الخزف العراقي… حين تتكلم الأرض بلغة الجمال

الدكتورة نيبال عبد الكريم نعمان

ليس الخزف العراقي مجرد حرفةٍ تُشكَّل فيها كتلة من الطين ثم تُودَع النار لتخرج إناءً أو لوحةً أو قطعةً للزينة، بل هو صفحة من صفحات الذاكرة العراقية، وواحد من أقدم أشكال الحوار بين الإنسان والأرض. ففي بلاد الرافدين، حيث تعلّم الإنسان منذ الأزمنة السحيقة أن يحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات للحياة ورموز للمعنى، كان الطين مادةً قريبة من اليد والوجدان معاً؛ منه شُيّدت البيوت، وعلى ألواحه كُتبت الكلمات، ومنه صُنعت الأواني والتماثيل والرموز التي حملت إلينا شيئاً من ملامح الإنسان العراقي القديم. ولهذا فإن الحديث عن الخزف العراقي لا يبدأ من حدود الفن الحديث وحده، بل يمتد عميقاً في تاريخ حضاري طويل، حتى يبدو الطين في العراق وكأنه شاهد لا يشيخ، يحتفظ ببصمات الأجيال ويعيد سرد حكاياتها كلما لامسته يد فنان.
لقد ارتبطت حضارات وادي الرافدين بالطين ارتباطاً استثنائياً. فالسومريون والأكديون والبابليون والآشوريون لم ينظروا إلى المادة بوصفها شيئاً صامتاً فحسب، وإنما جعلوا منها وعاءً للمعرفة والحياة والمعتقد والجمال. وكانت الأواني الفخارية بما تحمله من أشكال وزخارف تكشف جانباً من أنماط العيش والذائقة الفنية والعلاقات الاجتماعية والطقوس اليومية. وحين نتأمل قطعة خزفية قديمة فإننا لا ننظر إلى مادة جامدة، بل إلى أثر يدٍ بشرية عاشت قبل آلاف السنين، اختارت الشكل ورسمت الخط ووضعت العلامة ثم سلّمت عملها إلى النار. وهنا تكمن إحدى أجمل فلسفات الخزف: فالطين هشّ قبل النار، لكنه يخرج منها أكثر صلابة، وكأن الفن نفسه يختصر تجربة الإنسان العراقي الذي مرّ بأزمنة قاسية، وظل قادراً على تحويل المحنة إلى شكل جديد من أشكال البقاء.
والخزف، في جوهره، لقاء بين أربعة عناصر: الأرض والماء والهواء والنار، غير أن يد الإنسان هي التي تمنح هذا اللقاء معناه. يأخذ الخزاف قبضة من التراب، يضيف إليها الماء، ويبدأ بتشكيلها في حركة تجمع الصبر بالخيال. وقد تكون البداية كتلة لا ملامح لها، ثم تتدرج بين أصابعه حتى تصبح إناءً أو وجهاً أو تكويناً تجريدياً أو جداراً خزفياً يحمل رؤية فنية كاملة. لذلك لا يصنع الخزاف شكلاً فقط؛ إنه يفاوض المادة، ويختبر حدودها، ويمنح الصامت صوتاً. وفي التجربة العراقية تحديداً تزداد هذه العملية ثراءً، لأن الفنان يحمل خلفه مخزوناً هائلاً من الرموز: النخلة، ودجلة والفرات، والبوابة، والكتابة المسمارية، والأقواس، والقباب، والزخارف الإسلامية، وألوان المدن والأسواق والأزقة والبيوت القديمة.
ومع تعاقب العصور لم يفقد الخزف مكانته، بل اكتسب وجوهاً جديدة. ففي العصور الإسلامية تطورت صناعة الخزف وطرائق التزجيج والزخرفة، وأصبح اللون والخط والنقش عناصر أساسية في بناء القطعة الفنية. وقد منحت الحضارة الإسلامية الفنان مجالاً واسعاً لتحويل الهندسة والنبات والخط إلى موسيقى بصرية، فغدت الأسطح الخزفية فضاءات تتكرر فيها الأشكال دون أن تفقد حيويتها. وفي بغداد، بما مثلته من مركز حضاري وثقافي، تداخلت الصناعات والفنون مع تيارات واسعة جاءت من مناطق متعددة، فكان للخزف حضوره في الحياة اليومية وفي العمارة والزينة وفي التعبير عن الذوق الحضري.
غير أن قيمة الخزف العراقي لا تُختزل في ماضيه. فالفنان العراقي الحديث والمعاصر تعامل مع الخزف بوصفه مجالاً للإبداع الحر، لا مجرد استمرار لحرفة تقليدية. وأصبح الخزاف يبحث عن لغة شخصية تجمع الموروث بالتجريب، فيستعير من الحضارات القديمة رمزاً ثم يعيد صياغته بمنظور معاصر، أو يستحضر هيئةً معمارية من بغداد القديمة ليمنحها معنى جديداً، أو يجعل من الشقوق والخشونة وعدم انتظام السطح جزءاً من جمال العمل نفسه. وهكذا تحوّل الخزف من وعاء وظيفي إلى خطاب بصري قادر على التعبير عن الإنسان والمدينة والذاكرة والقلق والحلم والانتماء.
إن جمال الخزف العراقي ينبع، في جانب مهم منه، من قدرته على الجمع بين البساطة والعمق. فالطين مادة متواضعة موجودة تحت الأقدام، لكن الفن يرفعها إلى مستوى الذاكرة والجمال. وهذه المفارقة تحمل معنى فلسفياً بالغاً: ليست قيمة الأشياء دائماً في ندرتها أو ثمنها، بل في الروح التي يضعها الإنسان فيها. قد تكون قطعة الخزف مصنوعة من تراب عادي، لكن أثر الأصابع عليها، واختيار اللون، وحرارة الفرن، وفكرة الفنان، تجعل منها عملاً لا يتكرر تماماً. ولهذا تحتفظ القطعة الخزفية بشيء من فردية صانعها؛ إنها أشبه بتوقيع لا تكتبه اليد بالحبر، بل تتركه في انحناءة السطح وفي خشونته وملمسه وألوانه.
ومن الناحية الاجتماعية، يحفظ الخزف صوراً من الحياة العراقية القديمة والحديثة. فالأواني والجرار والأباريق والأطباق لم تكن أشياء منفصلة عن حياة الناس، بل رافقتهم في بيوتهم وأسواقهم ومناسباتهم. ومن خلال دراسة الأشكال وطرائق الصناعة والزخرفة يمكن قراءة جوانب من الاقتصاد والعادات ومستوى التطور التقني والذوق العام. إن إناءً بسيطاً عُثر عليه في موقع أثري قد يخبر الباحث عن الطعام والتخزين والتجارة وأنماط الاستقرار أكثر مما تخبره نصوص كثيرة. وهكذا يصبح الخزف وثيقةً من نوع خاص؛ وثيقة لا تعتمد الكلمات، وإنما تتحدث بالشكل والمادة والأثر.
وفي العراق الحديث، تكتسب المحافظة على فن الخزف أهمية تتجاوز حدود الفن، لأنها تتصل بحماية الهوية الثقافية نفسها. فالعولمة والإنتاج الصناعي الواسع وتراجع بعض الحرف اليدوية يمكن أن تجعل أجيالاً جديدة بعيدة عن العلاقة الحميمة بين الإنسان والمادة. ومن هنا تأتي ضرورة دعم تعليم الخزف في المعاهد والكليات، وتشجيع الورش الفنية والمعارض والمتاحف، وتوثيق تجارب الخزافين العراقيين، وربط الأجيال الجديدة بتاريخ هذا الفن من دون تحويل التراث إلى قيد يمنع الابتكار. فالتراث الحقيقي لا يعيش بالتكرار، وإنما بالقدرة على أن يولد من جديد في كل عصر.
ويمكن للخزف العراقي أيضاً أن يؤدي دوراً مهماً في تقديم صورة العراق إلى العالم. فالعراق كثيراً ما يُقرأ خارج حدوده من خلال السياسة والحروب والأزمات، بينما تمتلك الثقافة العراقية رواية أخرى أكثر عمقاً واتساعاً: رواية الحضارة والفن والكتابة والموسيقى والشعر والعمارة والخزف. وعندما تعرض قطعة خزفية عراقية معاصرة تستلهم رموز بلاد الرافدين، فإنها لا تقدم شكلاً جمالياً فحسب، بل تقول إن هذه الأرض التي شهدت صراعات كثيرة كانت، قبل ذلك وبعده، أرضاً تصنع الجمال وتبتكر المعنى. إنها قوة ثقافية هادئة تستطيع أن تعيد تقديم العراق بوصفه وطناً للحضارة والإبداع.
ولعل أجمل ما في الخزف أنه يعلم الإنسان درساً في الصبر. فالخزاف لا يستطيع استعجال الطين، ولا يستطيع أن يختصر مراحل التجفيف والحرق والتزجيج بلا ثمن. كل مرحلة تحتاج إلى معرفة وانتظار، وأي خطأ قد يؤدي إلى تشقق العمل أو انهياره. وهذا الدرس يتجاوز حدود الورشة؛ فالأشياء الجميلة والعميقة تحتاج إلى زمن، والنضج لا يحدث دفعة واحدة. وكما أن النار لا تدمر القطعة بالضرورة، بل قد تمنحها صلابتها النهائية، فإن التجارب الصعبة قد تصنع في الإنسان قوة لم تكن فيه قبلها. وربما لهذا السبب يبدو الخزف قريباً جداً من الروح العراقية: كلاهما يعرف معنى النار، وكلاهما يخرج منها حاملاً آثارها من دون أن يفقد قدرته على الجمال.
إن الخزف العراقي هو، في النهاية، أكثر من فن وحرفة؛ إنه ذاكرة أرض ويد إنسان، وجسر بين أقدم الأزمنة والحاضر. ففي كل قطعة خزفية شيء من تراب العراق، وفي كل خط أو نقش أو لون محاولة لمنح هذا التراب صوتاً وشخصية. وإذا كانت الحضارات تُعرف بما تركته من قصور ونصوص ومدن، فإنها تُعرف أيضاً بتلك الأشياء الصغيرة التي استخدمها الناس وأحبوها وصنعوها بأيديهم. ومن هنا يظل الخزف العراقي شاهداً على عبقرية الإنسان في بلاد الرافدين، ذلك الإنسان الذي لم يكتفِ بأن يسكن الأرض، بل جعل الأرض نفسها تتكلم بلغته. وحين نتأمل هذا الفن بعمق ندرك أن الجمال لا يأتي دائماً من المواد النفيسة؛ فقد يبدأ من حفنة طين، تمر بين يدين صبورتين، وتدخل النار، ثم تخرج حاملةً ذاكرة وطن بأكمله.

قد يعجبك ايضا