محمد علي محيي الدين
يوسف الحيدري، القاص والكاتب العراقي الذي عرفته الساحةالأدبية باسم يوسف محمد إبراهيم الحيدري، واحد من الأصواتالقصصية التي أسهمت في ترسيخ حضور القصة القصيرة فيالأدب العراقي الحديث. ولد في كركوك سنة 1934، وعاش فيهاسنوات تكوينه الأولى، ثم ظل قريباً من التعليم والأدب والصحافة،حتى غدا واحداً من كتّاب جيله الذين جعلوا من الإنسان وهمومهالداخلية مادة أساسية للإبداع.
أكمل الحيدري دراسته الابتدائية والثانوية في كركوك، ثم التحقبدار المعلمين، وبعد تخرجه عمل في التعليم سبعة وعشرين عاماً. ولميكن التعليم بالنسبة إليه مهنة منفصلة عن الأدب، بل بدا أن صلتهبالناس، واحتكاكه اليومي بمختلف البيئات والشخصيات، وفّرت لهمادة إنسانية واسعة انعكست على كتاباته. وفي مرحلة لاحقة واصلدراسته في الجامعة المستنصرية، وحصل على شهادة البكالوريوسفي اللغة العربية من كلية الآداب، ليجمع بذلك بين الخبرة التربويةوالتكوين الأكاديمي في اللغة والأدب.
بدأ الحيدري حياته الأدبية بالشعر، فنشر عدداً من القصائد فيسنواته الأولى، غير أن القصة القصيرة سرعان ما استأثرتباهتمامه، وكأنها كانت الشكل الأكثر قدرة على احتواء رؤيتهللإنسان والحياة. ولم يأت انتقاله إلى القصة انقطاعاً عن الشعر، بلحمل معه حساسية الشاعر في اللغة والصورة والإيحاء، وجعل منالقصة مساحة للتأمل في النفس البشرية، وفي ما يختبئ خلفالسلوك الظاهر من قلق وانكسار وأحلام مؤجلة.
وفي عام 1954 كان من المشاركين في تأسيس «جماعة كركوك»الأدبية، التي ضمت عدداً من الأسماء المهمة في المشهد الثقافيآنذاك، منهم قحطان الهرمزي، وسامي محمود، وأنور الغساني،وفاضل العزاوي، ويوسف سعيد، وزهدي الداودي، وجليل القيسي،ومؤيد الراوي، وعبد الصمد خانقاه. وكانت لقاءات الجماعة تُعقدأسبوعياً في بيوت الأدباء، وتتحول إلى مجالس للحوار والنقاشحول الأدب وقضاياه واتجاهاته. ولم تكن هذه التجربة مجرد تجمعشبابي عابر، بل كانت جزءاً من الحركة الثقافية التي شهدتهاكركوك، وأسهمت في منح المدينة حضوراً واضحاً في المشهد الأدبيالعراقي.
ومنذ ستينيات القرن الماضي أخذ اسم الحيدري يظهر في عدد منالصحف والمجلات، فنشر في الثورة العربية، وصوت العرب، والتقدم،والبيان، والمنار، والنور، كما كتب المقالة الأدبية والصحفية إلى جانبالقصة. وكان انفتاحه على الصحافة جزءاً من اهتمامه بأن يكونالأدب حاضراً في الحياة العامة، لا محصوراً في الكتب والمجاميعوحدها.
صدرت له مجموعته القصصية «حين يجف البحر» سنة 1967، ثمأتبعها بـ «رجل تكرهه المدينة» سنة 1969، وهي مجموعة تكشفعن نضج تجربته واتساع عالمه القصصي. وبعد سنوات جاءتمجموعة «لغة المزامير» سنة 1986، ثم صدرت بعد وفاته مجموعة«شوارع الليل» سنة 1994، لتضيف إلى رصيده الأدبي نصوصاًبقيت حاضرة بعد رحيله.

ولعل ما يميز عالم يوسف الحيدري القصصي أنه لم يكن معنياًبالشخصيات من خارجها فقط، وإنما كان يتوغل في أعماقها. وقدوصفه حميد المطبعي في «موسوعة أعلام العراق في القرنالعشرين» بأن أبطال قصصه كانوا من نسيج الواقع، لكنهممأزومون ومحبطون، وأن الحيدري غاص في عوالمهم المظلمة،مسلطاً عليهم «حزماً من ضوء شفيف». وهذه الإشارة تلخص جانباًأساسياً من تجربته؛ فهو لا يكتب عن الإنسان بوصفه شخصيةمكتملة ومطمئنة، بل يلاحقه في لحظات ضعفه وحيرته وصراعهالداخلي، محاولاً الكشف عن الجانب الخفي من وجوده.
ومن هنا كانت العوالم الداخلية لأبطاله هي الهاجس الأبرز فيقصصه. فالمدينة عند الحيدري ليست مجرد مكان تجري فيهالأحداث، بل كائن له ذاكرة وضغوط وتحولات، والإنسان فيها كثيراًما يجد نفسه محاصراً بين ما يريد وما يستطيع، وبين الحلموالواقع. ولذلك جاءت شخصياته قريبة من الحياة، لكنها تحمل فيداخلها توتراً يجعلها أكثر من مجرد نماذج اجتماعية؛ إنهاشخصيات تبحث عن مخرج من أزماتها، أو تحاول أن تفهممصيرها في عالم لا يمنحها دائماً فرصة النجاة.
ولم يكن اهتمام الحيدري محصوراً بالأدب العربي، فقد أولى الأدبالكردي اهتماماً واضحاً، وأعجب بملحمة «مم وزين» للشاعرالكردي أحمد خاني، وبالدراسات التي تناولتها. وكان يرى فيالتراث الفكري الكردي ثراءً شعرياً وملحمياً يستحق الدراسةوالتعريف، وهو موقف يكشف عن حس ثقافي يتجاوز الحدودالقومية الضيقة، وينظر إلى آداب العراق بوصفها روافد متعددةلثقافة واحدة غنية.
وقد تجاوز حضور قصصه الحدود العراقية، إذ ترجمت أعماله إلىعدد من اللغات، بينها الإنكليزية والفرنسية والألمانية والرومانيةوالإسبانية واليوغسلافية والروسية. وكان يرى في الترجمة وسيلةللتعريف بآداب الشعوب وثقافاتها، لكنه كان يشترط أن يكونالمترجم مبدعاً ومتمكناً من اللغة التي ينقل عنها وإليها. وهذه الرؤيةتكشف عن وعي مبكر بأهمية الحوار الأدبي بين الثقافات، وعنإدراك بأن الأدب لا يكتمل حضوره حين يبقى أسير لغته الأصلية.
شارك الحيدري كذلك في المؤتمرات الأدبية والملتقيات التي أقيمتفي بغداد، ولا سيما ملتقيات القصة والمسرح، وكان عضواً فياتحاد الأدباء. وقد كتب عنه الناقد علي جواد الطاهر والناقد ياسينالنصير، وهو ما يؤكد أن تجربته لم تمر من دون اهتمام نقدي منأسماء لها حضورها في المشهد الأدبي العراقي.
وعندما رحل في حزيران 1993، ترك وراءه أكثر من المجاميعالمنشورة؛ فقد خلف أربع عشرة مخطوطة في القصة والروايةوالشعر والنقد، بقي عدد منها خارج دائرة النشر. وهذا الجانب منتراثه يفتح الباب أمام إمكانية قراءة أوسع لتجربته، لأن ما وصل إلىالقراء ليس بالضرورة كل ما كتبه، وقد تكون المخطوطات غيرالمنشورة كفيلة بإضافة جوانب جديدة إلى صورته الأدبية.
وبعد رحيله، حملت ابنته ميديا يوسف الحيدري جانباً من مسؤوليةحفظ إرثه، فأعدت رسالة ماجستير في كلية الآداب بجامعة بغدادسنة 2000 بعنوان «يوسف الحيدري.. دراسة فنية في أدبهالقصصي». وتناولت الدراسة حياته وأدبه، واتجاهات قصصه،وسمات البناء القصصي لديه، إلى جانب خاتمة وملحق للبحث. وتكتسب هذه الدراسة أهمية خاصة لأنها لا تكتفي بتوثيق سيرةالكاتب، بل تقدم قراءة فنية لإنتاجه القصصي، فضلاً عن أنهاشهادة ابنة على تجربة أبيها الإنسان والمبدع.
وهكذا يبدو يوسف الحيدري واحداً من أولئك الأدباء الذين لمتفصلهم الكتابة عن الحياة؛ فقد جاء إلى القصة من التعليم والشعروالصحافة، وحمل إليها وجوه الناس وأزماتهم وأحلامهم، ثم أعادصياغتها بلغة تجمع بين الواقعية والإيحاء. وكانت كركوك، بتنوعهاالثقافي والاجتماعي، حاضرة في خلفية تجربته، لا بوصفها مكانالميلاد فحسب، بل بوصفها فضاءً تشكلت فيه ذاكرته الأدبية الأولى.
رحل الحيدري سنة 1993، لكن المدينة التي كتب عنها وعن ناسهالم تغلق كتابه. بقيت قصصه شاهدة على مرحلة من مراحل تطورالقصة العراقية، وبقيت ترجماتها شاهداً آخر على قدرة الأدبالمحلي على عبور الحدود. ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في تجربتهإن الكتابة عنده كانت محاولة لإنارة العتمة الإنسانية لا لإخفائها؛فقد دخل إلى عوالم شخصياته المأزومة، لكنه لم يتركها في الظلام،بل منحها ذلك «الضوء الشفيف» الذي أشار إليه حميد المطبعي،وهو الضوء الذي يجعل الأدب قادراً على رؤية الإنسان في ضعفه،وفي انكساره، وفي محاولته المستمرة لاستعادة معنى الحياة.
اعتمدت هذه الصياغة على ما أورده حميد المطبعي في «موسوعةأعلام العراق في القرن العشرين» عن يوسف الحيدري وسيرتهونتاجه القصصي، وعلى المنشور الذي نقله موفق الربيعي بتاريخ13 شباط 2019، وما تضمنه من معلومات عن حياته الأدبيةوتأسيس «جماعة كركوك» وترجمات قصصه ومخطوطاته. كما أُشيرإلى دراسة ابنته ميديا يوسف الحيدري «يوسف الحيدري.. دراسةفنية في أدبه القصصي»، وهي رسالة ماجستير، كلية الآداب،جامعة بغداد، 2000، فضلاً عن الإشارات النقدية إلى كتابات عليجواد الطاهر وياسين النصير عنه.