ثورة أيلول… المحكمة التي شهدت على دولةٍ تُبنى وسط الحرب

شيركو حبيب

عندما تُذكر ثورة أيلول، تتجه الذاكرة أولًا إلى الجبال، إلى البيشمركة، إلى المعارك والمواجهات، وإلى سنوات طويلة من المقاومة في ظروف عسكرية وسياسية بالغة الصعوبة، لكن اختزال الثورة في البندقية والجبهة وحدهما لا يعطي صورتها كاملة، فثورة أيلول لم تكن حربًا فقط، بل كانت، في جانب مهم منها، محاولة لبناء حياة سياسية واجتماعية مختلفة في المناطق التي كانت تحت نفوذ الثورة. وبينما كان البيشمركة يقاتلون في الجبهات، كان هناك آخرون يحاولون أن يجعلوا من تلك الثورة مجتمعًا قادرًا على إدارة شؤونه، وحماية حقوق الناس، وتنظيم حياتهم، كان هناك الطبيب، والمعلم، والمثقف، والإعلامي، والموظف، والحقوقي والقاضي.
وهنا تبرز المحكمة العليا للثورة بوصفها واحدة من أكثر الشواهد أهمية على ذلك الوجه الآخر لثورة أيلول، الوجه الذي يقول إن الثورة لم تكن تهدم وتقاتل فقط، وإنما كانت تحاول، في الوقت نفسه، أن تبني مؤسساتها.
الثورة لم تكن بندقية فقط
من أهم ما يلفت النظر في تجربة ثورة أيلول أن عددًا من أصحاب الاختصاص وجدوا طريقهم إلى الثورة، ليس من أجل حمل السلاح بالضرورة، وإنما من أجل تقديم خبراتهم لخدمة المجتمع، فالثورة كانت بحاجة إلى الطبيب لعلاج الجرحى والمدنيين، وإلى المعلم لمواصلة التعليم، وإلى الإعلامي لنقل صوتها، وإلى المثقف لتنظيم خطابها، وإلى الحقوقي والقاضي لتنظيم شؤون الناس وتحقيق العدالة، وهذا يعني أن الثورة، رغم ظروف الحرب، كانت تدرك أن المجتمع لا يستطيع أن يعيش بالبندقية وحدها.
فالبندقية تحمي الإنسان، لكن القانون يحمي حقه.
وهذه الفكرة تحديدًا تجعل تجربة القضاء في ثورة أيلول جديرة بالدراسة، لأنها تكشف جانبًا من التفكير المؤسسي الذي رافق الثورة في مراحلها المختلفة.
المحكمة العليا… حين يصبح القانون ضرورة
مع اتساع المناطق التي كانت الثورة تتمتع فيها بنفوذ، ظهرت الحاجة إلى تنظيم شؤون المجتمع وحل النزاعات والفصل في القضايا، بدل أن تبقى الأمور خاضعة للظروف العسكرية أو للاجتهادات الشخصية، ومن هنا جاءت فكرة إنشاء جهاز قضائي للثورة، وصولًا إلى تأسيس المحكمة العليا للثورة عام 1963، لتكون أعلى سلطة قضائية في المناطق الواقعة تحت نفوذ الثورة، وبمثابة محكمة تمييز بالنسبة إلى النظام القضائي الذي أُنشئ آنذاك.
وكان على رأس هذه المحكمة و مؤسسها القاضي عمر حبيب، وهو قاضٍ سبق له العمل في القضاء العراقي، ويمتلك خبرة قانونية وقضائية قبل التحاقه بالثورة. واول قاضي يلتحق بثورة ايلول.
ولم يكن حضور عمر حبيب في الثورة مجرد حضور شخصي أو سياسي، بل كان انتقالًا للخبرة القانونية إلى قلب الثورة.
وهنا تكمن أهمية الرجل.
ففي الوقت الذي كانت فيه الجبهة بحاجة إلى قائد عسكري، كانت الثورة بحاجة أيضًا إلى رجل قانون يعرف معنى المحكمة، ويفهم مسؤولية القاضي، ويعرف أن الثورة التي تريد أن تغيّر واقع شعبها لا بد أن تكون قادرة على حماية حقوق هذا الشعب.
عمر حبيب… القاضي في قلب الثورة
القاضي عمر حبيب يمثل نموذجًا مهمًا من نماذج أصحاب الاختصاص الذين التحقوا بثورة أيلول، فقد درس القانون وعمل في مجال المحاماة والقضاء، وتولى مهام قضائية في عدد من المدن والمحاكم العراقية، قبل أن يلتحق بالثورة، وبعد التحاقه بها، تولى مهمة تأسيس المحكمة العليا للثورة ورئاستها.
وهنا لا تكمن أهمية عمر حبيب في كونه قاضيًا فقط، وإنما في أنه حمل معه إلى الجبل فكرة أن القانون يجب أن يكون حاضرًا حتى في زمن الحربن وهذه ليست مسألة بسيطة.
ففي ظروف الثورة والحرب، كان من السهل أن تطغى القوة العسكرية على كل شيء، وأن يصبح السلاح هو المرجع الوحيد. لكن إنشاء محكمة، وتحديد اختصاصاتها، وتوزيع المسؤوليات بين القضاة والحقوقيين والادعاء والتحقيق، يعني أن هناك محاولة حقيقية لإقامة نظام قانوني داخل واقع استثنائي.
شهادة محسن دزه‌يي… من داخل المحكمة
وتزداد أهمية هذه التجربة عندما نقرأ شهادة السياسي والحقوقي المخضرم والشخصية الوطنية الكوردية محسن دزه‌يي في كتابه أحداث عاصرتها.
فشهادة دزه‌يي ليست مجرد رواية عن المحكمة من بعيد، بل شهادة من داخلها، تتحدث عن أسماء الأشخاص، وطبيعة عمل المحكمة، والظروف الصعبة التي كانت تعمل فيها.
ويذكر دزه‌يي أن القاضي عمر حبيب فكنت على صداقة مع عمر حبيب منذ أوائل الخمسينيات أو أواخر الاربعينيات عندما كان محامياً وتربطنا بأكثر عوائل كويسنجق علاقات قرابة أو صداقة ،وكان أكثرهم اصدقاء لشقيقي كاك أحمد أو رفيقأ حزبياً له، كان رئيس المحكمة العليا للثورة، وأن المحكمة ضمت في عضويتها روبيتان الجاف ومحسن دزه‌يي، فيما استعانت بـ الملا جميل الروزبياني في القضايا الشرعية، كما يذكر أن المحكمة لم تكن مؤسسة شكلية، بل كانت جزءًا من منظومة قضائية شملت المحكمة الجنائية الكبرى، وهيئة التحقيق، والادعاء العام المدني والعسكري. وكان يرافق الحاكم عمر حبيب رئيس المحكمة ابن شقيـقه الشاب فرهاد عوني، الذي كان يعمل كأحد كتاب الضبط في المحكمة

وترسم شهادته صورة شديدة الدلالة عن واقع تلك المؤسسة.
فالمحكمة لم تكن تعمل في مبنى كبير أو في ظروف مستقرة. كانت الإمكانات محدودة، والحرب حاضرة، والقصف الجوي يهدد المناطق التي تعمل فيها الثورة، ومع ذلك، كان هناك قضاة وحقوقيون وموظفون يجلسون أمام الملفات، ويبحثون في القضايا، ويحاولون تطبيق القانون.
وهذا وحده يحمل دلالة تاريخية كبيرة.
أن تكون هناك محكمة في الجبل وسط الحرب، يعني أن الثورة كانت تفكر في اليوم الذي يلي المعركة، وفي الإنسان الذي يجب أن يعيش بعد انتهاء المعركة.
منظومة قضائية وليست محكمة فقط
تكشف شهادة محسن دزه‌يي أن التجربة القضائية لم تتوقف عند المحكمة العليا، فقد كانت هناك محكمة جنائية كبرى، تولى دزه‌يي رئاستها بصورة مؤقتة، وشارك فيها حسن أحمد والحقوقي كمال الحاج مصطفى.
كما تولى دزه‌يي بصورة مؤقتة مسؤولية التحقيق، بما في ذلك الإشراف القضائي على أماكن التوقيف والسجنن وكان هناك أيضًا ادعاء عام مدني وعسكري، فتولى النقيب في الشرطة كمال أحمد برقي مهمة الادعاء العام المدني، فيما تولى الشهيد النقيب طاهر صالح، المعروف بطاهر نايلون، مهمة الادعاء العام العسكري.
هذه التفاصيل قد تبدو صغيرة أمام تاريخ المعارك والاتفاقيات السياسية، لكنها في الحقيقة شديدة الأهمية، لأنها تكشف أن الثورة كانت تحاول بناء منظومة متكاملة، لا مجرد تشكيل محكمة رمزية تحمل اسمًا.
القانون وتنظيم المجتمع
القانون في تجربة ثورة أيلول لم يكن ترفًا يمكن الاستغناء عنه بسبب الحرب، على العكس، كلما اتسعت مسؤولية الثورة تجاه الناس، ازدادت حاجتها إلى القانونن فالناس بحاجة إلى من يفصل في النزاعات، ويحسم القضايا، ويحمي الحقوق، ويحدد المسؤوليات، ويمنع تحول القوة إلى وسيلة لحسم كل خلاف.
وهنا يصبح القضاء جزءًا من مشروع الثورة السياسي والاجتماعي، فالثورة التي تطالب بحقوق شعبها لا يمكن أن تكون بعيدة عن مفهوم الحقوق داخل المجتمع نفسه، والثورة التي تتحدث عن العدالة لا بد أن تحاول ممارسة العدالة في المناطق التي أصبحت مسؤولة عن إدارتها.
من الجبهة إلى المؤسسة
ربما تكون هذه واحدة من أهم الدروس التي يمكن قراءتها في تجربة أيلول، فالبيشمركة كان يدافع عن الثورة في الجبهة، لكن القاضي كان يدافع عن حق المواطن داخل المحكمة.
المعلم كان يدافع عن مستقبل الجيل الجديد داخل المدرسة.
الطبيب كان يدافع عن حياة الإنسان داخل العيادة والمستشفى.
والإعلامي كان يدافع عن صوت الثورة أمام العالم.
وبذلك لم تكن المؤسسة منفصلة عن الثورة، بل كانت جزءًا من استمرارها.
وهذا يفسر لماذا كان انضمام أصحاب الاختصاص إلى الثورة مهمًا، لأن الثورة لم تكن بحاجة إلى المقاتلين وحدهم، وإنما كانت بحاجة إلى أشخاص قادرين على تحويل المبادئ التي ترفعها إلى ممارسة في حياة الناس.
المحكمة… شاهد على دولة تُبنى وسط الحرب
ربما تكون المحكمة العليا للثورة واحدة من أكثر الشواهد وضوحًا على أن ثورة أيلول كانت تحمل في داخلها مشروعًا يتجاوز الحرب، ففي الوقت الذي كانت فيه الطائرات تقصف، كانت هناك ملفات قضائية تُفتحن وفي الوقت الذي كان فيه البيشمركة يخوضون المعارك، كان القضاة والحقوقيون يبحثون في حقوق الناس، وفي الوقت الذي كانت فيه الثورة تواجه الدولة عسكريًا، كانت تحاول في المناطق التي تديرها أن تبني مؤسسات تشبه، من حيث الوظيفة، مؤسسات الدولة، وهنا تكمن المفارقة التاريخية الجميلة في تجربة أيلول: ثورة تقاتل من أجل بناء مستقبل، وتبدأ ببناء بعض مؤسسات ذلك المستقبل وهي ما تزال في قلب الحرب.
إرث يستحق أن يُدرس
لقد كُتب الكثير عن المعارك التي خاضتها ثورة أيلول، وعن قادتها وبيشمركتها واتفاقياتها السياسية، لكن الوجه المؤسسي للثورة لا يزال بحاجة إلى قراءة أوسع وأعمق، إن دراسة المحكمة العليا للثورة، وأسماء القضاة والحقوقيين الذين شاركوا فيها، وطبيعة القضايا التي تعاملت معها، والظروف التي عملت فيها، يمكن أن تقدم لنا صورة مختلفة عن تلك المرحلة، صورة ثورة لم تكن تبحث فقط عن الانتصار في المعركة، بل كانت تحاول أن تخلق واقعًا جديدًا للناس الذين عاشوا تحت سلطتها.
ومن هنا، فإن شهادة محسن دزه‌يي عن المحكمة، وذكر أسماء عمر حبيب وروبيتان الجاف والملا جميل الروزبياني وغيرهم، ليست مجرد تفاصيل في كتاب أو ذكريات من الماضي، إنها وثائق إنسانية وتاريخية على مرحلة كان فيها القانون حاضرًا في الجبل، رغم أن الحرب كانت حاضرة أيضًا، لقد كان هناك من يحمل البندقية دفاعًا عن الثورة، ومن يحمل القانون دفاعًا عن الإنسان.
وهذه، في رأيي، هي الصورة التي تجعل ثورة أيلول أكبر من أن تُختصر في معركة أو تاريخ بداية ونهاية.
إنها تجربة شعب حاول، وسط الحرب، أن يبني مؤسساته، وأن يجعل من الثورة مشروعًا للحياة، لا مجرد مشروع للمواجهة. ولهذا تبقى المحكمة العليا للثورة شاهدًا حيًا على دولةٍ كانت تُبنى وسط الحرب.

قد يعجبك ايضا