الديمقراطية بين فهمنا وفهمهم حين تتحول صناديق الاقتراع من وسيلة لبناء الدولة إلى أداة للسيطرة على الآخرين
شيركو حبيب
الديمقراطية بين فهمنا وفهمهم حين تتحول صناديق الاقتراع من وسيلة لبناء الدولة إلى أداة للسيطرة على الآخرين
الديمقراطية بين فهمنا وفهمهم حين تتحول صناديق الاقتراع من وسيلة لبناء الدولة إلى أداة للسيطرة على الآخرينالديمقراطية بين فهمنا وفهمهم حين تتحول صناديق الاقتراع من وسيلة لبناء الدولة إلى أداة للسيطرة على الآخرين
الديمقراطية ليست صناديق الانتخابات وحدها، كما أن الانتخابات ليست نهاية الديمقراطية، وإنما هي واحدة من أهم وسائلها. أما جوهرها الحقيقي فيكمن في احترام الإنسان وحقوقه، والمساواة والعدالة، وقبول الآخر، والاعتراف بحقه في المشاركة وصناعة القرار، هكذا أفهم الديمقراطية، وهكذا أعتقد أنها يجب أن تكون في الدولة المدنية التي نريد بناءها.
المشكلة تبدأ عندما تصبح الديمقراطية مجرد شعار، بينما تكون الممارسة شيئًا آخر. تبدأ عندما تُستخدم الانتخابات للوصول إلى السلطة، ثم يُنسى أن السلطة ليست ملكًا للحزب الذي فاز، وأن الحصول على الأكثرية لا يعني امتلاك الحق في إلغاء الآخرين أو فرض الإرادة عليهم، الديمقراطية في رأيي ليست انتقالًا من سلطة إلى سلطة فقط، وإنما انتقال من ثقافة فرض الإرادة إلى ثقافة الشراكة، ومن منطق الغلبة إلى منطق القانون والمؤسسات.
الديمقراطية ليست انتصار الأكثرية على الجميع
لا خلاف على أن نتائج الانتخابات يجب أن تُحترم، ومن يحصل على الأكثرية يمتلك حقًا مشروعًا في تشكيل الحكومة وممارسة السلطة وفق الدستور والقانون. لكن الأكثرية لا تملك حق إلغاء الأقلية، كما أن الأقلية لا تفقد حقوقها السياسية والدستورية لمجرد أنها لم تحصل على العدد الأكبر من الأصوات.
هنا يظهر الفرق بين الديمقراطية الحقيقية والديمقراطية التي تتحول إلى وسيلة للهيمنة. فالانتخابات تمنح الشرعية للحكم، لكنها لا تمنح أي حكومة أو حزب تفويضًا مفتوحًا لتجاوز الدستور، أو تهميش المعارضة، أو مصادرة حقوق المكونات الأخرى، وفي المقابل فإن احترام حقوق الأقلية لا يعني تعطيل إرادة الناخبين أو منع الأكثرية من ممارسة حقها في تشكيل الحكومة.
المعادلة واضحة: نحترم نتائج الانتخابات، ونحترم في الوقت نفسه حقوق الجميع. وهذا التوازن هو الذي يحمي الديمقراطية من تحول الأكثرية إلى سلطة مطلقة، أو استخدام حقوق الأقلية لتعطيل إرادة الناخبين.
لذلك، فإن الديمقراطية لا تُقاس فقط بوجود صناديق الاقتراع، وإنما بما يحدث بعد إعلان النتائج: هل تُحترم المؤسسات؟ هل يُحترم الدستور؟ هل تستطيع المعارضة أداء دورها؟ وهل يشعر المواطن بأن حقوقه مصانة؟
الديمقراطية كما نفهمها
بالنسبة لنا نحن الكورد عامة، والحزب الديمقراطي الكوردستاني خاصة، لا يمكن فصل مفهوم الديمقراطية عن تاريخ طويل من النضال من أجل الحرية والحقوق والاعتراف بالوجود القومي والسياسي.
الديمقراطية بالنسبة إلينا ليست كلمة تُستخدم في المناسبات، وليست طريقًا للوصول إلى المناصب، بل هي حق الإنسان في أن يعيش حرًا، وأن يعبر عن رأيه، وأن يشارك في إدارة شؤونه، وأن يشعر بأن الدولة تحميه ولا تهدده، وأن القانون يسري عليه كما يسري على غيره.
ومن هذا المنطلق، فإن ارتباط اسم الحزب الديمقراطي الكوردستاني بالديمقراطية لم يكن اختيارًا سياسيًا عابرًا، بل ارتبط نضاله، منذ بداياته، بفكرة الحرية وحقوق الشعب الكوردي وبناء حياة سياسية تقوم على المشاركة والمؤسسات، لكن النضال من أجل حقوق الكورد لا يمكن أن يكون مبررًا لحرمان الآخرين من حقوقهم. فنحن عندما نطالب بحقوقنا، فإننا لا نطالب بحقوق فوق حقوق الآخرين، وإنما بحقوق متساوية تقوم على العدالة والاعتراف والشراكة.
مسعود بارزاني… الديمقراطية تبدأ من إرادة الشعب
في هذا السياق، أجد أن مواقف الرئيس مسعود بارزاني من الديمقراطية والمؤسسات تستحق التوقف عندها. فعندما دعا في مدينة كويسنجق إلى إجراء الانتخابات لتشكيل المؤسسات التشريعية، لم تكن المسألة مجرد دعوة إلى إجراء انتخابات، وإنما تعبيرًا عن مبدأ واضح: المؤسسات التي تمثل الشعب يجب أن تستمد شرعيتها من الشعب.
فالبرلمان لا يكتسب قوته من اسمه أو من وجوده الشكلي، وإنما من الشرعية التي يمنحها له الناخبون. والانتخابات ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لبناء مؤسسات قادرة على التشريع والرقابة وممارسة دورها في الحياة السياسية.
وفي كوردستان، حيث توجد قوى سياسية متعددة ومكونات قومية ودينية مختلفة، نحتاج إلى برلمان يمارس دوره، وحكومة تتشكل على أساس نتائج الانتخابات، ومؤسسات تعمل وفق القانون، وحوار سياسي يحترم الاختلاف بدل تحويله إلى صراع دائم. الديمقراطية لا تخشى الانتخابات، ولا تخشى البرلمان، ولا تخشى المعارضة. الديمقراطية الحقيقية تعرف كيف تدير الاختلاف.
الديمقراطية في بغداد… اختبار الشراكة الاتحادية
إذا أردنا أن نتحدث عن الديمقراطية في العراق بجدية، فلا يمكن أن نفصلها عن العلاقة بين بغداد وأربيل.
الدستور العراقي هو الأساس الذي ينظم هذه العلاقة، وليس وثيقة يمكن اختيار المواد التي تناسب هذا الطرف أو ذاك وترك المواد الأخرى جانبًا. فالدولة الاتحادية تقوم على الشراكة والحقوق والالتزامات المتبادلة، وليس على ميزان القوة.
ومن هنا، فإن استمرار الخلاف حول المستحقات المالية لإقليم كوردستان، وعدم التعامل مع الحقوق الدستورية للإقليم بصورة واضحة ومستقرة، يطرح سؤالًا أكبر من الخلاف المالي أو السياسي نفسه:
هل نحن أمام شراكة دستورية حقيقية، أم أمام تفاوض سياسي مستمر على حقوق يفترض أن يحسمها الدستور؟ المستحقات المالية للإقليم ليست منّة من بغداد، كما أنها لا ينبغي أن تتحول إلى ورقة ضغط في الخلافات السياسية، بل هي قضية يجب أن تُعالج وفق الدستور والقوانين والاتفاقات النافذة.
والأمر نفسه ينطبق على المادة 140 من الدستور. فهي استحقاق دستوري يحتاج إلى معالجة عادلة وجادة، تحفظ حقوق السكان والمكونات المعنية، ولا يجوز أن تبقى معلقة إلى ما لا نهاية.
لا يمكن أن نتحدث عن دولة ديمقراطية واتحادية، ثم نقبل في الوقت نفسه بأن تبقى الحقوق الدستورية معلقة، أو أن تتحول المستحقات المالية إلى أداة للضغط السياسي. نريد علاقة اتحادية واضحة، يعرف فيها كل طرف حقوقه وواجباته، ويحتكم الجميع إلى الدستور والمؤسسات.
منطق الشراكة لا منطق الإقصاء
العراق وكوردستان مجتمعان متعددا القوميات والأديان والمذاهب والقوى السياسية. ولذلك فإن أي مشروع سياسي يقوم على سيطرة مكون واحد على الآخرين سيبقى مشروعًا ناقصًا مهما حصل على عدد كبير من الأصوات.
المشكلة ليست في أن يفوز حزب أو مكون بالانتخابات، بل عندما يعتقد الفائز أن هذا الفوز يمنحه الحق في التحكم بالآخرين. فالديمقراطية لا تعطي المكون الأكبر حق التحكم بالمكونات الأصغر، ولا تحول نتائج الانتخابات إلى رخصة لإلغاء التنوع.
المكون الذي يمتلك الأغلبية له حق إدارة السلطة، لكن عليه في الوقت نفسه مسؤولية حماية حقوق الآخرين. والمواطن يجب أن يشعر بأن حقوقه لا تعتمد على قوميته أو دينه أو حجم جماعته أو قربه من السلطة. الوطن أكبر من الحزب، والدولة أكبر من الحكومة، والسلطة مسؤولية وليست غنيمة.
مسؤولية الحزب الديمقراطي الكوردستاني
الاعتزاز بتاريخ الحزب الديمقراطي الكوردستاني يجب ألا يبقى في حدود استذكار الماضي والشعارات التي رُفعت في مراحل النضال. فالاختبار الحقيقي لأي حزب هو قدرته على تحويل مبادئه إلى ممارسة في الحاضر.
إذا كان الديمقراطي الكوردستاني قد رفع شعار الديمقراطية والحرية، فإن الدفاع عن هذا الإرث يتطلب اليوم حماية المؤسسات، واحترام نتائج الانتخابات، وتعزيز الشراكة، وحماية حقوق المكونات، وعدم السماح بتحويل السلطة إلى غاية بحد ذاتها.
وأرى أن قوة الحزب لا تُقاس فقط بعدد الأصوات التي يحصل عليها، وإنما أيضًا بقدرته على بناء مؤسسات قوية وقادرة على الاستمرار، وبقدرته على التعامل مع القوى السياسية الأخرى باعتبارها جزءًا من المشهد السياسي، لا مجرد خصوم.
ولهذا، فإن تفعيل البرلمان، واحترام نتائج الانتخابات، وتشكيل الحكومة على أساس الإرادة الانتخابية، ليست تفاصيل إدارية، بل جزء من بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات. الأحزاب يمكن أن تختلف، لكن المؤسسات يجب أن تبقى، والحكومات تتغير، لكن الدولة يجب أن تستمر.
الديمقراطية التي نريدها
نحن لا نريد ديمقراطية تستخدم لتجميل الإقصاء، ولا انتخابات تتحول إلى غطاء للسيطرة، ولا أكثرية تتصرف وكأنها فوق القانون. نريد ديمقراطية تحترم الإنسان، وتحمي حقوقه، وتضمن المساواة والعدالة، وتعتبر التعددية مصدر قوة لا مصدر تهديد. نريد برلمانًا يمارس دوره، وحكومة تستمد شرعيتها من الانتخابات، وقضاءً مستقلًا، ومؤسسات لا تخضع للأهواء السياسية، ومعارضة تستطيع ممارسة دورها من دون خوف أو إقصاء.
هذه هي الديمقراطية التي أفهمها، وهذه هي الديمقراطية التي أرى أن علينا الدفاع عنها، ليس بالكلمات والشعارات فقط، وإنما بالممارسة والمؤسسات واحترام إرادة الناس.
وفي النهاية، الديمقراطية ليست أن يفوز طرف ويخسر الآخرون، بل أن يفوز الوطن عندما تُحترم إرادة الشعب، وتُصان حقوق الجميع، ويعلو الدستور فوق المصالح الحزبية، ويصبح القانون فوق الأشخاص والأحزاب. وهذا ما يناضل من أجله الحزب الديمقراطي الكوردستاني.
وعندها فقط تكون صناديق الاقتراع وسيلة لبناء الدولة، لا أداة للسيطرة على الآخرين.