زنون سليڤاني – زاخو
تُعدّ قوات البيشمركة في كردستان رمزًا تاريخيًا ونضاليًا للشعب الكردي، إذ دافعت على مدى عقود طويلة عن الأرض والحقوق المشروعة للشعب الكردي، وقدّمت في سبيل ذلك تضحيات جسامًا. وفي ظل المتغيرات السياسية والأمنية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يبرز موضوع توحيد قوات البيشمركة وإعادة تنظيمها ضمن مؤسسة عسكرية وطنية واحدة، بوصفه ضرورة ملحّة وخيارًا استراتيجيًا يسهم في تعزيز أمن إقليم كردستان واستقراره، ويدعم الأمن والاستقرار في العراق عمومًا.
أولًا: الأهمية الوطنية والاستراتيجية لتوحيد قوات البيشمركة
إن توحيد قوات البيشمركة تحت مظلة وزارة شؤون البيشمركة من شأنه أن يسهم بصورة مباشرة في تجاوز التباينات الحزبية، وتحويل هذه القوات إلى مؤسسة عسكرية نظامية ومهنية تعمل وفق أسس وطنية ومؤسساتية، بعيدًا عن التجاذبات السياسية.
كما أن توحيد القوات يعزز مكانتها وهيبتها، ويقوّي موقف حكومة إقليم كردستان في علاقاتها ومفاوضاتها مع الحكومة الاتحادية في بغداد، فضلًا عن كونه رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي والحلفاء بشأن جدية الإقليم في بناء مؤسسات عسكرية وأمنية قوية، مهنية وشفافة.
ثانيًا: التحديات والخطوات العملية
على الرغم من وجود إرادة سياسية ودعم إقليمي ودولي لعملية توحيد قوات البيشمركة، فإن دمج الألوية والوحدات التابعة للقوى السياسية الرئيسية يواجه عددًا من التحديات الإدارية والتنظيمية واللوجستية.
وتتطلب هذه المرحلة تضافر الجهود من أجل توحيد منظومة القيادة والسيطرة، وتنظيم الموارد والميزانية، وإعادة هيكلة القوات بما ينسجم مع المعايير العسكرية الحديثة، إلى جانب مواصلة برامج التدريب والتأهيل والتطوير، والاستفادة من الدعم والخبرات التي يقدمها الحلفاء والشركاء الدوليون.
ولا تقتصر عملية التوحيد على الجانب الإداري والعسكري فحسب، بل تشمل أيضًا ترسيخ ثقافة مؤسساتية تقوم على الانضباط والاحتراف، وتعزيز مبدأ خضوع القوات للمؤسسات الرسمية والقانون، بما يضمن أداء مهامها بكفاءة وفاعلية.
ثالثًا: رؤية المستقبل – بناء جيش وطني قوي
إن الهدف الأسمى من عملية توحيد قوات البيشمركة يتمثل في بناء قوة عسكرية وطنية ومهنية تضم أبناء كردستان بمختلف انتماءاتهم، وتكون قادرة على حماية أمن الإقليم ومصالحه، والمساهمة في حماية الأمن الوطني العراقي، ضمن الأطر الدستورية والقانونية.
وتمثل بيشمركة المستقبل نموذجًا يجمع بين الإرث النضالي والتاريخي لهذه القوات، وبين متطلبات المؤسسة العسكرية الحديثة القائمة على الانضباط والكفاءة والتدريب والاحتراف. ومن شأن هذا المسار أن يسهم في بناء مؤسسة عسكرية أكثر تماسكًا وقدرة على مواجهة التحديات الأمنية، وتعزيز مقومات الاستقرار وحماية مستقبل الأجيال القادمة.
خاتمة
إن توحيد قوات البيشمركة يمثل مسارًا مؤسساتيًا مهمًا في ترسيخ بناء الدولة والمؤسسات في إقليم كردستان، وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات الأمنية والسياسية. فكلما كانت القوات العسكرية أكثر تنظيمًا ومهنية وخضوعًا للمؤسسات الرسمية، ازدادت قدرتها على أداء واجباتها في حماية المجتمع والأرض، والمساهمة في ترسيخ الأمن والاستقرار.
ومن هنا، فإن استكمال مشروع توحيد قوات البيشمركة يمكن أن يشكل خطوة مهمة نحو بناء مؤسسة عسكرية وطنية حديثة، تستند إلى التاريخ والتضحيات، وتواكب في الوقت نفسه متطلبات الحاضر وتطلعات المستقبل.