياسي وقانوني واضح: تنظيم العلاقة بين العمل السياسي والعمل المسلح، وإخضاع السلاح للقرار الوطني، وإدماج من تنطبق عليهم الشروط القانونية في مؤسسات الدولة، وإنهاء أي قرار عسكري مستقل عنها. ولا ينبغي أن تتحول هذه المعركة إلى استهداف لمكون أو حزب أو فصيل بعينه. المبدأ يجب أن يكون واحداً على الجميع: لا قوة فوق القانون، ولا سلاح خارج قرار الدولة.
كما أن السيادة العراقية لا تعني فقط رفض النفوذ الأميركي؛ فالسيادة التي ترفض تدخلاً وتقبل آخر ليست سيادة مكتملة. العراق لا ينبغي أن ينتقل من مظلة إلى مظلة، ولا أن يصبح ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية. العراق يستطيع أن يكون صديقاً للولايات المتحدة، وجاراً متعاوناً مع تركيا، وشريكاً مع إيران، ومنفتحاً على الخليج والعالم العربي، من دون أن يكون تابعاً لأي محور.
السيادة الحقيقية هي أن يستطيع العراق أن يقول «نعم» و«لا» للجميع وفق مصالحه الوطنية.
لقد خرج الأميركي، وانتهت مرحلة. لكن المرحلة الأصعب تبدأ الآن: بناء دولة لا تحتاج إلى قوة أجنبية تحميها، ولا إلى قوة داخلية تفرض نفسها عليها.
رحل الأميركي؛ فليأتِ دور الدولة.

قد يعجبك ايضا
∧