شيركو حبيب
في ذكرى رحيل الزعيم جمال عبدالناصر، لا يستعيد الكورد في العراق اسم رجلٍ مصريٍ كبيرٍ من تاريخ العرب فحسب، بل يستعيدون أيضًا صفحة مهمة من تاريخ العلاقة بين مصر والشعب الكوردي، صفحة ارتبطت بموقف سياسي وإنساني ترك أثره في الذاكرة الكوردية حتى اليوم.
ففي 28 أيلول 1970 رحل جمال عبدالناصر، لكن مواقفه تجاه القضية الكوردية بقيت حاضرة في الذاكرة، لأنها جاءت في مرحلة كانت فيها القضية الكوردية محاطة بالكثير من التعقيدات الإقليمية والسياسية، ومع ذلك اختار عبدالناصر أن ينظر إليها من زاوية مختلفة: الاعتراف بوجود الشعب الكوردي وحقوقه، والدفع باتجاه الحل السلمي، بدل تحويل الخلاف إلى حرب مفتوحة.
وتشير مصادر تاريخية إلى أن عبدالناصر أعلن موقفًا داعمًا للحقوق الكوردية، ورفض أن تكون القضية الكوردية في العراق مجرد قضية أمنية أو عسكرية. بل كان يرى ضرورة إيجاد تسوية سياسية لها، والحفاظ على وحدة العراق مع الاعتراف بحقوق الكورد داخله.
ولعل واحدة من أبرز صفحات هذه العلاقة كانت زيارة الزعيم الكوردي الخالد مصطفى بارزاني إلى القاهرة في طريق عودته من الاتحاد السوفيتي إلى العراق عام 1958. فقد استقبله عبدالناصر، وأصبح ذلك اللقاء محطة بارزة في تاريخ العلاقات الكوردية–المصرية الحديثة.
لم يكن استقبال بارزاني مجرد لقاء عابر بين زعيمين، بل كان يحمل رسالة سياسية واضحة في ذلك الوقت، خصوصًا أن بارزاني كان يمثل قضية شعبٍ يبحث عن الاعتراف بحقوقه القومية والسياسية.
وكانت القاهرة في عهد عبدالناصر أيضًا منبرًا للتعريف بالقضية الكوردية. فقد بدأ بث برامج باللغة الكوردية من القاهرة منذ منتصف الخمسينيات، وتطورت برامج «صوت كردستان» لاحقًا، وبُثت بالسورانية والكرمانجية، وكان الهدف من بين أهدافها التعريف بالقضية الكوردية وثقافة الشعب الكوردي وأخباره.
وهنا تظهر أهمية مصر في الذاكرة الكوردية بصورة أكبر، فالقاهرة لم تكن بالنسبة للكورد مجرد عاصمة عربية كبرى، وإنما أصبحت في مراحل مختلفة مساحة للتعريف بالقضية الكوردية والتواصل السياسي والإعلامي معها.
وحين اندلعت المواجهات بين الحكومة العراقية والحركة الكوردية، اتخذ عبدالناصر موقفًا معارضًا لتحويل القضية إلى حرب عسكرية مفتوحة، وتذكر مصادر تاريخية أن القاهرة كانت تدعو إلى معالجة القضية سياسيًا، كما أن الموقف المصري لم يكن مؤيدًا لاستخدام القوات العراقية للحسم العسكري ضد الكورد.
وتبقى هناك روايات كثيرة عن مواقف عبدالناصر من القضية الكوردية، بعضها موثق في الدراسات والمصادر الصحفية، وبعضها انتقل عبر شهادات شخصية وذكريات من عاصروا تلك المرحلة. ومن هذه الروايات ما يتعلق بموقفه من الإعلام المصري الذي كان يتناول القضية الكوردية، ومنها حكايات عن لقاءات ومواقف بين عبدالناصر ومسؤولين عراقيين حول صورة الزعيم الخالد مصطفى بارزاني في الإعلام المصري.
وقد لا تكون كل تفاصيل هذه الروايات قابلة للتحقق بالدرجة نفسها، لكن اجتماعها مع الوقائع الموثقة يعطي صورة عن المكانة التي احتلتها القضية الكوردية في السياسة المصرية خلال تلك المرحلة.
ومن أجمل ما بقي في الذاكرة الكوردية أيضًا ما يُروى عن العلاقة الإنسانية بين الشعبين. فقد نقلت شهادات كوردية قصصًا عن لقاءات عبدالناصر بالطلاب الكورد في مصر، وعن حديثه معهم واهتمامه ببلدهم وقضيتهم، بل وعن عبارات نسبت إليه في تقديره لإسهامات الشعب الكوردي ومواقفه تجاه مصر.
ومهما اختلفت الروايات في تفاصيلها، فإن الثابت تاريخيًا أن القاهرة كانت في عهد عبدالناصر إحدى أهم العواصم العربية التي فُتح فيها مجال للتواصل مع القضية الكوردية، وأن العلاقات مع قيادة الحركة الكوردية لم تكن هامشية.
ولم يكن ذلك من طرف واحد، فالكورد أيضًا حملوا لمصر وعبدالناصر مشاعر خاصة. وعندما تعرضت مصر للعدوان الثلاثي عام 1956، كانت القضية المصرية حاضرة في وجدان الحركة الكوردية، وتُنقل عن مصطفى بارزاني مواقف تعبّر عن تضامنه مع مصر في تلك المحنة.
وهكذا نشأت علاقة لم تكن قائمة على المصالح السياسية وحدها، بل امتزج فيها السياسي بالإنساني، والعربي بالكوردي، والتاريخي بالشعبي.
من عبدالناصر إلى السيسي
بعد عقود، لم تنقطع هذه الصفحة من التاريخ، فالعلاقات المصرية–الكوردستانية واصلت تطورها في مراحل لاحقة، وكان من أبرز محطاتها عهد الرئيس الراحل محمد حسني مبارك، ثم شهدت في السنوات الأخيرة حضورًا سياسيًا جديدًا في عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي.
وقد تحدث الرئيس السيسي في مناسبات عامة عن الشعب الكوردي وتاريخه وهويته، فيما استمرت القاهرة في التأكيد على دعمها للعراق ووحدته وسلامة أراضيه، مع التعامل مع إقليم كوردستان باعتباره جزءًا مهمًا من المشهد العراقي والإقليمي.
وفي السنوات الأخيرة أخذت العلاقات بين القاهرة وأربيل أبعادًا أوسع، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا وثقافيًا.
كما تأسس مكتب تمثيل الحزب الديمقراطي الكوردستاني في القاهرة ، بهدف تعزيز العلاقات والروابط بين كوردستان ومصر، وفتح قنوات أوسع للتواصل السياسي والثقافي والإعلامي.
ثم جاءت اللقاءات بين الرئيس مسعود بارزاني والرئيس عبدالفتاح السيسي لتؤكد استمرار التواصل على أعلى المستويات.
وفي ديسمبر 2025، استقبل الرئيس عبدالفتاح السيسي رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني في القاهرة، وأكد خلال اللقاء دعم مصر للعراق ووحدته وسلامة أراضيه، كما تناول اللقاء التعاون والقضايا الإقليمية المشتركة، وأشاد الرئيس المصري بجهود العراق وإقليم كوردستان في دعم الاستقرار والسلام في المنطقة.
وهنا تتضح صورة مهمة:
ما بدأ في عهد جمال عبدالناصر كصفحة استثنائية في تاريخ العلاقات المصرية–الكوردية، تحول مع مرور الزمن إلى علاقات سياسية ومؤسساتية أكثر اتساعًا.
من استقبال الزعيم مصطفى بارزاني في القاهرة، إلى الإذاعة الكوردية، إلى مكتب الثورة الكوردية، ثم إلى مكتب الحزب الديمقراطي الكوردستاني في القاهرة، وصولًا إلى اللقاءات بين الرئيس مسعود بارزاني والرئيس عبدالفتاح السيسي، ثم زيارة مسرور بارزاني إلى القاهرة ولقائه بالرئيس السيسي، هناك خيط تاريخي واضح يربط المراحل المختلفة.
إن مصر بالنسبة للكورد ليست مجرد دولة عربية كبيرة، ولا كوردستان بالنسبة لمصر مجرد جزء من المشهد العراقي، هناك تاريخ من التواصل، وذاكرة مشتركة، واحترام متبادل، ومصالح يمكن أن تتوسع في المستقبل، ولذلك، عندما تحل ذكرى رحيل جمال عبدالناصر، فإن الكورد يتذكرون أيضًا ذلك الرجل الذي فتح في زمن مبكر نافذة عربية على قضيتهم، واستقبل قائدهم مصطفى بارزاني في القاهرة، وسمح بأن يصل الصوت الكوردي من مصر إلى المنطقة، وبعد أكثر من نصف قرن على رحيله، يمكن قراءة تلك الصفحة من التاريخ من زاوية أوسع:عبدالناصر وضع صفحة في تاريخ العلاقة… واليوم تستطيع القاهرة وأربيل أن تكتبا صفحات جديدة.
فالعلاقات التي بُنيت على المعرفة والاحترام المتبادل لا تنتهي برحيل الأشخاص، وإنما تنتقل من جيل إلى جيل، وربما لهذا السبب بقي اسم جمال عبدالناصر حاضرًا في الذاكرة الكوردية، وبقيت القاهرة حاضرة في الوجدان الكوردي.