قِراءة بَصَرية لقِصص (مُكاشفات صاحبيّ السّجن) للأديب والفنان التشكيلي حكيم نديم الداوودي عتَبة الضّوء والرّماد: تفكيك البنيّة الرّوحيّة لمُكاشفات السّلوك والاغتراب الكوني
محمد إكرام نديم المحامى
لا تبدأ الحكاية من جدران المنفى المادية، بل من تلك اللحظة الشفيفة التي يدرك فيها السالك انّ العالم بأسره ليسَ إلاّ زنزانة كبرى ما لم يشرق فيها وجه المحبوب الباطني. إنّ هذا المدون في الأسفار ليس مجرد كلمات صِيغت على عجل، بل هو تقشيرٌ مستمر لوحشة الروح، ونبشٌ في ركام الأيام المهدورة على أرصفة المنافي البعيدة، حيث يتحوّل الوقت إلى طاحونةٍ أزليّة تسحق بقايا النهار ذرة تلو ذرة… وعند الوقوف بتأمل وأناة عند معالم هذه المجموعة، نجد ان كل قصة قصيرة جداً تمثل علماً مستقلاً، ومقاماً روحياً قائماً بذاته، يتدرج فيه الوعي من صدمة المواجهة إلى ذروة الانعتاق والذوبان في الحقيقة المطلقة.
اللوحة المرفقة بريشة الداوودي
1ـ يا جَاريَ بالجَنبِ!
رجائي يا جاريَ بالجنب لكم معه ألف رجاء.. احترسوا كسَر قيدي، انهّا زلزلة الميقات وهدير النبَض الْمَكْتُومِ.. على مقياسِ الانتظار الأزليّ.. ترجف الساعات وينحني المدى لم يعد الوقت رقماً يحصى، بل غدا جمراً يطحن في صدري ذرة تلو ذرة، كأن العمر قربان مصلوب على أرصفة المنافي البعيدة. أسمع نبض هذا الشوق العنيف يجتاح غسق الروح كعاصفة لا تداهن الصمت، زلزالاً باطنياً يهز رواسي الصبر حتى تكاد الجبال الراسيات تنتحب شجواً وتفتتاً.يا قبلة الأنوار وجوهر الحقيقة.. لقد طال ليل المادة، وثقلت كتل الوجد المكتوم في الشرايين، فما عدنا نرى في هذا العالَم المشحون بالوهم إلا طيفكم الحاضر في مرافئ الغياب. إن خطوتنا الخرساء التي جاثمت طويلاً في عتمة الصدر، تنتفض اليوم لتعقر جياد التعلق الزائف، وتطفق مسحاً بالسوق والأعناق تبتلاً وانعتاقاً.. هي ثورة نبض لا تهدأ.. وهجوم ضياء يمزّق أستار الأمس ليبني من ركام الصحاري مقاماً للرضا المحض.. إلامَ نظل مسافرين في دروب النوى.. وتروس الزمن تسحق بقايا النهار؟ لقد طابت طمأنينة السالكين على أعتاب الوعد الصادق.. وذابَ ركاب الحَيرة في بحر المحبّة الخالصة.. لنْ يهدأ هذا النبض الصاخب.. ولن تسكن رعشة هذا المقياس”، حتى يتكلّم المحبوب فينا، ويغيب رسم الزمن..وتشرق شمس اليقين لتغسل بسناها سواد السنين ومرارة الانتظار..!
2ـ قَّبْلَ المَنْفَى وَمَا يَلِيهِ
يا صاحبيّ السجن..هلاّ قرأتم في عتمة المنافي سفر أسفاري..ها أنا أفتح لكم كتاب الروح المطحونة بتروس الوقت.. صفحة تلو صفحة.. حيث كل سطر فيه هو رعشة على مقياس الانتظار الأزلي..وكل حرف هو صرخة كبت تمزقت على أرصفة النوى..لم يكن المنفى يوماً جدراناً وقضباناً.. بل هو سجن الغياب الذي يحاصر الفؤاد.. ويجعل الخطوة خرساء جاثمة.. في جلسة مذهولة بين ذبذبات الوهم الزائف.. رجاء ومعه ألف رجاء.. انظروا إلى سفري المكتوب بالضياء والنار! كيف تحولت فيه “بقايا النهار” إلى قرابين شوق تُعقر على أعتاب الحقيقة المطلقة.. لما رأيت أن سماء المادة تمترست بالظنون..طفقت مسحاً بالسوق والأعناق لكل الأغلال التي تحبس أنفاسي عن قبلة الأنوار..لقد آن لهذا القيد أن ينكسر..وآن للحطام الآدمي أن ينفض عن كاهله غبار السنين المكبولة.. ليعلن الحرية المقدسة التي لا تزول.
3ـ هنا نتَبضّع إرثنا
في هذه الزاوية البعيدة من العالم، نقف كمن يتبضّع إرثاً ضائعاً في أسواق لا تبيع سوى الأوهام.. نحاول بوجع مستميت أن نستعيد غضارة الأيام وألق ما مضى.. نُهرق في سبيل ذلك تعبنا وصباً.. ونسكب ضياء فتوّتنا وما تبقّى في أجسادنا من قوى مهدورة.. لكن مآرب عسيرة تقف دائماً في طريقنا.. تترصّد صحوتنا لتسرقها.. ويقودنا شَظف كليل من أيدينا المتعبة ليدلنا على دروب الضنك والعسرة.نحن المغفلّون الذين أعيانا الدوار، واستهلكتنا الغربة والجري الحافي فوق لهب الأيام… اليوم تًهدل ستائرنا وتغلق كوات صبواتنا المستهلكة.. ولا نملك إلا أن نديم النظر في ذلك الغابر المختفي.. الأمس اللامحتفى به.. واللامنظور في أفقنا القريب والبعيد.. لقد سُدّت علينا قنوات الرحبة الأولى وصدماتها الطارئة كل منافذ الرؤية.. حتّى صرنا كالعِميان.. لا.. لسنا عمياناً.. لكنّها المَسغبة الشّديدة التي جعلت أنظارنا مُنكفئة إلى الداخل.أين ذهبت جدائل المحبة والفرح؟.. لقد تلاشت في زبد هلامي من شوق محموم،.. وتبخرّت تلك الأفنان التي كانت غاصة حد الاكتظاظ بالعصافير والأغاريد الرخية.. كان لي ذات يوم عناقيد من قصائد.. وكلمات مضيئة بالحكايات.. لكنّها كانت متخمة بالصّراخ الرّخيص.. وبالهلع المعجون بالمسرة.. كان لنا وحدنا ذلك الامتياز العجيب.. أن نقص مآربنا على الملأ.. ونبث أسرارنا لعِشوائية الإصغاء؛ فكانَ لنا كلّ شيء واللاّشيء.. وكان لنا اللامنظور في المدى البعيد القريب.. هنا في هذا الفراغ المُسترخي تحتَ سقف التأمل الثقيل.. تبحر بنا أحلام حَجريّة لا تطفو في بَحرٍ مُلطّخ بسُعار الغيرة والسَأم الصّمغي اللزج.. كلّ الطرق تؤوب إلى حتفها.. ولذلك ألتفت إليك وأهتف:. تعال أعرني نثيثاً من حُزنك الهاطل.. اسكبه على عطشي الشديد.. وعلى الهجير المتصدّع الذي يسلق وجه النهار دونَ رحمة..لا تبتعد فلنا كلّنا دربٌ واحدٌ محفوفٌ بنظرات ماكرة ماجنة.. نظرات أرخص مِن رمل الشاطئ المهجور.. كنْ معي كرديفي الذي يشدّ أزري.. لا مثلي الذي يُكرّر حيرتي.. لعلّنا معاً نختصر هذه المسافة.. وننهي هذا الجريَ العقيم فوقَ جَمر المنافي.. أيهّا الكائن المُدهش.. لِمَ تحتطب كلّ ليلة هذا الأرق القاتل وتجمعه في صَدركَ كالحَطب اليابس؟ كنتُ أحسب أنّ لك عيوناً مغسولة بالنّعاس ومُبرأة مِن لوعة السّهر.. تمرّ الأيام والسنون العِجاف وأنتَ قابِعٌ في ذلك الصّقع المجهول.. غريباً كالعابرين.. تبتلع وحشتك في صَمت ٍمطبق،.. دونَ أنْ تطلق شكوى واحدة.. ودون أنْ تئِنّ مْن أسئلة الأرق اللعّين ومَرارة السّفر الطويل.
المَعْلم الأول: “يا جاريَ بالجَنبِ!”.. جغرافية التوجّس وثورة الميقات
تقف القصة القصيرة جداً الأولى كعَلم يُرفرف فوقَ “مقام التوجس الحَذرِ والمواجهة العنيفة”. الجار بالجنب هنا ليسَ مجردَ مُجاوٌر في المكان.. بل هو الشّاهد الكوني على عُزلة الذّات واحتراقها الصّامت.. إنه الحّد الفاصل بينَ قيد السّجن وأفق التحرر. يتجلّى الوعيّ في هذا الفصل كّبُركانٍ يوشك على الانفجار.. حيثُ يتحوّل الانتظار مِن حالة استسلام باردة إلى “زلزلة ميقات” تُهدّد أركان السّكون الزائف الذي يعيشه العالم المُحيط.
إنّ تصوير الوقت كَجَمر يطحن في الصّدر، وتَحوّل العُمر إلى قُربانٍ مْصلوبٍ على أرصِفة المنافي.. يمنح هذه القصّة كينونتها الدِراميّة العالية.. النبض هنا ليس بيولوجياً.. بل هو هديرٌ مكتوم، عاصفةٌ باطنيّة، لا تُداهن الصّمت وتوشك أنْ تفتّت رواسي الصّبر ..وتجعلَ الجبال الراسيات تنتحب شجواً… في هذا العالم المشحون بالوهم والمليء بـ”ليل المادة”، تبدو ذبذبات الغفلة طاغية، لكن خطوة الفنان الخرساء التي جاثمت طويلاً في عتمة الصدر تنتفض فجأة. العبقرية التعبيرية هنا تكمن في كسر قيد “الانتظار السلبي” والانتقال إلى “الانتظار الثائر”؛ حيث تقرر الذات عقر جياد التعلق الزائف، والمسح على السوق والأعناق تبتلاً وانعقاداً، تمهيداً لهجوم الضياء الذي يمزق أستار الأمس ليعيد بناء السكينة والرضا المحض من ركام الصحاري القاحلة.
المَعلم الثاني: “قَّبْلَ المَنْفَى وَمَا يَلِيهِ”.. سِفر الرّوح ومقياس الشوق الوجودي
تنتقل القصة القصيرة جداً الثانية بالمتلقي إلى “مقام التدوين والمكاشفة الوجودية الأعمق”، حيث يتحول المنفى من مجرد جغرافيا طارئة إلى حالة برزخية ممتدة تحكم وجود الإنسان، فللمنفى ما قبله وله ما بعده، وكأن الكينونة كلها محصورة في هذا القيد الروحي. العلم المميز لهذا الفصل هو “كتاب الروح المطحونة بتروس الوقت”؛ حيث تذوب المادة وتتحول الكلمات إلى رعشات على مقياس الشوق، لا كما الشائع مقياس ريختر، بل هو مقياس باطني خالص يقيس زلازل الحنين، وتتحول الحروف إلى صرخات كبت تمزقت على أرصفة النوى. في هذا النص، يمارس المبدع فعلاً خيميائياً باهراً:.. إذ يرفض أن تضيع “بقايا النهار” هباءً، بل يجمع شظاياها المتعبة ويقدمها كـ”قرابين شوق” طاهرة تُعقر على أعتاب الحقيقة المطلقة. الجلسة المذهولة بين ذبذبات الوهم الزائف تتحول هنا إلى مرآة وعي حاد؛ فحين يرى الشاعر ان سماء المادة قد تمترست بالظنون والزيف وتحولت إلى سجن حقيقي للأنفاس، لا يلوذ بالفرار، بل يضع نصل يقينه ليطفق مسحاً بالسوق والأعناق، قاطعاً أوردة الأغلال وسحقاً للتعلّق بغير وجه المحبوب. إنها صرخة العتق الأخيرة التي تنفض غبار السنين المكبولة عن الحطام الآدمي لتعيد صياغته ولادةً جديدة في فضاء الحرية المقدسة التي لا تزول.
المَعلم الثالث: “هنا نتَبضّع إرثنا..”.. تراجيديا الفَقد والتبّخر في السَديم الصَمغيّ
تمثل القصة القصيرة جداً الثالثة ذروة المأساة والاشتباك الوجداني العنيف مع مرارة الاغتراب، وهي تقف كعلم يرمز إلى “تراجيديا الفقد، والبحث عن الجوهر وسط ركام الوهم الصاخب”. فكرة تبضع الإرث الضائع في أسواق المنافي البعيدة هي استعارة عبقرية وصادمة، تجسّد محاولة الإنسان المستميتة لاستعادة غضارة الأيام وألق الفتوة المهدورة وضياء القوى التي سحقتها الغربة والدوار والجري الحافي فوق لهب الأيام.ي
تحرك النص في بيئة تشكيلية بالغة التعقيد والقتامة، تتراوح بين “الأحلام الحجرية” التي لا تطفو، و”السأم الصمغي” اللزج الذي يغلف الأنفاس، والنظرات الماكرة الماجنة التي تحف بالدرب وهي أرخص من رمل الشاطئ المهجور. القاص هنا يواجه المسَْغبة الروحية بأنظارٍ منكفئة إلى الداخل، راثياً جدائل المحبة وعناقيد القصائد والكلمات المضيئة بالحكايات التي تلاشت في زبدٍ هلامي من شوقٍ محموم، وتبخرّت بعد أن كانت غاصة حدَ الاكتظاظ بالعصافير والأغاريد الرخية.. وفي نهاية هذا السِفر الروحيّ الشاق، يتجلى “حطاب الأرق” ككائنٍ مُدهش يجمع حطب السّهر ليلة بعد ليلة في صقعه المجهول، يبتلع وحشته في صمتٍ مطبق وسط السّنين العِجاف، دون أن تطلقَ شكوى واحدة، معلناً انَ الحلَ الوحيد والافتداء الأسمى لا يكون إلاَ بالذوبان الكامل في بحر المحبة الخالصة حيث يسقط رسم الزمن الناقص.. ويتهاوى السير في دروب النوَى، ويتكلَم المحبوب فينا إلى الأبد، ليحلَ الرضا المحض بديلاً عن وحشة المنفى وقيد السجن.