سلة سوريا المثقوبة: مزارعو الحسكة يزرعون بالطاقة الروحية!

هورين حسن

أهلاً بكم في محافظة الحسكة، “عاصمة الذهب الأصفر” سابقاً، والمحافظة التي كانت تُطعم الملايين وتصدّر الخيرات. اليوم، إذا أردت أن ترى كيف يُكافأ المُنتج في بلادنا، ما عليك سوى زيارة أبواب المصارف الزراعية التعاونية من ريف المحافظة إلى مدنها.

هناك، ستجد مزارعي القمح ينتظرون منذ الشهر السادس للحصول على ثمن عرقهم، ليس لأن الدولة قررت مفاجأتهم بجوائز تقديرية، بل لأن المصارف تعمل بنظام “القطّارة” السحري؛ تصرف لك دفعة أولى، لا تغطي ثمن إطار لجرار زراعي، أو تكاليف صيانة الآليات، بينما يقف المدير ليقول لك بابتسامة دبلوماسية باردة: “لا أعلم متى الدفعة القادمة، اسأل المطر!”.

ازرع بالدين واقبض بالصبر!

في هذا المشهد، المثير للسخرية السوداء هو عامل الوقت؛ فنحن الآن في بداية الخريف، والعداد الزمني بدأ بالتحرك الفعلي، فالموسم الجديد يطرق الأبواب والأرض بحاجة ماسة إلى بذار وحراثة.

لكن كيف يحرث المزارع أرضه وهو محاصر بجبال من الديون؟ الديون لتجار البذار، أجور الحصادات، والمازوت.

وما أدراك ما المازوت! في بلد تغلي فيه الأسعار وتشتعل فيه أسعار المشتقات النفطية كل صباح كبورصة عالمية.

يبدو أن المطلوب من مزارع الحسكة أن يقنع جراره الزراعي بالعمل على الطاقة الروحية أو الدعاء المستجاب، لأن سعر لتر المحروقات بات يحتاج لميزانية مستقلة لتعبئة خزان الوقود!

الحب والزواج مع وقف التنفيذ

ولأننا شعب شفاف وبسيط، فنحن لا نربط مواسمنا الزراعية بالأرض فقط، بل نربط بها تفاصيل حياتنا ومشاعرنا؛ نحن حرفياً نعيش على “أمل الفاتورة”.

وبسبب هذا التأخير المصرفي المريب، تحولت جغرافيا الحسكة بكافة بلداتها وقراها إلى مسرح لأغرب القصص الاجتماعية المضحكة والمبكية في آن واحد.

هناك من تجرأ وخطب بالدين على أمل الصرف الفوري، وهناك من أعطى حبيبته وعوداً وردية معلقة برزم العملة الغائبة: “بس تجي الفاتورة نشتري الذهب ونتزوج “!

والآن، ومع حلول بداية الخريف واقتراب الشتاء، تبخرت الوعود وتحولت طموحات الشباب إلى رماد؛ فالعريس ينتظر الفاتورة، والعروس تنتظر المحبس، ووالد العروس يهدد بفسخ الخطوبة لأن “الكاش غائب”!

وحتى المنازل التي كان من المفترض شراؤها في مدن المحافظة، وحفلات التخرج التي أُجلت بانتظار ثمن القمح، بقيت معلقة في الهواء.

لقد نجحت المصارف الزراعية في أمر واحد بامتياز، تأجيل أحلام جيل كامل وجعل الحب والزواج معاملة مؤجلة بانتظار التمويل!

احترق لتتفرج عليك اللجان!

أما الجانب الأكثر وجعاً وسخرية في آن واحد، فهو مصير أولئك المزارعين الذين التهمت النيران حقولهم هذا الموسم في مختلف مناطق المحافظة، وأصيب بعضهم بإصابات بليغة وقضى آخرون شهداء، وهم يحاولون إطفاء النار بصدورهم العارية لحماية رغيف خبز السوريين، ما هو مصيرهم؟

الجواب الروتيني الجاهز: “لجان حصر الأضرار تدرس الوضع”، وصندوق الجفاف يعلن ببرود أن الحرائق خارج صلاحياته! وتلاحق الديون عائلات الضحايا، ويعالج المصابون على نفقة التكافل الأهلي، بينما تكتفي المؤسسات الرسمية بإصدار بيانات التعاطف المطبوعة على ورق فاخر يوازي ثمنه كلفة العلاج!

سوق السماسرة والبذار العاقر

فُتح الباب أمام هذا الشلل المالي المفتعل، لنوع مبتكر من التكافل التجاري في مراكز المحافظة ومدنها؛ حيث ظهر تجار الكاش والسيولة، ليخلصوا المزارع من همّ الانتظار عبر عملية إنسانية جداً تُدعى “كسر الفواتير”.

يشتري التاجر تعب عام كامل بخصم بسيط يصل لـ 20% أو أكثر، ليموت المزارع من القهر ويحيا السمسار بالرفاهية.

ولكي تكتمل فصول هذه المسرحية الهزلية، لم تبخل الجهات المعنية هذا العام في تقديم مفاجأة إضافية، بذار سيئة ومغشوشة وزعت في العديد من المناطق، لتكتشف الأرض بعد أشهر أنها بذور “عاقر” لا تنبت شيئاً!

هكذا ضاع المحصول، وتراكمت الديون، ولم يحاسب أحد أولئك الذين مرروا شحنات الوهم للأرض.

حلول من كوكب آخر

يقف المزارعون أمام هذا الانسداد في عموم المحافظة، للمطالبة بأبسط الحلول الإسعافية وهي تفعيل” المقاصة المباشرة”؛ أي خذوا فواتيرنا المعلقة، وأعطونا بذاراً معقمة، ومازوت للموسم الجديد، بدلاً من إذلالنا في طوابير الكاش الغائب!

لكن يبدو أن العباقرة في الجهات الرسمية يعيشون في كوكب آخر، فهم يتجاهلون هذا الحل تماماً وحتى لو فكروا بتطبيقه.

فهم لا يعلمون أن هناك مزارعين في كافة أرجاء المحافظة تصل فواتيرهم إلى مئات الملايين نتيجة مساحات أراضيهم الواسعة.

فماذا سيفعل صاحب الفاتورة الضخمة بفائض البذار؟ يزرعه فوق أسطح المنازل، أم يحوّل أرضه إلى مستودع أسمدة؟

المزارع بحاجة لكاش حقيقي لتغطية هذا الفائض الضخم وسداد ديون التجار، ودفع أجور العمال، وتأمين معيشة عائلته لتزويج أولاده المنتظرين!

العزوف الجماعي أو المجاعة القادمة

إن زراعة القمح في الحسكة، ليست معاملة مكتبية تنتظر مزاجية الموظفين أو توفر الكاش؛ إنها خط أحمر مرتبطة بالتوقيت وبحياة الملايين.

وليعلم أصحاب القرار تربّعهم فوق قنبلة موقوتة؛ فإذا لم تُضخ السيولة كاملة دون قيد أو شرط خلال أيام، وإذا لم يُنصف متضرري الحرائق وتُؤمّن بذار مضمونة.

فإن الرد القادم من الأرض سيكون زلزالاً اقتصادياً يتمثل في إعلان إضراب وعزوف جماعي شامل عن الزراعة هذا الموسم في كل شبر من المحافظة.

ترك أراضي الحسكة بوراً ليس مجرد خسارة مالية للمزارع، بل هو قرار رسمي واعٍ بتجويع البلاد ورفع الدعم عن رغيف الخبز وإدخال المنطقة في نفق مظلم من الفوضى الغذائية.

الآن الكرة في ملعبكم، وإياكم واختبار صبر مزارع حاصرته النيران والديون، فإما الذهب الأصفر في الصوامع، أو الرماد والجوع للجميع!

قد يعجبك ايضا
∧