في محراب العشق

دلزار اسماعيل رسول

الجزء الستون
قِصَّتُنا … و وَجْدُ المُنْتَهى

توقفَ الزمنُ في منتصف النهار، وحين كانت الظهيرةُ تسكبُ هجيرَها القاسي على الطرقات، وتخنقُ المدينةَ بضجيجِ أجسادٍ عابرة لا روحَ فيها… انبثقتِ أنتِ كأنكِ قَدَرٌ محتوم…

تطلّعَ وجهي إلى وجهكِ عبرَ المدى، فتخطّت عينايَ كلَّ هذا الزحام لتستقرا على ملامحِكِ التي ما نسيتُها يوماً… كنتُ أظن أنني أبحثُ عن أثرٍ قديم، فإذا بي أقفُ أمامَ امرأةٍ تحملُ بين عينيها أمسي المستحيل، وتخفي في ابتسامتها مستقبلي الضائع … دنوتُ منكِ بخطىً تثقلُها الرهبة، أستأذنُ النورَ المنسابَ من سحركِ، فلم أجد أبواباً مغلقة، بل جَسّرتِ بيننا المسافةَ بنظرةٍ حانية… لكنها كانت البدايةَ لعذابٍ لم أحسب له حساباً…

أنا وهي… روحانِ يجمعهما حُلمٌ واحد … رجلٌ زرعتِ في أعمق أعمقِ روحه بذورَ عاطفةٍ نضرة، لكنها شُقّت بلظى الغيرةِ وعذابِ الوجد … قصتنا لم تكن مجردَ صفحاتٍ تُقرأ، بل كانت سفراً من ألمٍ صامت؛ أوراقٌ تسكنُها حروفي المتعبة، وحبيبٌ يعشقُ المغامرة، لكنه باتَ يجهلُ كيف انتهت به الطرق إلى هذا التيه…

تسألُني الروحُ في خفاء… لماذا نبتعد… وما الذي لجمَ الشغفَ فينا …أهو قسوة الظروف أم حيرة الروح أم هو الجفاء المتكلف أم خشية العتاب…

وفي قلبِ هذا الهجير، كنا نتبادلُ المودةَ سرّاً، فنغسلُ حزنَ العينينِ بلقاءٍ خاطف، لكن المرارةَ ظلت تسري في فمي، وشقاوةُ الشوقِ باتت تهددُ صفيّ أيامي … أراكِ عبر الشارع، فتنبتُ الحيرةُ في صدري، وتتمزقُ أضلعي وأنا ألمحُ شغفاً في عينيكِ أخشى أن يشاركني فيه أحد…

غفرتُ زلاتِكِ كلها، وتفهمتُ كلّ تقلبات هواكِ، ورأينا معاً كيف تَمَرَّدَت ينابيعُ العشقِ لتصيرَ حقيقةً كبرى… فلماذا نلوذُ بالصمت حين نلتقي … ولماذا يعلو وهج المنتصف على صدى نبضنا، بينما تظلانِ عيناكِ تعاتبانِ في رفق، وعينايَ تتمردانِ على هذا الخجل بلا جدوى…

أتأملكِ وأنتِ تخطين من بعيد… متألقةً بأناقةٍ صباحيةٍ تسرقُ الألباب، وبابتسامةٍ عذبةٍ ترتسمُ على شفتيكِ، تتجسدُ فيكِ كلُّ معاني الفتنة، وتتقمصين دورَ الأميرة التي أحببتُها حتى الاحتراق…

وهنا… تتسعُ حدقتايَ وجلاً وحباً، وتتأججُ في داخلي نارُ الغيرةِ كجمرٍ تحت الرماد؛ كيف لهذا الجمالِ أن يعبرَ الشارعَ على مرأى من الجميع … وكيف لعيون الغرباء أن تشاركني النظرَ إلى وجهكِ …أقفُ أمامكِ كتمثالٍ من شمع، تتساقطُ حروفي، وتقفُ شفتَايَ صامتتين لا تقويانِ على الحراك، بينما تتطلعُ ملامحُكِ إليّ لتسألني بحديثِ الصمت… “ما الذي حدث؟”…

كيف أُخبرُكِ بما حدث، وأنا الغريقُ في بحرِ أحباطي … ضاقت بي السبلُ كلها، وتغلقت في وجهي المسالك، فبتُّ حائراً أتخبطُ في عشواءِ هذا العشق، لا أعرفُ لنفسي خلاصاً، ولا أجدُ لقلبي المكلومِ مرفأً ولا مأوى… يعتصرُني الحزن، وتمزقُ الغيرةُ أوصالي كلما تخيلتُ أن طيفكِ قد يميلُ لغيري، أو أن الأيامَ قد تخطفُكِ مني، فيتحولُ عمري إلى ظلامٍ دامس…

عذابي عظيمٌ … عذابٌ رقيقٌ لا يعلمُ به أحد، أكتمُه بين ضلوعي وأبتسمُ لكِ، أداري وراء هذا الهدوءِ عاصفةً من الأسى والشغفِ الذي يقتلني حُباً وشوقاً…

ومع ذلك، أراكِ تتقدمين نحوي بخطىً واثقة، تتركين خلفكِ كل حيرة، وتنسحبين من زحام العالم لتكوني لي وحدي… يزحفُ الهجير، وتتفتحُ في عينيّ كل أزهار الحياة… لنبقى كما أردنا دائماً…

و ننتظر كيف كتبت أقدارنا …أنا وأنتِ….

قد يعجبك ايضا
∧