محمد علي الحيدري
واشنطن
لم تعد كلفة الحرب مع إيران تُقاس بما تنفقه واشنطن على العمليات العسكرية، أو بما تخسره أسواق النفط من اضطراب الإمدادات والملاحة. فبعد أكثر من ستة أشهر على اندلاع الحرب، بدأت الفاتورة الأكثر التصاقاً بحياة الأميركيين تظهر بوضوح عند محطات الوقود، وفي أجور النقل وأسعار السلع، لتتحول الطاقة من نتيجة جانبية للحرب إلى واحدة من أبرز تداعياتها الاقتصادية والسياسية داخل الولايات المتحدة.
وبحسب تقرير نشره موقع “Axios”، الاثنين، بلغت الزيادة التي تحملها المستهلكون الأميركيون في كلفة البنزين والديزل منذ بدء الحرب في 28 شباط/فبراير نحو 100 مليار دولار، استناداً إلى مؤشر لحظي أعدته كلية واتسون للشؤون الدولية والعامة في جامعة براون. ويشير المؤشر إلى أن الفاتورة تزداد بنحو مليون دولار كل دقيقتين، فيما تحملت الأسرة الأميركية المتوسطة أكثر من 760 دولاراً من النفقات الإضافية على الوقود خلال الأشهر الستة الماضية.
لكن الرقم الإجمالي، على ضخامته، لا يروي القصة كاملة. فالتحول الأكثر إثارة للقلق يتعلق بالديزل، الذي يمثل شرياناً أساسياً للاقتصاد الأميركي، إذ تعتمد عليه الشاحنات التي تنقل الجزء الأكبر من السلع، إلى جانب قطاعات الزراعة والبناء وبعض وسائل النقل والصناعة.
وتشير وكالة “أسوشيتد برس” إلى أن متوسط سعر الديزل بلغ مستوى قياسياً عند نحو 5.85 دولارات للغالون، في وقت وصل فيه متوسط البنزين العادي خلال عطلة عيد العمال إلى نحو 4.14 دولارات للغالون، وهو أعلى سعر مسجل لهذه المناسبة.
أما البيانات الرسمية لإدارة معلومات الطاقة الأميركية فتوضح حجم التحول بصورة أدق. ففي الأسبوع المنتهي في 31 آب/أغسطس بلغ متوسط البنزين العادي 4.07 دولارات للغالون، بزيادة تقارب 89 سنتاً عن العام السابق. وفي كاليفورنيا وصل المتوسط إلى 5.52 دولارات، وفي لوس أنجلوس إلى 5.53 دولارات.
ولا يرتبط الارتفاع بالنفط الخام وحده. فقد أوضحت إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن أسواق الوقود تواجه اختناقات في عمليات التكرير في الشرق الأوسط وروسيا والصين، بالتزامن مع تراجع واردات الولايات المتحدة من البنزين منذ آذار/مارس بنسبة 32 في المئة عن متوسط السنوات الخمس السابقة. كما كانت مخزونات المقطرات، التي تشمل الديزل، في أواخر آب/أغسطس أقل بنحو 14 في المئة من متوسط خمس سنوات.
وهنا تكمن المشكلة الأوسع: ارتفاع الديزل لا يبقى عند محطة الوقود. فالشاحنة التي تدفع أكثر لنقل الخضراوات أو اللحوم أو الأجهزة المنزلية تنقل جزءاً من تلك الزيادة إلى تاجر الجملة، ومنه إلى المتجر، وصولاً إلى المستهلك. والأمر نفسه ينطبق على الزراعة والشحن الجوي والبحري والخدمات اللوجستية. وبذلك يمكن أن تتحول أزمة الطاقة تدريجياً إلى موجة تضخمية جديدة تمتد إلى سلة واسعة من السلع والخدمات.
والضغوط لا تأتي من جبهة واحدة. فقد أدت الحرب مع إيران والاضطراب المتواصل في منطقة الخليج إلى رفع علاوة المخاطر على النفط، فيما أضافت الهجمات الأوكرانية على منشآت التكرير الروسية ضغطاً جديداً على سوق المنتجات النفطية. وذكرت “رويترز” أن أسعار الديزل الأميركية سجلت مستويات قياسية وسط تقلص الإمدادات العالمية، في وقت تواجه فيه المصافي اضطرابات متزامنة في عدد من مناطق الإنتاج الرئيسية.
حتى وقود السفن دخل دائرة الأزمة. فقد أفادت “رويترز” بأن مخزونات وقود السفن في مراكز رئيسية مثل سنغافورة وروتردام والفجيرة أصبحت أقل بنحو 30 في المئة من مستوياتها الموسمية المعتادة، فيما ارتفعت أسعار أحد أهم أنواع وقود السفن في سنغافورة بنسبة 76 في المئة منذ اندلاع الحرب مع إيران. وإذا استمرت هذه الاتجاهات، فإن كلفة نقل البضائع عبر البحار ستضيف بدورها طبقة جديدة من الارتفاع إلى الأسعار التي يدفعها المستهلك النهائي.
ويظل مضيق هرمز في قلب هذه المعادلة. فالأزمة لم تعد مجرد مخاوف نظرية من إغلاق الممر، بل أصبحت مرتبطة بدرجة عدم اليقين بشأن كميات النفط والغاز التي تستطيع المنطقة إيصالها بأمان إلى الأسواق. وجاء إعلان طهران أنها تستعد لتحديد منطقة جديدة مقيدة للملاحة في الخليج ليضيف مزيداً من القلق إلى سوق شديدة الحساسية لأي تهديد لحركة الناقلات.
ومن هنا تكتسب المئة مليار دولار التي تحدث عنها “Axios” معنى سياسياً يتجاوز الحسابات الاقتصادية. فالحروب البعيدة جغرافياً تصبح شأناً داخلياً عندما تظهر كلفتها على لوحة الأسعار في محطة الوقود، ثم على فاتورة الغذاء والنقل والسفر.
الرئيس دونالد ترامب يؤكد أن الأميركيين مستعدون لتحمل كلفة أعلى للطاقة في مقابل منع إيران من امتلاك سلاح نووي. لكن اختبار هذه المقولة سيكون في الاقتصاد والسياسة معاً، ولا سيما مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. فالمستهلك قد يتعامل مع ارتفاع مؤقت للأسعار باعتباره ثمناً لأزمة استثنائية، لكن المسألة تختلف عندما تتحول الزيادة إلى عبء يستمر أشهراً ويبدأ بالتسلل إلى معظم تفاصيل المعيشة.
والأكثر أهمية أن المؤشرات الحالية لا توحي بعودة سريعة إلى الأسعار السابقة. فإدارة معلومات الطاقة تشير إلى استمرار اختلالات أسواق التكرير والإمدادات، بينما تبقى حركة النفط عبر الخليج مرتبطة بمسار مواجهة عسكرية يصعب التنبؤ بنهايتها.
وهكذا تدخل الحرب مرحلة مختلفة بالنسبة إلى الأميركي العادي. فالسؤال لم يعد فقط عن كلفة الطائرات والصواريخ والعمليات العسكرية، بل عن الكلفة التي تصل إلى جيبه كل يوم. وإذا كانت الفاتورة قد تجاوزت بالفعل 100 مليار دولار خلال ستة أشهر، فإن السؤال الاقتصادي والسياسي الأكثر إلحاحاً في واشنطن لم يعد كم كلفت الحرب حتى الآن، بل: كم ستبلغ كلفتها إذا استمرت ستة أشهر أخرى؟