نبيل عبد الأمير الربيعي
رحلت الكاتبة والشاعرة الكوردية نسرين تيلو في النروج، يوم 26 أيلول 2026، بعد صراع طويل مع مرض عضال، لتغلق برحيلها صفحة من مسيرة أدبية وثقافية امتدت عقوداً، وتترك وراءها نصوصاً شعرية وقصصية ومقالات كتبتها بالعربية والكوردية، فضلاً عن تجربتها التربوية والثقافية التي ارتبطت بمدينة القامشلي وأسئلتها الاجتماعية والإنسانية.
لم تكن نسرين تيلو ابنة الكتابة وحدها، بل ابنة بيئة ثقافية ووطنية كان للشأن العام حضور واضح فيها. فقد ولدت ونشأت في القامشلي، وهي ابنة عبد القادر تيلو، أحد أعضاء جمعية خويبون، وأمين سر الجمعية الخيرية لفقراء الكورد التي أسست عام 1935، ورئيس نادي جواني كورد. ومن هذه البيئة تشكل جانب من وعيها المبكر باللغة والهوية والمدينة، لتتحول الكتابة لديها لاحقاً من شغف شخصي إلى وسيلة لحفظ الذاكرة والتعبير عن الإنسان.
درست في جامعة دمشق، كلية الآداب، قسم الجغرافيا، وتخرجت عام 1979، ثم عملت في مجال التعليم، ولا سيما في مدارس وثانويات القامشلي، واستمرت في السلك التربوي قرابة ثلاثة عقود. وبالتوازي مع عملها التعليمي، كانت الكتابة حاضرة في حياتها، إذ بدأت تجربتها الشعرية باللغة العربية، قبل أن تنفتح بصورة أوسع على الكتابة بالكوردية، لتصبح ثنائية اللغة جزءاً من خصوصية تجربتها الأدبية.

وقد تنوع نتاجها بين الشعر والقصة القصيرة والمقالة، ونشرت نصوصها في صحف ومجلات ومنابر ثقافية عربية وكوردية، من بينها ڕێگا ئاشتی، سۆسیالیزم، الحوار، زانين، گەلاوێژ، ئاسۆ، هڤند، گلستان، الوفاق، خەبات، فضلاً عن مواقع ومنصات ثقافية إلكترونية. وكان موقع Welatê Me من المنابر التي احتضنت جانباً من كتاباتها ونشرت نتاجها.
ومن أبرز ما صدر لها، بحسب ما أوردته المصادر التي تناولت رحيلها، المجموعة القصصية (روتوسكوب)، وهي مجموعة تتجه إلى الواقع الاجتماعي والإنساني وتكشف اهتمام الكاتبة بالتفاصيل اليومية وما تختزنه الشخصيات من مشاعر وأسئلة. وإلى جانب هذا الكتاب، تركت نسرين تيلو عدداً من القصائد والقصص والنصوص القصيرة المنشورة في الدوريات والمواقع الثقافية.
وفي تجربتها الشعرية، نجد عناوين تكشف بعض ملامح عالمها الداخلي وارتباطها بالمكان والإنسان والمنفى، ومنها قصائد (پێشمەرگە)، (أودا جهژن و نهوروز)، (لههیی كهژال)، (چهمی شههیدان)، (خهونهن ڕێوێ)، إلى جانب قصائدها بالعربية، ومنها (دعنا نبحر) و(خرجت دون كلام). وقد شاركت في أمسيات شعرية وثقافية في قامشلو، وكانت جزءاً من المشهد الأدبي الكوردي الذي أخذ يتسع للكتابة النسوية وللتجارب الجديدة.
غير أن أهمية نسرين تيلو لا تكمن في تعدد الأجناس الأدبية التي كتبت فيها فحسب، وإنما في الموضوع الإنساني الذي ظل يتردد في كتاباتها. فقد حضرت المرأة الكوردية، ولا سيما المرأة في المدينة، بوصفها شخصية تعيش بين الموروث الاجتماعي من جهة، وبين طموحها إلى التعليم والعمل والاستقلال وتحقيق الذات من جهة أخرى.
وهنا تتجاوز كتاباتها حدود التوصيف الاجتماعي المباشر؛ فهي تحاول أن تلتقط ما لا يظهر عادة في السرد السياسي والتاريخي الكبير: خوف المرأة، صمتها، أحلامها الصغيرة، علاقتها بالأسرة، وموقعها داخل مجتمع تتقاطع فيه القومية والتقاليد والتحولات الاجتماعية. ولذلك تبدو قصتها في جانب منها محاولة لإنقاذ التفاصيل اليومية من النسيان.
فالتحولات السياسية والاجتماعية الكبرى لا تقاس فقط بما تتركه في الكتب والسجلات، وإنما بما تفعله في حياة البشر. وهذا هو أحد وجوه أهمية تجربة نسرين تيلو: أنها حاولت أن تنقل التاريخ من فضائه العام إلى تفاصيل الإنسان، وأن ترى المدينة من خلال ناسها، والوطن من خلال الذاكرة، والمرأة من خلال تجربتها الخاصة.
ولعل تجربة المنفى أضافت إلى كتابتها طبقة أخرى من المعنى. فقد انتقلت، خلال سنوات الأزمة السورية، إلى النرويج مع أسرتها، لكنها لم تترك القامشلي خلفها تماماً؛ فالمدن التي نغادرها تظل تسكننا، وتتحول في الكتابة إلى صور ووجوه وأصوات وحنين. وقد واصلت في المهجر الكتابة والنشاط الثقافي، وظل الوطن والذاكرة والإنسان حاضرين في نصوصها.
ومن المفارقات المؤلمة أن يتحول المنفى، الذي يبعد الكاتب عن جغرافيته الأولى، إلى مساحة أكثر اتساعاً لاستعادة تلك الجغرافيا. فالقامشلي في تجربة نسرين لم تعد مجرد مكان للولادة والنشأة، وإنما تحولت إلى ذاكرة أدبية؛ إلى شوارع وبيوت ونساء وطفولة وأسئلة وهوية. ومن هنا يمكن قراءة تجربتها ضمن أدب المنفى الكوردي والسوري الذي حمل المكان الأول إلى أمكنة بعيدة.
كما أن سيرتها التعليمية والثقافية تستحق أن تُقرأ إلى جانب إنتاجها الأدبي؛ فقد كانت الكتابة بالنسبة إليها متصلة بفكرة التعليم وتكوين الإنسان. وتشير المصادر إلى اهتمامها بتشجيع الطالبات الكورديات على مواصلة التعليم، وهو جانب يضيف إلى صورتها بعداً يتجاوز كونها شاعرة أو قاصة إلى كونها امرأة أسهمت في المجال الثقافي والتربوي معاً.
إن رحيل نسرين تيلو لا ينبغي أن يُختزل في خبر وفاة أديبة في بلاد الاغتراب. فالغياب الحقيقي للكاتب يبدأ حين تُنسى كتبه ونصوصه، ولذلك فإن الوفاء لها لا يكون بكلمات الرثاء وحدها، بل بإعادة قراءة تجربتها، وجمع نصوصها المنشورة، وتوثيق إنتاجها، ودراسة موقعها ضمن تاريخ الأدب الكوردي الحديث، ولا سيما الكتابة النسوية التي منحت المرأة مساحة للتعبير عن ذاتها وتجربتها.
رحلت نسرين تيلو في النرويج، لكن القامشلي التي ولدت فيها لم ترحل معها. بقيت في قصصها وقصائدها، وفي الذاكرة التي حملتها معها من جغرافيا إلى أخرى. وبقيت المرأة التي كتبت عنها، والوجوه التي عرفتها، والأمكنة التي سكنت وجدانها، جزءاً من ذلك الأثر الذي لا تستطيع المسافات ولا الموت محوه.
ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله أمام رحيل كاتبة هو ألا نكتفي بالبكاء عليها، بل أن نعود إلى كُتبها ونصوصها، وأن نقرأها بعيداً عن ضجيج اللحظة. فالأدب الجيد لا ينتهي بموت صاحبه؛ إنه يبدأ حياة أخرى في ذاكرة القراء.
في رحيل نسرين تيلو، نودع امرأة حملت في قلبها ذاكرة مدينة، وفي كتاباتها أسئلة الإنسان، وفي صوتها حضور المرأة الكوردية وهي تبحث عن مكانها في مجتمع وتاريخ كثيري التعقيد. إلى روح نسرين تيلو سلامٌ يليق بكاتبة عاشت للكلمة، وإلى أهلها وأصدقائها ومحبيها خالص العزاء.
نامي بسلام أيتها الكاتبة؛ فقد تركتِ في الذاكرة ما يكفي كي لا يكون الغياب نهاية الحكاية.