سعدالله عقراوي
لأكثر من عقدين، عانى العراق من أحد أعقد التحديات التي تواجه الدول الحديثة، ألا وهو احتكار استخدام القوة بشكل مشروع. فمنذ عام ٢٠٠٣، لم يقتصر تشكيل المشهد الأمني في البلاد على المؤسسات العسكرية والشرطة الرسمية فحسب، بل شمل أيضاً طيفاً واسعاً من الجماعات المسلحة، التي اكتسب العديد منها شرعية من خلال دورها في مكافحة الإرهاب والدفاع عن البلاد خلال فترات الأزمات.
واليوم، تُشدد الحكومة العراقية الجديدة مجدداً على مبدأ حصر الأسلحة بيد مؤسسات الدولة. وقد أصبح هذا الهدف عنصراً أساسياً في الجهود المبذولة لتعزيز السيادة، وتحسين الحوكمة، وجذب الاستثمارات، والحد من نفوذ الجهات الفاعلة غير الحكومية. إلا أن تحقيق هذا الهدف لا يزال حساساً وصعباً ، نظراً لاندماج العديد من الميليشيات بشكل عميق في الهياكل السياسية والاجتماعية والأمنية للعراق. وقد حدث توسع الميليشيات في العراق في ظل ظروف استثنائية. بعد انهيار مؤسسات الدولة عقب عام 2003، ظهرت جماعات مسلحة عديدة لملء الفراغ الأمني. وقد زاد تصاعد العنف الطائفي والتمرد، ولاحقًا التهديد الذي يمثله تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، من دور الجهات المسلحة غير الحكومية. وشكّل عام 2014 نقطة تحول رئيسية عندما سيطر داعش على مناطق واسعة من شمال وغرب العراق. واستجابةً لذلك، انضم آلاف المتطوعين إلى تشكيلات مسلحة أصبحت فيما بعد جزءًا من قوات الحشد الشعبي. ولعبت هذه الجماعات دورًا هامًا في الحملة العسكرية التي ساهمت في دحر داعش واستعادة الأراضي. وقد أكسبها نجاحها العسكري شرعية شعبية واسعة لدى العديد من العراقيين. إلا أن استمرار امتلاكها لقدرات مسلحة مستقلة بعد هزيمة داعش أثار جدلًا مستمرًا حول التوازن بين الأمن القومي والنفوذ السياسي وسلطة الدولة.
نعم، طورت العديد من المنظمات المرتبطة بالميليشيات أجنحة سياسية تشارك في الانتخابات وتشغل مقاعد في البرلمان. ونتيجة لذلك، أصبحت النقاشات حول الأسلحة جزءًا لا يتجزأ من قضايا أوسع تتعلق بالتمثيل السياسي وتقاسم السلطة. ومع مرور الوقت، طورت بعض الجماعات المسلحة شبكات اقتصادية واسعة. قد تُحفّز هذه المصالح الحفاظ على استقلالية التنظيمات ومقاومة الإصلاحات التي من شأنها تقليص مصادر النفوذ المستقلة.
أعتقد أن مستقبل الميليشيات في العراق سيتطور على الأرجح من خلال تحول تدريجي لا حلّ مفاجئ. ثمة سيناريوهات عديدة محتملة. يُمثّل سعي الحكومة العراقية لحصر تسليح الدولة أحد أهم اختبارات النظام السياسي العراقي بعد عام ٢٠٠٣. من شأن النجاح تعزيز السيادة، وتحسين الحوكمة المؤسسية، ودعم الاستقرار على المدى البعيد. أما الفشل فقد يُديم نظامًا تتعايش فيه مراكز متعددة للقوة المسلحة جنبًا إلى جنب مع مؤسسات الدولة الرسمية. من المرجح أن يعتمد مستقبل الميليشيات العراقية على مزيج من التوافق السياسي، والإصلاحات الأمنية، والحوافز الاقتصادية، وتطور المواقف العامة. بدلًا من المواجهة المفاجئة بين الدولة والجماعات المسلحة، فإن المسار الأرجح هو عملية دمج وتأسيس مؤسسي تدريجية. يبقى السؤال الأهم الذي يواجه العراق في العقد القادم هو ما إذا كانت هذه العملية ستؤدي في نهاية المطاف إلى إطار أمني وطني موحد.