الصحفي والمحامي عرفان الداوودي
من يضع ولاءه لدولة أخرى فوق العراق فليواجه القانون… ومن يزرع الطائفية والقومية لتفكيك الوطن فليتحمل مسؤولية أفعاله
العراق ليس غنيمةً سياسية، ولا ساحةً مفتوحةً لتصفية حسابات الدول، ولا وطناً ثانوياً في أجندة هذا الطرف أو ذاك.
العراق وطن العراقيين جميعاً؛ عرباً وكورداً وتركماناً، سنةً وشيعةً ومسيحيين وإيزيديين وصابئةً وسائر مكونات الشعب العراقي. والمواطن العراقي، مهما كانت قوميته أو دينه أو مذهبه، يبقى شريكاً كاملاً في الوطن والحقوق والواجبات.
لكن الوطنية ليست شعاراً يرفع في المناسبات، وإنما ولاءٌ للدولة، واحترامٌ للدستور، والتزامٌ بالقانون، ورفضٌ لتحويل العراق إلى تابع لأي دولة أو مشروع خارجي.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾
والعراق اليوم بحاجة إلى هذه الآية أكثر من أي وقت مضى: أمانةٌ في المسؤولية، وعدالةٌ في الحكم، ومساواةٌ بين المواطنين.
الولاء للعراق لا يُقاس بالكلام… وإنما بالموقف والفعل
من حق العراقي أن يختلف سياسياً، وأن ينتقد الحكومة، وأن يؤيد فكرة أو حزباً أو مشروعاً، وأن يعبر عن رأيه ضمن حدود القانون.
لكن الأمر يختلف عندما يتحول الأمر إلى عملٍ يضر بمصلحة العراق أو تعاونٍ غير مشروع مع جهة أجنبية أو ارتكاب فعل يجرّمه القانون أو تهديدٍ لأمن الدولة وسيادتها.
هنا يجب ألا يكون هناك انتقائية في تطبيق القانون.
لا حماية لحزب.
ولا حصانة لطائفة.
ولا مجاملة لقومية.
ولا استثناء لمسؤول.
ولا تساهل مع صاحب نفوذ.
كل من تثبت بحقه جريمة وفق القانون يجب أن يحال إلى القضاء المختص، وأن ينال جزاءه العادل إذا ثبتت إدانته، أياً كان اسمه أو منصبه أو قوميته أو مذهبه.
وهذا هو جوهر الدولة الدستورية.
فالدستور العراقي يؤكد استقلال القضاء، وينص على أنه «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص»، كما يكفل حق الدفاع ويفترض براءة المتهم حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة.
الجنسية ليست سيفاً سياسياً
ومن الناحية القانونية، لا بد من قول الحقيقة كاملة.
المطالبة بمعاقبة الخيانة أو العمالة أو الجرائم التي تمس أمن الدولة شيء، والمطالبة بإسقاط الجنسية عن العراقي بالولادة شيء آخر.
فالمادة (18) من الدستور العراقي تنص صراحةً على أن الجنسية العراقية حق لكل عراقي، وتحظر إسقاطها عن العراقي بالولادة لأي سبب، بينما تنظم سحب الجنسية من المتجنس في الحالات التي يحددها القانون.
لذلك فإن العقوبة يجب أن تكون وفق النص القانوني النافذ، لا وفق الغضب السياسي أو الانتماء القومي أو المذهبي.
وهنا تكمن قوة الدولة:
أن تعاقب من تثبت جريمته، لا من يخالفها في الرأي.
لا للطائفية… ولا للقومية التي تتحول إلى مشروع تفكيك
العراق لا يحتاج إلى من يقول:
هذا عراقي لأنه عربي،
وهذا عراقي لأنه كوردي،
وهذا عراقي لأنه تركماني،
وهذا عراقي لأنه سني،
وهذا عراقي لأنه شيعي.
العراقي عراقي قبل كل هذه العناوين.
والدستور نفسه يقرر مساواة العراقيين أمام القانون دون تمييز بسبب العرق أو القومية أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي.
ومن هنا يجب أن تكون مواجهة الخطاب الذي يحرض على الكراهية أو العنف أو التفكك الوطني مواجهةً قانونيةً عادلة، متى تحولت الأفعال أو الأقوال إلى جريمة يعاقب عليها القانون.
لا يجوز أن يصبح المنبر الإعلامي أو السياسي وسيلةً لإشعال الفتنة بين أبناء الشعب الواحد.
ولا يجوز أن تتحول القومية إلى أداة عداء.
ولا المذهب إلى وسيلة إقصاء.
ولا الدين إلى غطاء للصراع السياسي.
ولا العلاقات الخارجية إلى باب للوصاية على القرار العراقي.
العراق للعراقيين… والقانون فوق الجميع
نحن بحاجة إلى دولة تقول بوضوح:
السيادة العراقية ليست للبيع.
القرار العراقي ليس ملكاً لدولة أجنبية.
وثروات العراق ملك للعراقيين.
وأمن العراق مسؤولية الدولة.
والقانون فوق المسؤول والحزب والزعيم والعشيرة والطائفة والقومية.
ومن يثبت قضائياً أنه ارتكب جريمة بحق الدولة أو الشعب، فليحاكم وفق القانون، وليتحمل المسؤولية التي يقررها القضاء.
أما أن تتحول الاتهامات إلى أحكام مسبقة، فهذا لا يبني دولة، بل يهدمها.
العراق لا يبنيه المتعصبون… بل الوطنيون
العراق لن يبنيه من يرفع شعار الطائفة ضد الطائفة.
ولن يبنيه من يزرع العداء بين العربي والكوردي والتركماني.
ولن يبنيه من يبحث عن راعٍ خارجي.
العراق يبنيه العراقيون الوطنيون والشرفاء من جميع القوميات والأديان والمذاهب والمكونات.
يبنيه الطبيب والمعلم والصحفي والمحامي والجندي والفلاح والمهندس والعامل والموظف، وكل مواطن شريف يؤمن بأن العراق وطنه الأول والأخير.
ولذلك فإن رسالتنا يجب أن تكون واضحة:
لا فرق بين عراقي وعراقي أمام القانون.
ولا فرق بين دمٍ عربي ودمٍ كوردي ودمٍ تركماني.
ولا فرق بين مواطن سني ومواطن شيعي ومواطن مسيحي أو إيزيدي أو صابئي.
الفرق الحقيقي هو بين من يحترم العراق وقانونه ومؤسساته، ومن يرتكب جريمة بحق الوطن أو المواطنين، على أن يحدد ذلك القضاء وبالأدلة والنصوص القانونية.
العراق يجمعنا… والطائفية تمزقنا
يا أبناء العراق…
لقد دفع هذا الشعب ثمناً باهظاً بسبب الحروب والانقسامات والإرهاب والطائفية والصراعات السياسية.
آن الأوان أن نتعلم من التاريخ.
نختلف في السياسة، لكن لا نختلف على الوطن.
نختلف في الرأي، لكن لا نختلف على وحدة العراق.
نختلف في البرامج، لكن لا نختلف على سيادة الدولة.
العراق أكبر من الحزب، وأكبر من الطائفة، وأكبر من القومية، وأكبر من الأشخاص جميعاً.
ومن أراد خدمة قوميته أو طائفته، فليخدم العراق من خلالها، لا على حساب العراق.
الخاتمة: ابن العراق هو من يحمي العراق
ليس المطلوب أن نسأل العراقي:
أأنت عربي أم كوردي؟
سني أم شيعي؟
تركماني أم مسيحي؟
بل السؤال الحقيقي:
هل تحترم وطنك؟
هل تحترم دستوره؟
هل تحترم قوانينه؟
هل تحترم دماء أبنائه؟
هل تريد للعراق الأمن والاستقرار والازدهار؟
إذا كان الجواب نعم، فأنت ابن العراق.
العراق لا يريد أبناءً متناحرين، بل مواطنين متساوين.
ولا يريد ولاءات متصارعة، بل دولةً واحدةً ذات سيادة.
ولا يريد ثأراً سياسياً، بل قضاءً مستقلاً يحاسب وفق الدليل والقانون.
العراق أولاً… والعراق أخيراً.
وطنٌ واحد، وشعبٌ واحد، وقانونٌ واحد، وكرامةٌ واحدة.
لا طائفية… لا عنصرية… لا إقصاء… لا ولاء فوق ولاء العراق.
العراق يجمعنا، والقانون يحكمنا، والمواطنة هويتنا، ومستقبل العراق يصنعه العراقيون الشرفاء من جميع قومياتهم وأديانهم ومذاهبهم