محمد السعدي.. من جبل كوردستان إلى منفى السويد سيرة مناضل وذاكرة جيل عراقي

نبيل عبد الأمير الربيعي

هناك سيرٌ شخصية تتجاوز حدود أصحابها، فتتحول من حكاية فرد إلى نافذة على زمن كامل. وسيرة الصديق والرفيق محمد السعدي، المعروف بـ(أبو بيدر)، واحدة من هذه السير التي تستحق التوقف والقراءة؛ ليس لأنها حكاية مناضل شيوعي عراقي عاش الاعتقال والعمل السري وحياة الأنصار في كوردستان العراق والمنفى فحسب، وإنما لأنها تختزن جانباً من تاريخ جيل عراقي وجد نفسه في مواجهة واحدة من أكثر المراحل قسوة واضطراباً في تاريخ البلاد الحديث.
ينحدر محمد السعدي من قرية الهويدر في محافظة ديالى، وهي البيئة التي تركت أثرها المبكر في تكوينه. وفي حديثه عن بداياته، يشير إلى أن البيئة المحيطة به أسهمت في تحديد مساراته الفكرية والسياسية، كما كان لخاله خزعل السعدي، الذي استشهد في أحداث انقلاب 8 شباط 1963، حضور مبكر في تشكيل وعيه. وفي مطلع شبابه، ثم في سنوات الدراسة الجامعية، اقترب السعدي من الفكر الشيوعي وانخرط في صفوف الحزب الشيوعي العراقي، قبل أن تقوده ظروف العراق السياسية والأمنية إلى مسار أكثر خطورة.

لم يكن الانتماء السياسي في العراق خلال تلك السنوات مسألة ثقافية مجردة. كان يمكن لفكرة أو كتاب أو علاقة رفاقية أن تتحول إلى سبب للملاحقة والاعتقال. ومع تصاعد القمع في سنوات الحرب العراقية الإيرانية، وجد كثير من الشيوعيين العراقيين أنفسهم أمام خيارات صعبة: العمل السري، الاختفاء، مغادرة المدن، أو الالتحاق بحركة الأنصار في جبال كوردستان.
وهنا تبدأ مرحلة أخرى في حياة السعدي. إذ ترك الجامعة واتجه إلى الجبل، وانخرط في صفوف الأنصار الشيوعيين، وعاش حياة مختلفة تماماً عن حياة الطالب الجامعي. الجبل لم يكن بالنسبة إليه مجرد مكان للاختباء من أجهزة الأمن، بل أصبح مدرسة قاسية في العمل السياسي والتنظيمي والعسكري، وفي العلاقات الإنسانية التي تنشأ في ظروف الخطر والموت.
وتشير شهادات وقراءات مذكراته إلى مشاركته في عدد من مهام وعمليات الأنصار، ووجوده في مناطق من كوردستان، ومنها قرداغ ودربندخان، قبل أن يعود إلى العمل السري داخل المدن. وتكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة لأنها كانت جزءاً من تجربة واسعة عاشها الشيوعيون العراقيون في مواجهة النظام الدكتاتوري، وهي تجربة لا يمكن قراءتها من زاوية البطولة وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى مساءلة أخطائها وقراراتها وتناقضاتها.
لعل هذه النقطة تحديداً هي ما يجعل تجربة السعدي مختلفة عن كثير من المذكرات السياسية؛ فهو لا يكتب عن نفسه بوصفه بطلاً معصوماً من الخطأ، بل يتوقف عند أخطائه أيضاً. وفي مذكراته يسجل نقداً ذاتياً وندماً على بعض ممارساته خلال سنوات الأنصار، وهي شجاعة لا تقل أهمية عن شجاعة حمل السلاح، لأن الاعتراف بالخطأ هو بداية كتابة تاريخ أكثر صدقاً.
الشعبة الخامسة.. حين يصبح السجن جزءاً من الذاكرة
في عام 1987 وقع محمد السعدي في قبضة الاستخبارات العسكرية، وأصبح سجيناً في الشعبة الخامسة في بغداد لمدة 87 يوماً، وفق ما يورده هو ومصادر تناولت مذكراته. وتصف هذه المصادر تعرضه للتعذيب والضغط النفسي ومحاولة انتزاع المعلومات منه، قبل اقتياده إلى محكمة الثورة، ثم إطلاق سراحه في ظروف ارتبطت بمساومته على التعاون مع أجهزة الأمن.
هذه التجربة ستظل واحدة من أكثر المحطات حضوراً في كتاباته اللاحقة. فالسجن لا ينتهي بمجرد فتح الباب والخروج منه. هناك سجن آخر يبقى في الذاكرة: الخوف، الأصوات، التحقيق، الأسئلة، انتظار المجهول، ووجوه الذين كانوا معه خلف القضبان. ولهذا لم يكن كتابه (سجين الشعبة الخامسة) مجرد شهادة على الاعتقال، بل محاولة لمواجهة الماضي واستعادة ما حاول السجن أن يدفنه في الذاكرة.
وقد صدرت الطبعة الأولى من الكتاب في السويد عام 2001، ثم أعيدت طباعته، قبل أن تصدر له طبعة في بغداد عن دار ميزوبوتاميا. وتشير مصادر تناولت الكتاب إلى أن المؤسسات الثقافية السويدية اهتمت به، كما وصل إلى بعض السجون السويدية التي قرأه فيها سجناء. وهنا تتحول تجربة السعدي من شأن شخصي إلى شهادة إنسانية؛ فالجلاد قد يسيطر على الجسد زمناً، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يصادر الذاكرة إلى الأبد.
من العراق إلى المنفى
لم يكن الخروج من العراق بالنسبة لمحمد السعدي رحلة سفر عادية. كانت الرحلة امتداداً لسنوات المطاردة والعمل السري والخوف. خرج من العراق، وتنقل عبر إيران وسوريا، قبل أن يصل إلى السويد، حيث استقر في مدينة مالمو.
وتشير إحدى الدراسات التي تناولت سيرته إلى أن وصوله إلى السويد كان في 3 حزيران 1989، وأنه حصل بعد نحو أسبوعين على الإقامة بوصفه لاجئاً سياسياً. المنفى، في مثل هذه الحالات، ليس انتقالاً من بلد إلى بلد، وإنما انتقال من حياة كاملة إلى حياة جديدة مجهولة الملامح.
في السويد وجد السعدي نفسه أمام مجتمع مختلف، ولغة جديدة، ونظام اجتماعي وثقافي جديد، وحياة كان عليه أن يعيد بناءها من الصفر. لكنه لم يتخلَّ عن اهتمامه بالعراق. وعلى الرغم من المسافة الجغرافية، ظل يتابع الشأن السياسي والثقافي العراقي، ويقرأ ما يصله من كتب ومجلات، ويتابع تطورات الحرب والحصار وما كان يجري في الداخل.
ومن اللافت يذكر أنه حين عاد متسللاً إلى بغداد عام 1986 في مهمة حزبية، كان يقتنص الفرص لزيارة المكتبات وشراء الكتب والمجلات، في دلالة تكشف أن الثقافة بالنسبة إليه لم تكن ترفاً منفصلاً عن العمل السياسي، بل جزءاً من تكوينه ووعيه. وفي السويد أيضاً لم يتوقف نشاطه العام. وتذكر مصادر تناولت تجربته أنه شارك في ندوات وفعاليات وبيانات سياسية، وأنه ساهم منذ عام 1989 مع مجموعة من الوطنيين العراقيين في تشكيل تيار للدفاع عن العراق أمام العالم، ومعارضة ما اعتبره رهناً للإرادة الوطنية بالعامل الخارجي.
ربما تكمن القيمة الأهم في تجربة محمد السعدي في أنه لم يسمح للزمن بأن يحول تجربته إلى يقين مغلق. لقد ظل وفياً لكثير من قناعاته الفكرية، لكنه في الوقت نفسه بدأ يقرأ التجربة الشيوعية العراقية بعين نقدية. وفي كتبه ومقابلاته يتوقف عند أخطاء القيادة، والانقسامات، والتحالفات، وتجربة العمل الأنصاري، وما بعد 2003، كما يتناول بصورة صريحة ما يراه من إخفاقات اليسار العراقي. وهنا تصبح المذكرات أكثر من مجرد سيرة ذاتية؛ إنها محاولة لمراجعة تجربة سياسية من الداخل. فالمناضل الذي يكتب عن نفسه بعد عقود ليس مطالباً بأن يدافع عن كل ما فعله في شبابه، بل أن يحاول فهمه. وهذه المسافة بين الإنسان الشاب الذي اتخذ القرار والإنسان الذي ينظر إليه بعد سنوات طويلة هي المسافة التي يصنع فيها النقد الذاتي معناه الحقيقي.
قد أشار الباحث عبد الحسين شعبان، في تقديمه لكتاب السعدي (بيني وبين نفسي – حكايات من أرشيف الحركة الشيوعية العراقية)، إلى أن تجربة السعدي جزء من تجارب واسعة لمناضلين شيوعيين عراقيين، وإنها تحتاج إلى الدراسة والمراجعة والتمحيص والنقد لاستخلاص ما لها وما عليها.
في كتابه (أوراق صفراء من الصندوق الأسود) يذهب السعدي أبعد من سرد تجربته الشخصية. يستدعي شخصيات عراقية وعربية وعالمية أثرت في تكوينه، ويعيد قراءة أحداث سياسية وتاريخية من منظور شخص عاش جزءاً من تلك الأحداث أو ظل قريباً من تداعياتها.
ومن بين الشخصيات التي يتوقف عندها ألبير كامو، ومهدي بن بركة، وعبد الفتاح إسماعيل، وعامر عبد الله، وسلام عادل، وغيرهم، كما يتناول أحداثاً مفصلية في تاريخ العراق، ومنها قضية قاعة الخلد عام 1979، وأحداث بشتآشان، ويحاول تقديم قراءة مختلفة لبعض الوقائع على ضوء ما توفر له من معلومات وتجارب.
وهنا تتسع دائرة السيرة من (أنا) الفرد إلى (نحن) الجماعة. إن السعدي لا يريد فقط أن يقول: هذا ما حدث لي، بل يحاول أن يسأل: لماذا حدث؟ ومن المسؤول؟ وما الذي تعلمناه؟ وأين أخطأنا؟ ولماذا انتهت بعض الآمال إلى الهزيمة والانقسام والمنفى؟ هذه الأسئلة هي التي تمنح مذكراته قيمة تتجاوز السيرة الشخصية.
ثمة شيء لافت في تجربة محمد السعدي: أنه لم يكتب الماضي باعتباره زمناً ذهبياً. فالحنين إلى الماضي قد يكون جميلاً، لكنه يصبح خطراً حين يتحول إلى تقديس. والسعدي، في كثير من كتاباته، يحاول أن يضع الماضي على طاولة التشريح: يتحدث عن البطولة، لكنه يتحدث عن الأخطاء أيضاً؛ يتذكر الرفاق، لكنه لا يخفي الخلافات؛ يستعيد سنوات النضال، لكنه لا يتهرب من الأسئلة المؤلمة التي رافقتها. ولهذا فإن قراءة تجربته لا ينبغي أن تكون قراءة تمجيدية ولا إدانة جاهزة، بل قراءة تاريخية نقدية تبحث عن الإنسان داخل الحدث.
لقد كان شاباً جاء من الهويدر إلى بغداد، ووجد نفسه في قلب صراع سياسي كبير، ثم صار نصيراً في جبال كوردستان، وسجيناً في الشعبة الخامسة، وعاد إلى العمل السري، ثم وجد نفسه مهاجراً في أوروبا، قبل أن يستقر في السويد ويواصل الكتابة والبحث واستعادة الذاكرة. هذه الرحلة وحدها تكفي لتقول إن تاريخ العراق لم يكن مكتوباً في قصور السلطة وحدها؛ لقد كتب أيضاً في البيوت السرية، وفي الجبال، وفي غرف التحقيق، وفي المنافي، وفي ذاكرة الذين نجوا.
السويد.. وطن الإقامة لا وطن الذاكرة
بعد عقود في السويد، أصبحت مالمو جزءاً من حياة محمد السعدي، لكنها لم تستطع أن تمحو الهويدر من ذاكرته، ولا بغداد، ولا الجبل، ولا الشعبة الخامسة، ولا وجوه الرفاق. وهذه هي مفارقة المنفى: أن يعيش الإنسان في مكان جديد، لكنه يحمل داخله خريطة مكان قديم. وقد يكون هذا هو السبب في كثافة الكتابة عند السعدي؛ فحين يعجز الإنسان عن العودة إلى الماضي، يحاول أن يستعيده بالكلمات. الكتابة هنا ليست ترفاً أدبياً، وإنما شكل من أشكال مقاومة النسيان.
من هذه الزاوية، يمكن قراءة كتبه الثلاثة: (سجين الشعبة الخامسة)، و(بيني وبين نفسي)، و(أوراق صفراء من الصندوق الأسود)، بوصفها حلقات في مشروع واحد: مشروع استعادة الذاكرة الشخصية والسياسية، ومحاولة ترك شهادة للأجيال المقبلة. وقد تناولت قراءات منشورة هذه الكتب الثلاثة باعتبارها سجلاً لتجربته في الداخل، وفي حركة الأنصار، وفي الاغتراب السويدي.
لماذا أكتب عن محمد السعدي؟ لأن تاريخ العراق الحديث يحتاج إلى أصوات متعددة. يحتاج إلى صوت السلطة، وإلى صوت المعارضة، وإلى صوت الضحية، وإلى صوت المناضل، وإلى صوت من راجع تجربته بعد سنوات. وكل صوت، مهما كان منحازاً إلى تجربته، يحمل جزءاً من الحقيقة. وكتابة تاريخ الحركة الشيوعية العراقية تحديداً لا يمكن أن تكتمل من خلال الوثائق الحزبية وحدها، ولا من خلال الروايات الرسمية التي كتبتها السلطة، بل تحتاج أيضاً إلى شهادات الذين عاشوا التجربة في تفاصيلها اليومية: في الخلية، وفي الجبل، وفي السجن، وفي المنفى.
لكن الشهادة الشخصية، مهما كانت أهميتها، تحتاج هي الأخرى إلى المقارنة والتدقيق والتوثيق. وهذا لا ينتقص من قيمتها، بل يمنحها قوة أكبر؛ لأن التاريخ الحقيقي لا يخشى الأسئلة، ولا يخشى اختلاف الروايات، ولا يخشى النقد.
من هنا أجد في تجربة محمد السعدي مادة مهمة للباحث في التاريخ الاجتماعي والسياسي للعراق، لأنها تضع أمامنا ليس فقط تاريخ حزب أو تنظيم، وإنما تاريخ إنسان عراقي تشكل وعيه وسط الانقلابات والحروب والاستبداد والهجرة، ثم حمل ذاكرته معه إلى بلد بعيد.
ما أكتبه عن السعدي اليوم لا يأتي من مجاملة، ولا من رغبة في صناعة صورة مثالية لمناضل عاش زمناً صعباً، وإنما مما توضح لي أكثر من خلال الاطلاع على سيرته وكتبه وشهادته الشخصية.
وجدت في تجربته صفحات تستحق أن تقرأ بهدوء؛ لأنها تكشف الإنسان خلف الموقف السياسي، وتضعنا أمام جيل دفع ثمناً باهظاً لأفكاره، وعاش السجن والجبل والعمل السري والمنفى، ثم وجد نفسه بعد كل تلك السنوات أمام السؤال الأصعب: ماذا بقي من الحلم؟ وماذا تعلمنا من الهزيمة؟ وهذا السؤال، في اعتقادي، هو جوهر تجربتك.
ما يجمعنا، في النهاية، ليس فقط الاهتمام بتاريخ الحركة الشيوعية العراقية أو البحث في تفاصيلها، بل الإيمان بأن الذاكرة مسؤولية، وأن الحقيقة لا تُبنى بالتقديس ولا بالتشهير، وإنما بالبحث والنقد والمراجعة.
لهذا أرى في محمد السعدي أكثر من مناضل عراقي سابق يعيش في السويد؛ أراه شاهداً على مرحلة من تاريخ العراق، وكاتباً يحاول أن يضع تجربته أمام الأجيال القادمة بما فيها من شجاعة وخوف، وانتصار وانكسار، وأمل وخيبة، وأخطاء واعترافات.

قد يعجبك ايضا
∧