وصية القائد مسعود… ووعد مسرور: البيشمركة اليوم قوة واحدة

الشيخ دلشاد محمد احمد

في تاريخ الشعوب محطات لا تمرّ مرورًا عابرًا، لأنها تحمل في داخلها معاني تتجاوز حدود الحدث نفسه، واليوم تقف كوردستان أمام محطة مهمة في مسيرة بناء مؤسساتها، مع الإعلان عن توحيد قوات البيشمركة وإعادة تنظيمها ضمن مؤسسة عسكرية موحدة، في خطوة طال انتظارها، وتحمل دلالات كبيرة على مستوى الأمن والاستقرار وبناء المؤسسات الوطنية. لقد كان توحيد البيشمركة هدفًا حاضرًا في النقاشات والمواقف السياسية الكوردستانية منذ سنوات، وكان الرئيس مسعود بارزاني من الشخصيات التي أكدت أهمية بناء قوة بيشمركة وطنية موحدة، فيما جعلت الحكومة برئاسة السيد مسرور بارزاني هذا الملف ضمن أولوياتها، وأعلن رئيس الحكومة في 21 أيلول 2026 اكتمال عملية التوحيد وإعادة التنظيم تحت مظلة وزارة شؤون البيشمركة.
ومن هنا يأتي عنوان هذه المرحلة: وصية القائد مسعود… ووعد مسرور؛ فالرؤية التي طُرحت منذ سنوات بشأن ضرورة توحيد البيشمركة تتحول اليوم إلى خطوة مؤسساتية معلنة، بعد جهود طويلة هدفت إلى دمج القوات وتنظيمها ضمن هيكل عسكري موحد. وقد أشار السيد مسرور بارزاني في كلمته خلال مراسم الإعلان إلى أن حكومته أوفت بالتعهد الذي قطعته بشأن توحيد قوات البيشمركة، مؤكدًا أن العملية استغرقت سنوات من العمل والإصلاح.
إن أهمية هذا الإنجاز لا تكمن في الجانب العسكري وحده، فالبيشمركة ليست مجرد تشكيل عسكري في ذاكرة شعب كوردستان، بل هي جزء من تاريخ طويل من النضال والتضحيات، وقد واجهت في مراحل مختلفة أخطارًا كبيرة، ودفعت دماءً غالية في سبيل الدفاع عن الأرض والشعب. ولذلك فإن توحيدها ضمن مؤسسة واحدة يحمل معنى يتصل بمستقبل المؤسسة العسكرية نفسها، وبقدرتها على العمل وفق قيادة وتنظيم وتدريب وعمليات أكثر توحيدًا ومهنية.
إن وحدة البيشمركة تعني أن السلاح الذي حمله أبناء كوردستان في أصعب الظروف يمكن أن يكون اليوم جزءًا من مؤسسة وطنية أكثر تنظيمًا، وأن اختلاف التشكيلات لا ينبغي أن يكون أقوى من وحدة الهدف الذي جمع البيشمركة في ساحات الدفاع عن الوطن. فالمرحلة الجديدة تحتاج إلى أن تكون البيشمركة مؤسسة لجميع أبناء كوردستان ومكوناتها، وأن يكون ولاؤها للمؤسسة والوطن والقانون، وأن تبقى بعيدة عن التجاذبات التي يمكن أن تضعف دورها ومكانتها.
وإذا كان الرئيس مسعود بارزاني قد أكد في مواقفه أهمية وجود قوة عسكرية وطنية موحدة، فإن ما تحقق اليوم يمثل خطوة عملية في هذا الاتجاه، بينما يتحمل السيد مسرور بارزاني وحكومته مسؤولية مواصلة هذا المسار وتطويره، لأن التوحيد الإداري والتنظيمي ليس نهاية الطريق، وإنما بداية لمرحلة تحتاج إلى التدريب والتحديث والتسليح وبناء القدرات وتعزيز المهنية العسكرية.
والوفاء الحقيقي لتضحيات شهداء البيشمركة لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما ببناء مؤسسة قوية ومنظمة تحفظ دماء الشهداء وتصون كرامة المقاتلين وتحمي أمن كوردستان. فكل أم فقدت ابنها في ساحات الدفاع عن الوطن، وكل عائلة عاشت ألم الفقد، تنتظر أن ترى تضحيات أبنائها تتحول إلى أمن واستقرار ومؤسسات أقوى للأجيال القادمة.
إن كوردستان اليوم أمام فرصة مهمة لتعزيز ثقافة المؤسسة والوحدة، لأن قوة أي شعب لا تقوم على السلاح وحده، بل تقوم كذلك على وحدة المؤسسات، واحترام القانون، وتوحيد القرار، ووضع المصلحة الوطنية فوق المصالح الضيقة. ومن هنا فإن توحيد البيشمركة يمكن أن يكون خطوة مهمة في مسار أوسع نحو ترسيخ المؤسسات وتعزيز الاستقرار وحماية المكتسبات التي تحققت بدماء وتضحيات أبناء كوردستان.
مبارك لشعب كوردستان هذه الخطوة، والتحية لكل بيشمركة حمل السلاح دفاعًا عن أرضه وشعبه، والرحمة لشهداء البيشمركة الذين دفعوا حياتهم ثمنًا للأمن والحرية. واليوم يمكن اختصار المشهد كله في عبارة واحدة: وصية القائد مسعود… ووعد مسرور… والبيشمركة اليوم قوة واحدة؛ قوةٌ يُنتظر أن يكون ولاؤها لكوردستان، ومهمتها حماية شعبها، ومستقبلها قائمًا على المؤسسة والمهنية والوحدة.

قد يعجبك ايضا
∧